|
إن المتأمل في كتاب الحجاب لجمال البنا يلتقي معه في بعض الأفكار من حيث الظلم الذي
وقع على المرأة في السابق، والحجر عليها نتيجة سيادة فقه عصور الانحطاط في أغلب
مناحي الحياة, ولكن المتعمق في أفكاره الأخرى يجد أنه على النقيض من الإسلام
والفطرة تماما, حيث يستند في ادعاءاته إلى قراءة مخلّة لبعض النصوص القرآنية تحاول
استنطاق القرآن بما ليس فيه ويدعمها بأحاديث يستشهد بها, مما ينشر البلبلة في عقل
القارئ، خاصةً أن المؤلف ينسب نفسه للفكر الإسلامي, وبرأيي أنه بذلك أشدُّ خطرًا من
دعاة التغريب الذين ينطلقون من رفض الدين كمنهج للحياة, لأنهم بالأساس لا يؤصلون
لأفكارهم من القرآن الكريم كما يفعل المؤلف, وهنا بعض الأمثلة من الكتاب نفسه الذي
وصفه مؤلفه في المقدمة بالإبداع, حيث كتب: "ولعل من عناصر الإبداع في هذا الكتاب"،
وتعليقي هنا أنه كيف يحكم شخصٌ على إنتاجه أنه إبداع؟ إذ يذكرني هذا بالقول:
"أولادنا وأفكارنا لا نرى أجمل منها", لذلك فقد يظن كل منَّا أنه أتى بما لم تأت به
الأوائل مما يؤدي إلى العُجب والغرور وبالتالي عدم قبول ما عند الآخر من أفكار.
وهذه بعض الفقرات من الكتاب مع تعليقي عليها:
أولا: في الصفحة 13 يقول: "ويبدو أنه لم يخطر على بال
الذين وضعوا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن قد توجد
حتى الآن من الأوضاع أو التقاليد ما يحرم على المرأة
أبسط حقوقها كإنسان كحقها في الزي وأن تكشف عن شعرها
ويديها أو لا تكشف لأن هذا معروف بالبداهة ومسلّم به
دون حاجة إلى مطالبة).
مع الاعتراف بالالتقاء – قلّ أو كثر- بين حقوق الإنسان
التي بيّنها شرعنا العظيم منذ أكثر من أربعة عشر
قرنًا, وبين ما يماثلها في القانون الدولي الموضوع في
العصر الحديث؛ لكن السؤال الموجه للمؤلف هل نحتكم نحن
كمسلمين إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أم إلى شرع
ربنا عز وجل وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام؟ إذا كان
الأمر هو الأول برأيه فلا داعي للتمسك بالدين من أصله,
ولا داعي لأن يتعب نفسه بالاستشهاد بأحاديث وآيات
فكلها ليست بذات قيمة في ميزان الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان!
ثانيا: في الصفحة16 يقول: "إن وضع لباس على الرأس أمر
اقتضته الدواعي المناخية سواء كانت حماية للرأس من
البرد والحر والمطر أو سترا له من التراب والرياح,
وهذا أمر ينطبق على الرجال والنساء على حد سواء"،
ويتبعه بالقول في الصفحة 17: "ذلك لأن الشعر إذا كان
جميلا لامعا مسترسلا فإنه يزيد في جمال المرأة, ولكن
نسبة الشعر الجميل إلى الشعر الذي ينقصه الجمال نسبة
ضئيلة في شعوب هذه المنطقة التي يتسم شعرها بالخشونة
والتجعد ومن ثم فإن المرأة إذا أرادت أن تقوّم اعوجاجه
وتبسط تجعده لكان عليها أن تبذل الكثير, ومن هنا كان
الحجاب حلا مثاليا لهذه المشكلة".
إذن غطاء الرأس في رأي المؤلف ليس إلا تقليدا تخلّص
منه الرجال وانحصر في النساء, ولكن الذي أجبر المرأة
العربية عامة والمصرية خاصة على الالتزام به أنه حل
لمشكلة الاعتناء بشعرها, وبذلك هو يحاول أن يُظهر أن
المرأة المسلمة المعاصرة اتخذت الحجاب ذريعةً لتوفير
مالها ووقتها وإرضاءً لتقاليدها, وليس أنَّها تضعه من
مبدأٍ ديني.
وهنا لا بد من ذكر الغاية من الحجاب وهي أن تختفي
المثيرات الغريزية عن أعين الرجال فلا يرون في المرأة
إلا شريكًا لهم في الإنسانية، والله هو خالق الذكر
والأنثى ويعلم ما يصلحهما ويصلح مجتمعهما, ولو كانت
فطرة الإناث كفطرة الذكور لكان فرض الحجاب لازمًا على
الذكور أيضا, ولكن غريزة الرجل الجنسية أقوى منها عند
المرأة، ولذلك كان البلوغ عند الفتى علامته الاحتلام
مما يدل على أنَّ الله سبحانه سمح لشيءٍ من هذه الطاقة
الجنسية أن تخرج بطريقها الطبيعي.. كما أن المرأة إذا
كانت سافرة أجمل في كثير من الأحيان من المرأة
المحجبة, وهذا ما يعترف به المؤلف في الصفحة 16:
"حقيقة إن الحجاب بهذه الصورة أخفى شعرها, والشعر كما
يقولون تاج المرأة"، إذن هذا التاج يجعل المرأة أجمل
فهو من المفاتن التي يجب أن تسترها, والأهم من كل هذا
أنه لا بد لتلاقي الرجل مع المرأة في أي عمل إنساني أو
اجتماعي أو حضاري أن لا يشوش دور المرأة كأنثى على هذا
التلاقي, وهذا لا يكون إلا بفرض الحجاب الشرعي الذي
يبرز مهمته وغايته, بأن يخفي مظاهر الفتنة المعبرة عن
أنوثتها, ومن الطبيعي أن ما يدخل في معنى إبراز
المفاتن أمر نسبي وله درجات متفاوتة, كما أن ما يدخل
في معنى الافتتان بهذه المفاتن أمر نسبي أيضا, لأن
طبائع الرجال تختلف، وظروفهم التي تبعث على التأثـر
وعدمه متنوعة, لذلك كان لا بد من وضع قواعد للحشمة
المطلوبة.
ثالثا: في الصفحة 18 يقول: "ومن الممكن تحقيق التعادل
بين المرأة الإنسان والمرأة الأنثى مع الكشف عن الشعر
لأنه لا يحيف على المرأة الإنسان -وهو ما يعني ما لا
يجاوز قواعد الاحتشام- وننصح المرأة المسلمة بأن لا
تتصلب في هذه النقطة, لأن الأمر قد جاوز إظهار الشعر
بكثير, ووصل إلى صور عديدة من العري".
والسؤال المطروح هنا أنه إذا كان على المرأة ألا تتمسك
بتغطية الشعر لأن الأمر تجاوز ذلك بكثير، فهل إذا
تجاوز الأمر بالناس إلى الكشف عن عوراتهم, فهل هو مبرر
للمرأة المسلمة أن تكشف عن المستور من أعضاء جسمها؟!!
ثم لماذا ينصحها مادام قد قرر أنها تضعه لتغطي شعرها
الأجعد وتوفر العناء والوقت والمال؟! فهل النسيان آفة
تأتي فعلا مع تقدم العمر فنسي المؤلف عندما وصل إلى
الصفحة 18 ما كتب في الصفحة 17؟!
رابعا: في الصفحة 34 يورد الكاتب أبيات غزلية من شعر
الغزل يقول إن الشاب يقرؤها ثم يورد هذه الفكرة: "ثم
يقرأ -يقصد الشاب- في كتب الحديث أن لمس المرأة جمرة
خبيثة، وأن النظرة سهمٌ مسمومٌ، وأنه ما خلا رجلٌ
بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما, فتتمزَّق نفسه بين
هذا وذاك، وإذا سيطر عليه التُّقى فأخذ بألفاظ هذه
الأحاديث اسودت الدنيا في عينيه, فلهذا الشاب نقول: خذ
نصيبك من الدنيا والمتعة البريئة واعتبر هذه الأحاديث
وازعا حتى لا تنحرف إلى الحرام الصراح, فهي رغم أن
معظمها ضعيف أو موضوع لم يرد بها التطبيق العملي ولكن
عدم مجاوزة الحدود.. ولا تأخذها أبدًا مأخذًا
حرفيًّا".
إذا كان المؤلف متمرِّسًا في معرفة الأحاديث الموضوعة
والضعيفة فما رأيه بالحديث المتفق عليه عن حق الطريق:
(غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر)؟ وما رأيه بالحديث الذي رواه مسلم
عن جريرٍ رضي الله عنه قال: سألت رسول الله عليه
الصلاة والسلام عن نظر الفجأة فقال: (اصرف بصرك)، فإذا
كان الرسول عليه الصلاة والسلام يحضّ على صرف البصر
الذي يأتي بغتة من غير قصدٍ وهو مما لا يملكه المرء
عادة, ألا يعني هذا أن صرف البصر الذي يأتي عن قصدٍ هو
شيءٌ بديهي ومؤكد؟ أم أن "المتعة البريئة" التي يدعو
إليها الكاتب هي ليست ذات علاقة بالنظر عن قصد أو غير
قصد بل تتعدى إلى أكثر من هذا؟!
ثم ماذا عن رأيه بالآية الكريمة: (وقل للمؤمنين يغضوا
من أبصارهم)؟ هل هي ضعيفةٌ أو موضوعة؟! وكذلك ماذا
يقول عن ضعف أو قوة الحديث المتفق عليه عن ابن عباس
رضي الله عنهما أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال:
(لا يخلون أحدكم بامرأةٍ إلا مع ذي محرم)؟ وهل حديث
تحويل الرسول عليه الصلاة والسلام لوجه ابن عمه الفضل
بن عباس عندما أخذ ينظر إلى المرأة الخثعمية موضوعٌ
أيضًا؟ أم أنه فات المؤلف أن ينظره في البخاري ومسلم؟
ولماذا لم يسمح الرسول لابن عمه أن يأخذ نصيبه من
المتعة البريئة؟
أضيف هنا أن علماءنا المعتدلين فسروا معنى الغض من
البصر أنه ليس إغماض العينين أو عدم النظر إلى المرأة
أو الكلام معها والنظر في اتجاه آخر, بل لا مانع من
النظر لكن دون أن تحمل النظرات أي معنىً بغيض سواء كان
شهوةً أو حملقة أو ما شابه ممَّا فيه إساءة للمرأة
كإنسان.
خامسا: في نفس الصفحة يورد: "ولو أبيح الاختلاط لكان
فيه مندوحة عن هذه التخبطات لأن الاختلاط في النشاط
الاجتماعي والعام مما يعد مأمونا, ويحقق الهدف, وحتى
لو وصل إلى أوثق صوره, صورة الرقص المزدوج, فلن يكون
أكثر من مصلٍ مخففٍ يُذهب التوتر دون أن يصل إلى
انزلاق".
هل هو كلامٌ رائعٌ لطبيبٍ بارع؟! لماذا لم يستشهد على
أنَّ الرقص المزدوج حلالٌ بأحد أحاديثه التي يراها
أنها ليست ضعيفة أو موضوعة؟! هل تراه قرأ حديث رسول
الله عليه الصلاة والسلام: (إن الحلال بيّن وإن الحرام
بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس, فمن
اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه, ومن وقع في الشبهات
وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع
فيه) متفق عليه, فإذا كان من يحدق بنظره إلى المرأة،
بل ويقوم بأداء الرقص معها ليس كمن يرعى حول الحمى
-برأي المؤلف- فهل يتكرَّم ويشرح لنا ما هو المقصود
بكلام الرسول عليه الصلاة والسلام إذن؟ وهل الرقص
المزدوج هو مصلٌ مخفف فعلا أم هو كما قال الشاعر:
"وداوني بالتي كانت هي الداء"؟ وهل هو يذهب التوتر أم
أنه يصل بالتوتر إلى حده الأقصى؟
يبدو أن المؤلف يتكلم هنا عن شيخٍ كبيرٍ بلي منه العظم
وهانت عليه الشهوة, ونسي ماذا يعني أن شابًا يراقص
فتاة, ولو كان المؤلف يتكلَّم انطلاقا من منطقه الخاص
لما اعترضنا أما أن ينسب هذا الفكر إلى الإسلام فلا بد
أن نبين أن الإسلام بريء من هذا, فالإسلام لا يمانع من
مشاركة المرأة للرجل في الحياة الاجتماعية لكن في
الأمور الجادة فقط أما في موضوع الرقص وما شابه
فالإسلام دينٌ لا ينكر الغرائز لكنه يحول دون إيقادها،
فكيف بالمؤلف الذي لا يمانع في مراقصةٍ بين الشاب
والفتاة ثم يطلب أن يتحوَّل كل منهما إلى ملاكٍ فلا
يصلا إلى انزلاق!!
سادسا: في الصفحة 36: "فلم ير الفقهاء في المرأة
الجميلة سوى أداة لاستثارة الغريزة الجنسية في حين أن
المرأة الجميلة يمكن أن تثير أنبل المشاعر وأرق
العواطف, ولو أخذت الفتنة مأخذا جادا لكان من حق
النساء أن يطالبن بحجب الرجال لأنهم يفتنونهن, ولأن
الرجل القوي يثير في المرأة ما تثيره المرأة الجميلة
في الرجل".
قد يكون القسم الأول من كلامه صحيحًا بالنسبة لبعض
الفقهاء, لكن "لكل ساقطةٍ في الحي لاقطة" أي أن ما
يثير هذا قد لا يثير ذاك, ونظرًا لهذه الحقيقة التي لا
مجال لنكرانها تضع الشريعة الإسلامية أحكامها لمعالجة
الوقائع والكليات دون النظر إلى الفوارق النسبية في
الجزئيات, وصفة كل القوانين هي الشمول والعموم, فمن
أجل ذلك كان لا بد للشارع من أن يضع حدًّا لمعنى
الحشمة المقبولة طبق الغاية التي شرّعت من أجلها, ألا
وهي أن تختفي المفاتن الغريزية عن أبصار الناظرين من
الرجال فلا يستثيرهم شيءٌ منها إلى تحرُّشٍ أو إيذاء,
ولا يبصروا من المرأة إلا ندًّا لهم في الخدمة
الإنسانية وشريكًا لهم في الجهود الاجتماعية.
أما قوله أن الرجل القوي يثير في المرأة ما تثيره
المرأة الجميلة في الرجل, فهذا غير صحيحٍ من الناحية
النفسية، لأنَّ المرأة وإن كانت تلتقي مع الرجل في
المعاني الإنسانية, لكنها تختلف عنه في جزئيَّةٍ
نفسيَّةٍ هامّةٍ تستدعي أن تكون مختلفةً عنه بتغطية ما
يستثير الرجال بشكل عام –ولكل قاعدةٍ عامةٍ استثناءٌ
خاصٌّ، والاستثناء لا يُبنى عليه– أما المرأة فلن
يثيرها شعر الرجل ولو وصل إلى أخمص قدميه, فالمرأة
الطبيعية –غير مشوَّهة الفطرة- لا ترغب في الرجل بسبب
عضلاته أو فتوته فقط، بل يهمها أن تكون مميزة لدى هذا
الرجل, أي أن تشعر بقيمتها الشخصية لديه بأنه يحبها,
وأنه أهل لأن تشعر معه بالأمان, وهذا واضحٌ من القول
الفطري الصادق الذي ورد في القرآن على لسان ابنة النبي
شعيب عليه السلام: (يا أبت استأجره إن خير من استأجرت
القوي الأمين)؛ وأما ما نراه لدى بعض النساء الغربيات
–أو حتى العربيات المقلدات لهن– من بحثهن على المتعة
مع أي رجل, فهذا سببه تشويه لفطرة المرأة الذي أدى إلى
أن تكون المرأة طالبة بدل أن تكون مطلوبة, مما جعلها
تنحدر بالتدريج في هاوية الإباحية.
سابعا: في الصفحة 67 يقرر ما يلي: "إن النظم
الاجتماعية والقوانين والتقاليد كلها من فجر البشرية
حتى مشارف العصر, واليهودية والمسيحية تحالفت على
تأخير المرأة وإعطائها صفة دونية وحرمتها من الحقوق
والاستقلال بشئونها كاملة وفرضت عليها وصاية الأب,
وحدث هذا قبل ظهور الإسلام بوقت طويل بحيث يمكن القول
إن الحجاب فرض نفسه على الإسلام لا إن الإسلام فرض
الحجاب على المرأة".
الشطر الأول من هذه الفقرة صحيحٌ بدون أدنى شك, وقد
أكد المؤلف في أكثر من موضع من كتابه أن جلّ همه أن
يعيد إلى المرأة ما منحها إياه القرآن ومنعها إياه
الفقهاء, وهذا واضح بقوله في الصفحة 73: "فما اتفق مع
القرآن يعد من الدين, أما ما يجافي القرآن أو يخالفه
فلا يجوز قبوله"، ولكنه يأبى إلا أن يفسر القرآن على
هواه, فهو يقول في أكثر من موضعٍ أن الآية الكريمة في
سورة النور (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) المقصود بها
تغطية فتحة الصدر أعلى الثوب وليس لها علاقة بالشعر,
وذلك في معرض كلامه عن هذه الآيات وما شابهها إذ يذكر
في الصفحة 94: "إن في القرآن عددا من الآيات لم تتحدث
عن حجاب على وجه التعيين, ولكن عن آداب العلاقة ما بين
الرجل والمرأة, وهي الآيات التي يستشهدون بها على
الحجاب والنقاب ومنع الاختلاط"، هذا الاستنتاج الذي
وصل إليه المؤلف هو من أن الحجاب فُرض على الإسلام
مردود لأنه يقول في الصفحة 74: "باستثناء العقيدة التي
كانت قضية حياة أو موت, فإنه في كل ما عداها سلك
الإسلام سياسة التدرج لأن الرفض البات الكامل قد لا
يكون مستطاعا, وقد اتبع الإسلام التدرج في الصلاة
والصيام والربا والخمر".. والسؤال: لماذا لم يغير
الإسلام حكم الحجاب بالتدريج كما غير حكم الخمر والربا
وما شابه؟ أي لماذا لم يسمح للمرأة أن تكشف عن أعلى
صدرها أولا، ثم عن شعرها ثانيا، ثم أن تكشف ما تريد من
جسدها بدل أن يأمرها أن تغطي أعلى صدرها؟
وإذا كان غطاء الرأس مجرد عادة أو تقليد فلماذا لم
يحاربه الإسلام الذي كان ثورة ضد كل العادات الجاهلية
من وأد البنات وإرث النساء وعضلهن وغير ذلك؟ أم أن
المؤلف لم يفطن إلى أن الإسلام كما ألغى الكثير من
العادات الجاهلية فإنه أبقى على كثير من الشعائر
الأخرى التي تتصل بالحنيفية دين إبراهيم عليه السلام؟
كانت هناك ممارسات خاطئة لشعائر دينية.. مثل الطواف،
حيث كانوا يطوفون عرايا، فيطوف الرجال نهارًا والنساء
ليلا, فأمر الإسلام بلباس الإحرام للرجل والمرأة على
السواء, وبذلك حافظ على الشعيرة وهي الطواف ولكنه صحح
من طريقة أدائها؛ كما صحح من وضع الخمار أو غطاء الرأس
بأن يستر الشعر والنحر والمفاتن الأخرى أي كل ما يميز
المرأة كأنثى، وكما يذكر المؤلف في معرض كلامه عن
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي ورد في الصفحة 13،
وقد أوردته في أول المشاركة "أن هذا الإعلان لم يذكر
حق المرأة في الزي وأن تكشف عن شعرها ويديها أو لا
تكشف لأن هذا معروف بالبداهة ومسلم به دون حاجة إلى
مطالبة", يمكننا القول بأن القرآن -حسب رأي المؤلف- لم
يذكر واجب المرأة في تغطية شعرها لأن هذا معروف
بالبداهة ومسلَّم به ممن يفهمون فطرة كل من الرجل
والمرأة ويدركون الفروق بينهما, أما من يريد أن يعمي
عينيه عن هذه الفروق فله أن يفعل ما يشاء, لكن لا يحق
له أن ينصب نفسه مجدِّدًا وفقيهًا ومبدعًا ومتكلِّمًا
باسم الإسلام.
ثامنا: في الصفحة 67 أيضا يقرر: "إن هذه القضية وإن
التبست في الأذهان بالشرف فلم يكن الشرف هو العنصر
الحاسم. ولكن الحاسة الذكورية لأنه بقدر تشديد الحجاب
على الحرائر بقدر ما كان الإنكار على الإماء أن
يتحجبن. ولوحظ هذا في كل الحضارات القديمة كالحضارة
الآشورية حيث كانت الإماء تجلد إذا تحجبت, وفي بيزنطة
حيث كان الحجاب هو الحائل بين المرأة الشريفة
والعاهرة.. حتى وصل إلى العرب في عهد الرسالة. عندما
كان عمر يزجر الإماء لتحجبهن لأنهن يتشبهن بالحرائر
فالحاسة الذكورية كانت وراء الحجاب, وليس الشرف
الموضوعي أو الاحتشام للنساء جميعا, فكان الرجل يحرص
على الحجاب بالنسبة لزوجاته وبناته, أما الإماء
والجواري فقد كان يحرص على أن لا يتحجبن".
هنا يذكِّرني بجملةٍ له وهي: "إن كل تفسير أو تأويل لا
يخلو من إسقاط ممن يقوم به", وكذلك عندما انتقد بعض
المؤلفين أن لهم أغراضا من كتاباتهم فقال: "والغرض
مرض", فقد وقع المؤلف في الغرض الذي أظهر المرض, وهنا
إحدى سقطاته وإسقاطاته, فهو لم يفهم ما المقصود من زجر
الإماء إذا تشبهن بالحرائر إلا أنه بسبب الحاسة
الذكورية, أما السبب الحقيقي في تخفيف عورة الأمة فهو
تيسير الشرع وذلك لكثرة بروزها للقيام بالأعمال التي
تسند إليها من مولاها ولا غنى لهم عنها, وفتنة الأحرار
بالإماء فيها قدر من ضعفٍ لمهانة مكانتهن الاجتماعية؛
لذلك عندما رأى عمر رضي الله عنه امرأة عليها جلبابٌ
متقنِّعةٌ فسأل عنها فقيل هي أمة, فقال: لا تشبّه
الأمة بسيدتها، وقوله هذا ليس بسبب حاسةٍ ذكوريَّةٍ
كما يدَّعي المؤلف, بل هو لأن القاعدة الفقهية تقول:
(الغُنْم بالغُرْم), فكما أنَّ عورة الأمة مخففة أمام
الرجال, كذلك عقوبتها إذا زنت نصف عقوبة الحرة, وقد
بين الشارع الحكيم سبب الزي المفروض على الحرة بقوله
تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء
المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن
فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا).. أي كي لا يؤذَين
بغمزٍ أو لمزٍ أو إشارة, فكيف يريد أن يعيد للمرأة ما
منحها إيَّاه القرآن ثم يتجاوز آياته بتفسيرها –ولو
بشكلٍ غير مباشر- بالحاسة الذكورية؟!
أبسط ما يُذكر هنا أن الأمة إذا تشبهت بالحرة, فهذا
يعني أنه من الممكن أن تزني لأن عقوبتها مخففة, فيظنها
من لا يعرفها أنها حرة وتزني, وفي هذا إساءة للنساء
الحرائر, خاصة في عهد كان من المستهجن أن تقوم المرأة
الحرة بفعل كهذا، وهنا تجدر الإشارة إلى الخطأ الذي
يقع به بعضهم وهو فهمهم أن المقصود من تغطية مفاتن
المرأة كان للتفريق بين الأمة والحرة, وبما أننا لم
نعد في عصر الجواري فمعنى هذا أن حكم الحجاب بات
منفيًّا من أصله؛ وقد فات هؤلاء أن الآية واضحة
الدلالة (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين), والعبرة
بعمومية المعنى لا بخصوصية السبب, أي أن تُعرف المرأة
المتأدبة بهذا الزي من تلك التي شاءت أن لا تلبسه
فجلبت لنفسها العنت من نظرات بعض الرجال الخبيثة أو
كلماتهم المؤذية أو تصرفاتهم الماكرة.
على كل حال فإن كتاب الحجاب فيه كثيرٌ من كلام الصحف،
والعرض الممل، والتطويل المخل, عدا عن الخلط شبه
الدائم بين الحجاب الذي هو حجب المرأة عن المشاركة
الاجتماعية بمعنى الاحتجاب الكامل المفروض على أمهات
المؤمنين كونهن نساء النبي ولا يحق لهن الزواج من
بعده, وبين لباس المرأة المسلمة المفروض شرعا والممثل
في الخمار الساتر للشعر والنحر كما هو ممثل في الجلباب
الساتر لمفاتن الجسد الأنثوية. كما أن في الكتاب ما
فيه من عدم الإنصاف وسوء الفهم مما يحتاج معه لكتابٍ
مطوَّلٍ خاصة أنه تناول أمورًا فقهيَّةً بعيدةً عن
موضوع الحجاب, ولكن يبدو أنَّ المؤلف وجد لأفكاره
الغريبة موضعًا كيفما كان، فلم يتأخَّر في بثِّها هنا
وهناك بحجَّة التجديد والإبداع, وكمثال على ذلك ذكره
أنَّ السنة ليست مصدرًا تشريعيًّا أساسيًا, وأنَّ
القرآن يمكن أن نأخذ منه وندع، ويستشهد بفعل عمر رضي
الله عنه عندما ألغى سهم المؤلفة قلوبهم, وبالطبع
إسقاطاته هنا منعته أن يدرك أن عمر لم يلغ شيئا, إنما
لم يعد هناك وجودٌ للمؤلفة قلوبهم بعد أن أعزَّ الله
الإسلام بانتصاره على فارس والروم.
بقيت كلمة أخيرة كتعليق على ما جاء في نهاية كتاب
الحجاب من أنه رد على من يقولون أن حجاب المرأة هو من
المعلوم من الدين بالضرورة, فهنا أورد رأيي الذي
كوّنته نتيجة تجارب حياتية وقراءات مطولة ورؤية ما
يحصل في العالم الغربي من إباحية وشذوذ فأقول: إن حجاب
المرأة إذا لم يكن معلوما بالضرورة فهو معلوم بالفطرة,
ولا يحق لمن شوهت فطرته أو فطرتها أن يتكلم باسم
الدين!
للفائدة فقط أعرض حكم
الحجاب على المذاهب الأربعة :
مذهب الحنفية:
في كتاب "الاختيار" من كتب الحنفية يقول:
(ولا ينظر إلى الحرة الأجنبية، إلا إلى الوجه
والكفين، إن لم يخف الشهوة.. وعن أبي حنيفة: أنه زاد
القدم، لأن في ذلك ضرورة للأخذ والإعطاء، ومعرفة وجهها
عند المعاملة مع الأجانب، لإقامة معاشها ومعادها، لعدم
من يقوم بأسباب معاشها. قال: وأما القدم، فروي أنه ليس
بعورة مطلقًا لأنها تحتاج إلى المشي فيبدو، ولأن
الشهوة في الوجه واليد أكثر، فلأن يحل النظر إلى القدم
كان أولى. وفي رواية: القدم عورة في حق النظر دون
الصلاة). (الاختيار لتعليل المختار، تأليف عبد الله بن
محمود بن مودود الموصلي الحنفي 4/156).
مذهب المالكية:
وفي
الشرح الصغير للدردير المسمى " أقرب المسالك إلى مذهب
مالك ":
(وعورة الحرة مع رجل أجنبي منها أي ليس بمحرم لها
جميع البدن غير الوجه والكفين.. وأما هما فليسا
بعورة).
وقال الصاوي في حاشيته معلقا: (أي فيجوز النظر لهما لا
فرق بين ظاهرهما وباطنهما، بغير قصد لذة ولا وجدانها،
وإلا حرم.
مذهب الشافعية:
وقال الشيرازي صاحب " المهذب " من الشافعية:
(وأما الحرة فجميع بدنها عورة، إلا الوجه والكفين (قال
النووي: إلى الكوعين لقوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن
إلا ما ظهر منها) قال ابن عباس: وجهها وكفيها (قال
النووي " في المجموع ": هذا التفسير المذكور عن ابن
عباس قد رواه البيهقي عنه وعن عائشة رضي الله عنهم)،
ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- " نهى المحرمة عن لبس
القفازين والنقاب " (الحديث في صحيح البخاري، عن ابن
عمر رضي الله عنهما : " لا تنتقب المحرمة، ولا تلبس
القفازين) ولو كان الوجه والكف عورة لما حرم سترهما،
ولأن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء، وإلى
إبراز الكف للأخذ والعطاء، فلم يجعل ذلك عورة). وأضاف
النووي في شرحـه للمهذب " المجموع ": (إن مـن الشافعية
مـن حكى قولاً أو وجها أن باطن قدميها ليس بعورة، وقال
المزني: القدمان ليستا بعورة، والمذهب الأول).
(المجموع 3/167، 168).
في مذهب الحنابلة:
وفي مذهب الحنابلة نجد ابن قدامة في " المغنى" (المغني
1/1، 6، ط المنار).يقول (لا يختلف المذهب في أنه يجوز
للمرأة كشف وجهها في الصلاة، وأنه ليس لها كشف ما عدا
وجهها وكفيها، وفي الكفين روايتان: واختلف أهل العلم،
فأجمع أكثرهم على أن لها أن تصلي مكشوفة الوجه، وأجمع
أهل العلم على أن للمرأة الحرة أن تخمر رأسها إذا صلت،
وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها
الإعادة.
وقال أبو حنيفة: القدمان ليستا من العورة، لأنهما
يظهران غالبًا فهما كالوجه. وقال مالك والأوزاعي
والشافعي: جميع المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، وما سوى
ذلك يجب ستره في الصلاة لأن ابن عباس قال في قوله
تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها) قال: الوجه
والكفين ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم- نهى المحرمة
عن لبس القفازين والنقاب، ولو كان الوجه والكفان عورة
لما حرم سترهما، ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع
والشراء، والكفين للأخذ والإعطاء. |