|
دخلتْ عيادتي بعد فترة غياب.. سألتها عن اختفائها فأخبرتني أنها كانت تُعدّ
للدكتوراة في الشريعة, ولما سألتها عن موضوع رسالتها قالت:( الرد على المبتدعة... )
لم أسمع بقية الجملة, فقد كنت كمن سُكب عليه ماء بارد,
ولكن بما أنها مريضتي فقد أبديتُ ثباتاً مصطنعاً حيث
أننا تعلمنا أن من آداب المهنة عدم النقاش مع المريض
في معتقداته, وسألتها عن شكواها وتابعت مهمتي بالكشف
عليها ووصف العلاج اللازم.
وضعت رأسي بين يدي عندما ذهبت وتساءلت: عن أي مبتدعة
تتكلم؟! المريضة في عمر يفوق الثلاثين أي أنها تجاوزت
سن النضج وهي زوجة وأم, وكانت تستحق الثناء لأنها
تتابع دراستها رغم ظروفها, لكن كيف أثني على من يعيش
في عصور التخلف "الباهرة", وهو يتخيل نفسه ما زال يحيا
في أبراج الحضارة الإسلامية الزاهية؟
لا أنكر أن الرد على المبتدعة أو الحوار مع المعتزلة
أو.. أو.. كان يعتبر إبداعاً في حينه, فقد كان العرب
والمسلمون يعيشون في عصور من الترف الاجتماعي والفكري
والثقافي إضافةً إلى دخول فئات في الإسلام حاولت أن
تستخدم معولها في زعزعة أسس العقيدة, دون أن أُسقط من
الحساب تشجيع السياسي لهذا الأمر إما بهدف الاستمتاع
بمعرفة الحقيقة عندما يضم في وجدانه روح مثقف عالي
الهمة كما كان المأمون أو بغاية إشغال الناس بعضهم
ببعض لتبقى له الساحة السياسية دون منازع كما كان
غيره, ولكن أين الإبداع الآن في الرد على المبتدعة,
والعجلة الدائرة تكاد تبتلعنا زماناً ومكاناً بغض
النظر عن طوائفنا مبتدعة كنا أم سلفية, شيعة كنا أم
صوفية؟! لماذا نغفل أمر الأولويات دائما في حياتنا
نظرياً وعملياً؟! هل أحمّل هذه السيدة لوحدها الخلل أم
أن البيئة التقليدية بل العدائية التي تعيش فيها تهلّل
لمثل هذه الدراسات؟
هل سمعت هذه السيدة هي وأمثالها بمشروع الشرق الأوسط
الكبير الذي يعترض عليه بعض المثقفين بينما يرحب به
بعضهم الآخر؟ ربما لا يوجد فائدة كبيرة من الاعتراض
فقد مرّرتْ الولايات المتحدة الأمريكية قرارها بالحرب
على العراق وقامت بما تريد دون مبالاة باعتراض فرنسا
وألمانيا وغيرهما, وهذا ما سيكون نصيب هذا المشروع
أيضاً, وقد مرّرت من قبل عشرات السنين تسمية الشرق
الأوسط, وبذلك ألغت تسمية الوطن العربي, وضمت بسهولة
إسرائيل إلى خريطة العالم العربي, وهاهي تعمل للوحدة
بيننا وبين "أبناء عمومتنا" اقتصاديا وسياسيا وثقافيا
فلماذا الاعتراض؟
ربما كانت إسرائيل تظن أنها الرابحة في هذا المشروع
وأنا بنظرة بعيدة مغرقة في التشاؤل أو التفاؤم أرى
أنها قد تخسر كثيراً إذ أن عدوى الأمراض الاجتماعية
تنتقل بالجوار والرذاذ والاقتراب, وأخشى أن تفقد
إسرائيل ديموقراطيتها إذا انضمت إلى هذا الشرق الأوسط
الكبير, ومن هنا لا أرى داعيا كبيرا للممانعة فلماذا
تكون إسرائيل أفضل منا وتمارس ديموقراطيتها ونحن نشم
ولا نذوق من عسيلتها شيئاً؟
أقدر أن بعض القراء يستهجنون هذا الكلام, لكن مهلا
عليّ فقد رأيت بعض مشاهد النقاش الحار الذي دار في
الكنيست الإسرائيلي عقب إلقاء شارون أحد بياناته أمام
أعضاء الكنيست كي يصوتوا عليه, وعندها تمنيت لو أن
لدينا حاكما مثل شارون, فقط لديموقراطيته مع شعبه-
أقصد الإسرائيلي تحديدا- وإصغائه للنقد الذي وجهه له
شيمون بيريز.. كان بيريز يسخر منه قائلا: أنتم لم
تعطوا الفرصة للفلسطينيين ليبرهنوا لكم أنهم يريدون
السلام.. رئيس الوزراء يعمل كما يعمل أحدنا إذا تعطل
لديه التلفاز فذهب وأحضر من يصلح له مواسير المياه..
أنتم كمن يتزوج ويطلق ثم يتزوج ويطلق ثم...
وتتالت المشاهد من إسرائيل, ومنها الاتهامات الموجهة
لشارون وابنيه بالفساد لدرجة أن الدهامشة عضو الكنيست
العربي شبهه بصدام وشبه ابنيه بقصي وعدي, مما زاد في
حسرتي علينا نحن العرب, فالمشاهد لم تتم وراء الكواليس
كما يحدث في بلادنا العربية, ولا يعتقل على إثرها عضو
الكنيست حتى لو انتقد رئيس الحكومة كما يحصل في
برلماناتنا المزيفة, واستنتجت لماذا تستحق إسرائيل
النصر علينا, ليس لأن الحق معها لكن لأن معها القوة
فالحق بدون قوة هو كشخص أعزل أمام خصم يحمل سلاحاً.
