الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) المرأة العربية والسياسة
 
 
 

أتذكر مدى كرهي لمادة علم السياسة عندما كنت في المرحلة الثانوية؛ فقد كان يفرض علينا دراستها رغم اختيارنا للفرع العلمي, ولم يكن كرهي لها نابعاً من جفافها أو من اهتمامي بأمور أخرى تناسب سني آنذاك كالشعر والحب والموسيقى فحسب, بل إن السبب الرئيسي يكمن في تدريسها وطرحها من وجهة نظر تفترض أنها تملك الحقيقة المطلقة؛ ومن أطرف ما أذكره أن المؤلف من أجل أن يقنعنا بالقومية العربية وضع حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:( لا يقوم الإسلام إلا على سواعد عربية), وعندما ناقشت أستاذ المادة آنذاك قلت له: أظن يا أستاذ أن هذا الحديث موضوع لأن الحضارة التي نتغنى بها قامت على سواعد غير عربية...والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى, ويكفي أن صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس كان كرديا ولم يكن عربيا!

ربما كان الحماس يغلب علي في تلك الفترة, وأشكر الله أن الأستاذ كان مسيحيا متسامحا, بل كان مضرب المثل في التسامح بين الأساتذة والمعلمات, فأجمل امتحان هو امتحان التربية القومية الاشتراكية إذ كان يعطينا الأسئلة, ويجلس إلى منضدته يطالع كتابا أو ينظر من النافذة يتأمل في خلق السماء والأرض, بينما نحن كنا نتأمل أيضا في الكتب التي نفتحها مشرعة أمامنا لننقل ما يتسنى لنا من إجابات على أسئلة كنت أنا شخصيا لا أفقه منها شيئا مع أني المتفوقة الأولى!

لا أتذكر ذلك في هذه اللحظة لأنعى القومية والاشتراكية وغيرها من المبادئ التي فات أوانها خاصة بعد سقوط عروش واهتزاز ديكتاتوريات, أو لأقول أن تأثير تلك الأيام في نفسي ركب فيّ عقدة الكره لكلمة السياسة التي كانت فنا لإدارة مصالح العباد وتصريف أمور البلاد فأصبحت خادما لمصالح الساسة وعائلاتهم مما لا يخفى على أحد, إنما كي أتساءل: هل دراسة السياسة تناسب المرأة العربية؟

وأؤكد على كلمة "العربية" كي لا يظن أني ضد عمل المرأة في أي مجال إذا كانت متقنة لذلك المجال, لكنني لا أخفي أمنيتي أن تدرك المرأة التي تريد أن تكون سياسية أن السياسة فن قبل أن تكون علما, وأنه كي يكون المرء فنانا صادقا فإنه يجب أن يتماهى مع فنه بحيث يصبح وإياه ذاتا واحدة.

ما يدفعني إلى كتابة هذه السطور في الحقيقة هو عدم تقبلي للتناقض بين المرأة العربية السياسية والسياسة, وأعلم أن الأخوات المهتمات بهذا العلم قلة على ما يبدو وإن كن في ازدياد, لكني أنصحهن إما أن يمتزجن بهذا الفن أو أن يتركنه للرجال.

منذ عدة أيام أجرت إحدى القنوات الفضائية حوارا مع أستاذة في العلوم السياسية, وكانت المذيعة المحاورة قد صبغت وجهها بأثقال من الأحمر والأبيض ورسمت عينيها بأطنان من الكحل والظل؛ وهذا وإن كان مقبولا ممن مهنتها استعراض جمالها كمذيعة مثلا, فهل هو مقبول ممن هي أستاذة في العلوم السياسية؟! وليت المقام وقف بنا عند هذا الحد, لكن المزعج في الأمر حقا أن هذه الأستاذة كانت تحمل في يديها أرطالا من الأساور الذهبية التي يسمع رنينها مع كل حركة تأتيها, مما ذكرني بأغنية شعبية مصرية عن عجين الفلاحة حين يختلط صوت أساور الفلاحة المنهمكة في العجن مع نغمات الموسيقى!

والبارحة كنت أقرأ كتابا لإحدى المثقفات العربيات في موضوع سياسي, فإذا بالنقولات من الكتب الأخرى أكثر بكثير من إرهاصات الكاتبة الفكرية, وقد اعتدت هذا منها ويُحسب لها على الأقل أنها تثبت مراجعها, وليس كما يعتاد البعض على القنص والسرقة دون إرجاع الفضل لأهل الفضل, لكن المشكلة كانت أنها تريد أن تقارع الحجة بالحجة, فإذا بها تعتمد أسلوب الصراخ بدل الحوار, وتستدل بالعاطفة بدل العقل, وتنطلق من مبادئها متجاهلة أن من تنتقده لا يعترف بمنطلقاتها أصلا, فكيف يمكن للسياسة وهي فن الحكمة في تصريف الأمور إذا لم نقل أنها فن اللف والدوران -كما يحلو للبعض أن يصفها- أن تكون تبعا للعاطفة؟! ولماذا تكلف هذه الكاتبة نفسها فوق طاقتها؟!

المحزن في الأمر أني شهدت شيئا من أيام غولدا مائير في إسرائيل وعايشت حكومة مارغريت تاتشر في بريطانيا, وقرأت منذ فترة قريبة لامرأة أمريكية مختصة في السياسة بحثا متكاملا رائعا عن الشرق الأوسط, مما أثبت لي أن المرأة يمكنها أن تعمل في السياسة كالرجل, لكن لماذا أخواتي العربيات بعثرن هذه الفكرة بسهولة؟!!

مع احترامي للنساء ذوات القدرات الخاصة وأخص منهن الدكتورة المناضلة حنان عشراوي لكني أنصح بمحبة أخواتي الأخريات العزيزات أن يدعن الخبز للخباز, فحتى الخبازين المتمرسين عندنا تحترق أيديهم في أفران السياسة؛ أما إذا أصررن على ذلك فأرجو أن يأتي ذلك اليوم الذي أراهن فيه قد نزعن ذهبهن البراق ومسحن عن وجوههن آثار المكياج وتركن عواطفهن في بيوتهن دون أن يحملنها في رؤوسهن!

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |