الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) كيف يمكن تجسير الهوة مع بعض العلماء في موضوع الولاء والبراء؟
 
 
 

ما أبدع ما خطت يد الكاتب الإسلامي زين العابدين الركابي في مقالته التي نشرتها جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 3/1/2004 والتي كانت بعنوان: "إلى متى هذا الخلط المعيب بين الثوابت اليقينية والأخرى  الوهمية..؟" كانت المقالة تدور حول أحد محاور بحثه الذي قدمه في مؤتمر الحوار الوطني بمكة,  وهو ضرورة التفريق الواضح الحاسم بين قضيتين لا يجوز ـ قط ـ الخلط بينهما، لأن بينهما من التباعد، بل التناقض، ما يجعل الخلط بينهما "غشاً معرفياً"، وتضليلاً فكرياً للناس.  القضيتان المتباعدتان المتعارضتان هما قضية "الثوابت اليقينية" مثل: وجود الله ووحدانيته، وعصمة القرآن وحفظه، وعصمة الرسول في البلاغ، والعبادات التوقيفية.. وقضية "الثوابت الوهمية", ولقد ضرب الركابي مثلاً لها بـ "الدعاء البِدْعِي" الذي غدا ـ لطول الإلف والممارسة ـ "ثابتاً يقينياً"!! مع إنه ـ في حقيقته ـ وهمٌ انتحل صفة الثبات.. ويتمثل هذا الدعاء البِدْعِيّ في الدعاء على غير المسلمين بالهلاك التام، والاجتثاث الكلي، والمحق الشامل. وأكثر ما لفت انتباهي في مقالته هذه العبارة:(إن غير المسلمين هم من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي إنهم عالم مشمول ببلاغ الرسالة الخاتمة.. وهذه الأمة بشقيها ـ شق الدعوة، وشق الإجابة: تأذّن الله ألا تجتث بهلاك عام.. والواقع التاريخي يؤكد هذه الحقيقة ). ويوضح الركابي كلامه بإظهار الفرق بين من دعا على قومه من الأنبياء كنوح وغيره, وبين الرسول عليه الصلاة والسلام الذي امتنع عن ذلك وقال: (إنما بعثت رحمةً ولم أبعث لعّاناً).

تمنيت لو أن إمام المسجد القريب يقرأ هذه المقالة, لأنني كثيراً ما أسأل ابني المراهق عقب عودته من صلاة الجمعة عن موضوع الخطبة فيجيبني: وماذا لدى إمام المسجد سوى: أمارات الساعة والأعور الدجال وعذاب القبر, ثم الختام بالدعاء على اليهود والنصارى؟!

وابني يحافظ على الصلوات الخمس لأني شرحت له عندما بلغ من العمر عشر سنوات أنه ينبغي أن لا يترك صلاة مفروضة, وقرّبت له الأمر أن كلّ إنسانٍ مخلوقٌ من جسد وروح, والجسد قبضة من تراب والروح نفخة من روح الله؛ فكما أن جسدك بحاجة إلى الطعام لينمو كذلك فإن روحك بحاجة إلى الصلاة التي هي صلتك بالله لتكبر وتنمو؛ وبذلك ضمنت أن ابني لن يصلي خوفاً مني, بل حباً في الصلاة وتفهماً لمعناها بحيث تتكون لديه قناعة بضرورتها في حياته فيستطيع التمسك بها في أي بيئة كانت, وليس كما يفعل كثير من الأولاد الذين "يرفعون الإبريق عالياً" بمجرد أن يغيبوا عن مرأى والديهم؛ وأذكر أنه عندما كان بعمر ست سنوات تركته عند امرأة مسيحية بضع ساعات لظرف قاهر, فأخبرني أنها أظهرت له صورة المسيح عليه السلام قائلةً له: هذا ابن الله, فأجابها: الله ليس له ابن لأنه في القرآن: {قل هو الله أحد, الله الصمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفوا أحد }, وكان ابني عندها لا يحفظ من القرآن إلا هذه السورة والمعوذتين, ومع ذلك استطاع بفطرته السليمة أن يتذكر ما حفظ ويستدعيه ليدافع عن فطرته ودينه؛ ورغم ما حصل فلم يكره تلك السيدة لأنني علمته معنى الآية: {لكم دينكم ولي دين} وإنما كره معتقدها؛ وله الآن من الأصدقاء المسيحيين كما له من المسلمين, وهو يصلي إذا أدركته الصلاة في بيت صديقه المسيحي لقوله عليه الصلاة والسلام: (وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً), وصديقه يأتي إلى منزلنا أحيانا وهو صائم فلا يقدم له ابني إلا الطعام التي تسمح له شريعته به كالأغذية الخالية من منتجات الحيوان, ووالدة هذا الفتى لا تطبخ في نهار رمضان كي لا يشم جيرانها الصائمون رائحة الطعام, وكما تحترم هي شعائر ديني وتبارك لي في رمضان والأعياد فإني أهنئها بقدوم عيدها عملاً بقول الله تعالى:{ وإذا حُيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها } وامتثالاً لأمره سبحانه ببرّ غير المسلم إذا كان مسالماً لنا غير محارب كما في الآية الكريمة: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}.