ولكن أين قوة إسرائيل؟؟ هل هي في السلاح أم العتاد أم
التكنولوجيا أم أسلحة الدمار الشامل؟ هذا كله يجعل من
إسرائيل متفوقة علينا لكنه لا يكفي لوحده كي تكون أقوى
منا, فدولنا ليست خالية من السلاح بما فيها أسلحة
الدمار الشامل, فليبيا تعاملت مع "سوبر ماركت دولي"
لشراء أسلحتها على حد تعبير الواشنطن بوست, وسوريا
صرحت أنها لن تتخلى عن أسلحة الدمار الشامل, فبلادنا
متسلحة ما شاء الله عنها, متسلحة بكل شيء مدمر, لكنه
مدمر لشعوبها في الحقيقة, وليس لأعدائها.. وأول ما
دمرته حكوماتنا كرامة الإنسان وحريته فشوّهته وحوّلته
إلى مسخ بدون فعل أو حتى ردود فعل. وقد أظهرت لنا
اللقطات من الكنيست أهمية الإنسان في إسرائيل ومن هنا
تنبع قوتها... وعلى الهواء وأمام الملأ ينقل الحوار
مباشرة.. وليس كما يحدث في أفضل بلادنا كتلك
الاجتماعات السرية التي نبرر تكتمنا عليها بأنها كي
لا تكون فتنة, فالشعب العربي ما يزال تحت الوصاية؛
لذلك لا قيمة لإسلام الأمة العربية المسلمة التي تظن
أنها ما زالت خير أمة أخرجت للناس, ما دامت قد ضيعت
أهم أساس في بناء الأمة, ألا وهو ما انتبه إليه عمر بن
الخطاب رضي الله عنه فأعلن في عبارته المشهورة أساس
قيام الحضارة وبناء الدولة : (متى استعبدتم الناس وقد
ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)
ومن هنا آتي إلى الأهم في الموضوع وهو حكاية الدكتوراة
الأخرى فقد ورد الخبر كما يلي:
الشيخ فلان الفلاني يحصل على شهادة دكتوراة بدرجة
ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى عن رسالته في باب
الطهارة!
وددت لو عرفت الفتح الذي تُوِّجت به هذه الرسالة .. هل
كان تجديداً في أنواع المياه بين طاهر ومطهر؟ أم كان
إبداعاً في معرفة الفرق بين الاستنجاء والاستجمار؟ أم
كان في التشديد على التخلص من الودي والمني والمذي؟!
لماذا لم يكلف هذا الشيخ – وهو شيخ ذو وزن في بلده –
نفسه في البحث عن مدى تأثير تدريس الفقه الصحراوي
للأولاد والبنات؟ ماذا يعني للطفل الذي لم تفرض عليه
الصلاة بعدُ أن يعرف أن الاستجمار بالعظم حرام لأنه
طعام الجن سوى الخوف والرهبة من الأمور الغيبية؟ ماذا
يستفيد الطفل ذي العشر سنوات من معرفته الفرق بين
توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية؟ لماذا لم يبحث هذا
الشيخ في المناهج ويرى كيف يدرّس الدين على أنه شيء
معقد وصعب مما يجعل الدين غير مستساغ وغير مستحب في
الصغر فيؤدي إلى انقلاب وارتداد عنه في الكبر؟ لماذا
لم يبحث كيف كان المجتمع النبوي يرتقي بالمرأة كما
يرتقي بالرجل؟ لماذا لم يقف حقاً على ثغر من الثغور
التي كانت تطمح أن يسدها شخص مثله؟!
والسؤال الأهم: لماذا لا يساهم في رفع الجنابة عنا فقد
غرقنا بنجاسات الوهم والنفاق والكذب والادعاء والغرور
والازدواجية؟ لماذا لا يبحث كيف يكون النقد الذاتي
الأداةَ المثلى للطهارة والشفافية والوضوح؟ لماذا لا
يعلمنا وجوب قبول الآخر المختلف ويدعم بحوثه بشواهد من
القرآن والسنة وما أكثرها؟ لماذا لا يدرس أثر منع
الكاتب من الكتابة - إذا كتب ما لا ترضاه عين الرقيب -
عن طهارة المجتمع ونظافة البلاد؟ لماذا لا يبين لنا
إن كان مقبولاً عقاب الكاتب كما السارق, فأن تمنع
الكاتب من الكتابة كأنك تقطع له يده, والفارق في
الحالتين أن السارق تقطع يده لأنه يأخذ أما الكاتب
فتقطع يده لأنه يعطي.. يعطي روحه وفؤاده وثمرة تجاربه
وعصارة خبراته؟! لماذا لم يؤكد على وجود حقوق الإنسان
في الشريعة الإسلامية؟ لماذا لم يجعل رسالته كرسالة
الأنبياء بمنع الظلم ونشر العدل وإحقاق الحق؟!
لماذا.. لماذا.. لماذا.. وأخيرا لماذا لا تحلق الطيور؟
أليس لأن هناك من قص ريشها وهشّم أجنحتها؟ أليس لأن
غربانا صبغت ريشها بلون ريش الطيور الزاهي فاختلط
الأمر على أهل الأرض وبات نعيق الغربان هو المفضل في
هذا الزمن؟!
|