الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) المرأة ولعبة شد الحبل
 
 
 

عندما أردت أن ألقي محاضرتي في المنتدى الاقتصادي لسيدات الأعمال في الشرقية برعاية سمو الأميرة مشاعل بنت فيصل بن تركي بن عبد العزيز وكان عنوانها (تحرير المرأة المعاصرة وفق مفاهيم الأصالة) وصل العنوان إلى إحدى المسؤولات هناك عبر البريد الالكتروني ناقصاً أي بهذا الشكل (تحرير المرأة) فلما قابلتها وكانت شابةً على درجة عالية من التهذيب والثقافة, قالت لي وعلى وجهها ابتسامة: تحرير ... تحرير شو؟! تذكرني بمسرحية دريد لحام الذي يُطلَب فيه من الناس التبرع فيقول أحد الحاضرين: تَبَرْ... تَبَرْ شو؟! أي أن فكرة التبرع غير مقبولة في ذهنيته, وكذلك فإن تحرير المرأة مصطلح غير مقبول إذ يسبق لأذهاننا ارتباطه بالمجتمع الغربي ونموذج المرأة الغربية والذي لا يناسب ثقافتنا, وفي الحقيقة هو لا يناسب الإنسانية ولا الفطرة الخيّرة السوية, وأدلّل على ذلك بما قرأته وأنا طفلة في مذكرات أخي الذي ابتُعِث إلى فرنسا لتفوّقه في الشهادة الثانوية في السيتينيات من القرن الفائت, فقد كتب أن النساء الفرنسيات يبدين ثقة بأنفسهن لكنهن مسترجلات, ولم يكن أخي متديناً في تلك الفترة من حياته ولكنه كان معروفاً بالعقل والرشد, لذلك فقد أصاب كبد الحقيقة لأن المرأة الغربية وصلت إلى كثير من حقوقها عبر تحررها ومع ذلك فقدت أهم ما يميزها كأنثى, ألا وهو الحياء الذي هو جوهر جمال الأنثى, إضافة إلى الصفة الأخرى التي ترفعها إلى مرتبة مقدسة وهي الأمومة؛ فإذا كان الغرب قد سبقنا بنقلة مدنية هائلة فإن الأصوات المعتدلة فيه باتت تنادي بالعودة إلى الفطرة والبحث عن وجه آخر للحضارة أحنى على الرجل والمرأة من الحضارة الغربية.

لا يجادل عاقل متبصر في أن هذا الوجه الأحنى هو الإسلام, لكن عن أي إسلام نتكلم؟ هل هو الإسلام المتشدد الذي يلزم المرأة بقعر بيتها بحجة أنه لا خروج لها من منزل أبيها إلا إلى منزل زوجها ثم إلى القبر؟ أم هو الإسلام الأصيل الذي ربى خديجة وعائشة وأسماء وصفية وزينب وأم سلمة وأم سليم ورفيدة وأم عمارة وأم هانئ وغيرهن رضوان الله عليهن ممن قامت الدعوة والمجتمع والدولة على أيديهن مع الرجال سواء بسواء؟ أثبت النموذج الغربي فشله في عقر داره بعد أن أصبحت المرأة الغربية تدور ليس في دوامات من الإجهاد بين داخل البيت وخارجه بل أيضا تدور بين شقي رحى العواطف الأمومية والضرورات الاقتصادية؛ ولكن المجتمع النبوي لم يحلّق إلا بجناحي المرأة والرجل وليس كما هو الوضع المتخيل - أو القائم الآن - للمجتمع الإسلامي الذي يفصل بشكل حاد بين الرجال والنساء مما لم يكن معروفاً في العهد النبوي, فإذا كانت بيئتنا العربية وثقافتنا الإسلامية لا ترضى بالنموذج  الغربي بحكم تأثيراته السيئة على المرأة والرجل والطفل, فما هو النموذج البديل لهذين النموذجين التغريبي والتقليدي؟

هو الإسلام الأصيل الذي يحترم للمرأة مكانتها وحقوقها بدءاً من اعترافه بكرامتها القائمة على أساس الإنسانية الخالية من مصطلح الأنوثة والذكورة, فالآية واضحة:{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وبحسب التقوى يكون العمل الصالح المفيد للمجتمع والبشرية؛ فليس ثمة فرق بين الذكر والأنثى في ميزان الله سبحانه, والآيات القرآنية الكثيرة تدل على ذلك:{فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى}, {ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا}, {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.

لقد جاء الإسلام بمجموعة من الثوابت في علاقة الرجل والمرأة, وقسّم الأعمال الموكلة لكل منهما بما يتناسب مع فطرة الرجل والمرأة على السواء, لكنه راعى المتغيرات سواء كانت في الأسرة أو في المجتمعات, فمثلاً في علاقة عبد الله بن مسعود وزوجته زينب التي كانت تعمل وتنفق على زوجها وأولادها لم يمنعها الإسلام من هذا بل شجعها عليه الصلاة والسلام وقال عنها وعن امرأة أخرى: (لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة). ونحن نعلم أن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة, وهو الأمر الدال على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان, ومن هنا جاءت القاعدة الفقهية:(حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله), لذلك فالتمسك يجب أن يكون بالمقاصد لا بالقوالب كي يبقى لهذا الدين العظيم تميزه وتفرده بأنه دين البشر وليس دين مجموعة منهم تتحكم بالبشر الآخرين عبر رغبات مزاجية أو مصالح ضيقة.

النموذج الذي نبحث عنه في تحرر المرأة يجب أن يكون ذلك الذي يعتمد على ثوابت الشرع ويتأقلم مع المتغيرات, وهو النموذج الذي يرفع قبعته تحية للمعاصرة وفي نفس الوقت يحني رأسه إجلالا للأصالة؛ والمشكلة التي ما زلنا ندور في إطارها أن مجتمعاتنا منقسمة بحدّية إلى أصوات تقليدية وأخرى تغريبية, فكلما أمعن التقليديون في حجر المرأة وحبسها في قمقم كلما أصر التغريبيون على إعطائها حريتها الفردية دون الاهتمام بمصلحة الأسرة أو المجتمع, وكلما حاول دعاة التغريب إظهار المرأة كاسية عارية كلما خشي دعاة التقليد فزادوا في ضغطهم عليها كي لا تتحرر من القمقم؛ وفي الوقت الذي يسعى فيه التقليديون جهدهم إلى تشييء المرأة أي إلى وضعها في زاوية البيت كشيء بلا شخصية ولا كينونة ولا استقلال إنما كظل تابع للرجل ومؤتمِر بأمره في حكاية السيد والعبد, يناور التغريبيون من أجل تسليع المرأة أي جعلها بضاعةً يجب أن تكون في قمة إغرائها وفتنتها كي تزيد أرباحهم ومكاسبهم, وتقع المرأة المسكينة بين هؤلاء وأولئك في منتصف الحبل الذي يشده كل طرف إليه بقوة يكاد معها أن ينقطع ويميد بالمرأة وبالمجتمع لأن قضية المرأة هي قضية المجتمع ولكن هذا المجتمع ما زال يسعى إلى التغيير ببطء أشد من بطء السلحفاة!

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |