|
سأكتب هنا ما يمليه عليّ ضميري.. أتوقع أن يأتيني بعض الأذى بسبب ما سأكتبه هنا..
ومن أقرب المقربين إلي... لذلك أرجو منهم سلفاً أن يقدّروا أن من تكتب هي أمّ...
تعرف ماذا يعني غياب الأم عن أطفالها... رحمك الله يا ريم الرياشي... لماذا فعلتها؟
ألم يبق في فلسطين إلا الأمهات حتى يفجِّرن أنفسهن؟
الحزن يلجم يديّ والدمع يفيض من عينيّ.. ورغم ذلك لا
يمكن إلا أن أكتب.. لعلّ كلماتي تقف حائلاً دون تكرار
هذه التجربة الخاطئة... أكتب للتوّ بعد أن قرأت ما كتب
بعضهم من مديح لما قامت به ريم الرياشي... ليته لم
يكتب ... ليته بقي شاهداً أخرس لا ينطق.. إنّ ما حدث
هو الجنون بعينه!!
سأحكي لكم بعضاً من قصتي هنا.. اضطرتني ظروفي للسفر
إلى المملكة العربية السعودية منذ أكثر من عشر سنوات..
ولم يكن ممكناً أن أحضر طفليّ معي منذ البداية...
تركتهما وهما كزغب القطا.. الكبير بعمر ثلاث سنوات
ونصف, والصغير بعمر سنة وتسعة شهور.. أليس طفلا ريم
بنفس عمرهما تقريباً؟ سامحك الله يا ريم.. لا أستطيع
أن أطلب لك سوى الرحمة .. أما من اختارك لتقومي بتفجير
نفسك فلا أستطيع أن أسامحه كائناً من كان!
تركت طفليّ لتعتني بهما جارتي نهاراً وليضمّهما حضن
والدهما ليلاً, لكن أيّ حضن كحضن الأم؟ كانت جارتي من
أطيب الناس قلباً تُعامل طفليّ كطفليها تقريباً وفي
المقابل كنت أرسل لها مبلغاً من المال يفوق أحلامها.
لم يوافق أحد من معارفي وأهلي على سفري.. ربما كنت أول
امرأة من بلدي تفعلها وتترك أطفالها من أجل أن تؤمّن
لهم مستقبلاً زاهراً.. أرسل لي أخي الكبير رسالةً يطعن
في صحة قراري وينصحني بالتعقل, فكتبت له: لا يمكن لأمٍ
طبيعيةٍ أن تترك أطفالها بدون سببٍ قاهرٍ, اللهم إلا
إذا كانت مجنونة!
نعم .. كل من تترك أطفالها بدون ظرف قاهر هي مجنونة,
فالطفل يحتاج حنان والدته كما يحتاج النبات للماء
والهواء, وكلّ من يتعرض لغياب أمه في طفولته لن ينشأ
سوياً بل سيفقد الثقة فيمن حوله, إلا من رحم ربك؛ وهذا
الكلام ليس من عندي, إنه كلام إريك إريكسون عالم النفس
الأمريكي المعروف.. ولا شك أن هذه الحاجة تختلف من
عمرٍ لآخر, لكن لا بد من وجود الأم في مرحلة الطفولة
الأولى فغيابها المتكرر والمديد- ناهيك عن الدائم-
يؤهب الطفل للإصابة بالعصاب الطفولي وأعراضه العناد
والعدائية والكذب والهزال وقضم الأظافر ومص الأصابع
وحتى ممارسة العادة السرية, وهي أعراض فقد الأمان
والحنان وكل شيء هامّ فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان,
فكيف إذا استمرّ هذا الغياب شهوراً؟ بل كيف إذا امتدّ
أعواماً؟ بل كيف إذا استغرق العمر كله؟ سامحك الله يا
ريم... وغفر لك..
كان ابني الكبير لا يعرف شيئاً اسمه الخوف.. يخرج في المساء إلى
الشارع ليشتري من البقالة القريبة كما يخرج في
الصباح.. كانت نسبة ذكاءه أو
IQ
تقارب 150%, أما
الصغير فكان لا يدرك من الحياة شيئاً إلا المرح
والمقالب وخفة الدم؛ كان هذا عندما تركتهما. حين عدت
بعد تسعة شهور كنت أتوقع أن الصغير سينساني بحكم سنّه
الصغيرة حيث لا تكون ذاكرته الدائمة قد تكوّنت.. لكن
عندما طرقت باب جارتي وسلّمت عليها كان الصغير الذي
أصبح عمره سنتين ونصف واقفاً خلفها, فالتفتت وقالت له:
(ماما جاءت)... نظر إليّ بعينيه الواسعتين وارتسمت على
وجهه ابتسامة لا يمكنني نسيانها.. كانت ابتسامةً
فريدةً.. لأولّ مرة في حياتي أرى ابتسامة كهل على وجه
طفل... كبر ابني الصغير في غيابي وأصبحت روحه مهدّدةً
بالشيخوخة.. قبّلته وحملته بين ذراعيّ..... عرفني
الكبير مباشرةً وعانقني.. كنت عندما أكلمه على الهاتف
لا ينطق بأيّ حرف... لم يكن عقله يستوعب صدمة فراقي
له... والبكر حصة أمه كما يقول المثل.. عندما التقيته
بعد غياب نظرت في عينيه.. لم تكن هما عينيْ ابني
اللتين خلّفتهما ورائي تشعّان ذكاءً وإقبالاً على
الحياة.. ضاقت فتحتاهما.. وكأن أفق خياله قد ضاق ..
لأن مصدر إبداعه وملهمته في حياته .. أمّه.. كانت
غائبةً عنه.. أو لأن صدمة الواقع حذفت من خياله كل
إشراقة خيال أو إرهاصة إبداع.. كذلك فقدَ جرأته
المميزة.. عندما ابتعد عنه مصدر الأمان بالنسبة له..
وكلّ شيء جميل في حياة أي طفل .. ليس لجماله معنى
حقيقي إذا لم يسطع نوره منعكساً من مرآة قلب الأمّ!
ضممت طفليّ إلى قلبي.. مكانهما الأول الذي ترافق نبضه
مع نبضهما في جوف واحد لتسعة أشهر هي أشهر حملي بكل
واحد منهما... وكان غيابي عنهما أيضا تسعة أشهر... كان
حملاً شديد الخطورة...انتهى بمخاض حيويّ.. اصطحبتهما
إلى المنزل بعد أن شكرت جارتي... شيئاً فشيئاً ارتدت
الروح إليهما... فتحت حقيبتي .. أخرجت ما أحضرت لهما
من ألعاب... كانا كنبتتين نُقلتا من تربة استنباتية
ومحضن زجاجي إلى بيئة طبيعية وهواء نقي... يا الله كم
تغيرا بسرعة وخلال الأيام الأولى من إجازتي فقط..
استعاد الكبير رباطة جأشه.. عادت عيناه إلى الاتساع...
سطعت شمس الذكاء منهما ... أما الصغير.. فقد نادته
جارتي بعد أسبوع: (تعال إلي) وكان حبها له يكاد يكون
كحبها لطفلها... لكنه ردّ عليها: (اذهبي .. حمارة)..
يا إلهي... هذا الناكر الصغير.. لم يعد يرى لها فضلاً
بعد أن عادت أمّه.. وهل يبقى لأي أحد معنىً مميز في
الوجود أمام تميز وجود الأم ؟
في نهاية الصيف الماضي زرت صديقتي الفلسطينية العائدة
من مدينة الخليل بعد قضاء إجازتها هناك, فحكت لي بفخرٍ
عن عملية قام بها قريبها قتل فيها مجموعة من
الإسرائيليين, وأحضرت لي صورته مع نسخة من وصيته التي
كتبها بخط يده.. كانت صدمةً لي عندما رأيت أطفاله
الصغار يحيطون به, فسألتها: ولمن ترك هؤلاء؟ قالت:
لأهل الخير.. أليس الأمر جهاداً؟ قلت لها: لا يمكن
اعتبار هذه العمليات فرض عين لأن معنى ذلك أن يقوم كلّ
أهل فلسطين بها, والمقارنة لا تصح لأن الجهاد يعلنه
الحاكم المسلم, والمشكلة أن الحاكم الموجود غالباً ما
يدين عمليات المقاومة عدا عن العملاء الذين يتغلغلون
في صفوفها قد يكون لهم يد في اختيار من يقوم بالعملية
بل قد يخطط لها الموساد أحيانا مع العملاء كما قرأنا
في اعترافات لبعضهم نشرتها مواقع فلسطينية على
الإنترنت.
كان هذا كلامي عقب رؤيتي لصورة ذلك الرجل الذي ترك
أطفاله للمجهول من أجل أن يستشهد, ويظن بعض السذج أن
هذا الرجل قد تمثِّل بأبي بكر الذي سأله الرسول عليه
الصلاة والسلام: ماذا تركت لأهلك؟ قال: تركت الله
ورسوله.. وينسون كيف كان عمر بن الخطاب إبان الجهاد
يأخذ بخطام ناقة أبي بكر وهو الخليفة قائلا: ارجع ولا
تفجعنا بنفسك.. فالخليفة هو أب للمسلمين كما هو هذا
الرجل أب لأطفاله..
فرق كبير بين أعمال المقاومة وبين الجهاد المفروض مع أن كليهما يستمد
شرعيته من الدفاع عن الوطن... وفرق كبير أيضاً بين
واقع ريم وواجبها تجاه وطنها... فواقعها أنها أمّ في
المقام الأول ولذلك واجبها تجاه أولادها يأتي قبل
واجبها تجاه وطنها لأن لوطنها أبناء وبنات كثر, أما
ابنها وابنتها فليس لهما أم غيرها.. عدا أن واجبها
تجاه وطنها يمكنها القيام به عبر تربيتها لهما على حب
هذا الوطن..... لذلك يعاب على عملية كهذه فقدانها
المعنى الحقيقي للفقه وهو الموازنة بين الواقع
والواجب.. صحيح أن الأعمال بالنيات لكن العمل لا يكفي
فيه صدق النية وإخلاصها.. إنما يجب أن يكون صواباً
أيضاً كي يكون عملاً صالحاً.. قال تعالى:{فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه
أحدا}
وما فعلته ريم الرياشي رحمها الله ليس صواباً بأي شكل
من الأشكال ولا يبرره أيّ ظرف قاهر!
|