ومنذ فترة قريبة كتبت مقالة في جريدة الوطن السعودية بعنوان (الإسلام دين المحبة وليس دين الكراهية), رددت بها على أحد علماء الدين الذين يصرّون على موضوع الولاء والبراء, وأن من ثوابت الدين أن تكره غير المسلم سواء كان محارباً أم لم يكن, وأن من لا ولاء ولا براء له لا دين له, فأسأل هنا: هل زين العابدين الركابي وهو المعروف بباعه الطويل في العلم الشرعي لا دين له؟ وهل العلماء الذين درست على أيديهم في كلية الشريعة في دمشق أو قرأت في كتبهم من أمثال د. القرضاوي ومحمد الغزالي وغيرهم لا دين لهم أيضاً؟ في تلك المقالة أفضت واستفضت وبينت من القرآن والسنة أنه لا يوجد أي نص مقدس يأمر بكره الآخر غير المسلم إذا لم يكن محارباً أو معتدياً, واستعنت بالنصوص ومنها الآية التي أوردتها أعلاه, فكيف يمكن أن أعامل بالبر والإحسان من أنا مأمورة بكرهه؟ أليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها؟ إذا كان التوازن في النفس والمجتمع لا يقوم إلا على دعامتي العدل والإحسان, والعدل محله العقل, والإحسان محله القلب, فإن البغض محله القلب أيضا, فكيف يمكن أن يجتمع النقيضان أي الإحسان والبغض في قلب امرئ واحد؟

بينت أيضا أن البراء من المشرك أو الكتابي – وأؤكد على صفة غير المحارب - هو كره الفعل الخاطئ كعقيدة الشرك أو التثليث وليس كره الإنسان من حيث هو إنسان فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوصي أحد عماله فيقول: (واعلم أن البشر صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق), بل هذا الرسول عليه الصلاة والسلام يكتب في الوثيقة التي كانت أول دستور للدولة الإسلامية التي نشأت في المدينة: ( إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين), وبذلك كانت أساسا للتعايش التعاوني المتآلف بين المسلمين واليهود الذين يساكنونهم في المدينة المنورة. وأنا واثقة أني لو أوردت اسم ذلك العالم, لقامت القيامة ضدي, فنحن شعوب تعبد الأشخاص وتقدسهم, وبالتالي تقدس أفكارهم وآراءهم بغض النظر عن أحقيتها, وهذا أمر اعتدت عليه, لكن ما أحزنني فعلا أن أقرأ لعالم آخر – له وزنه في المملكة-  يؤيد الرأي القائل بوجوب كراهية أهل الكتاب مع حسن المعاملة لهم إذا كانوا مسالمين؛ وما زلت لا أستطيع أن أفهم كيف يمكنني معاملة أحد بالبر والإحسان وأنا أضمر له الكراهية؟! كأنه ليس من القلب إلى القلب رسول, وكأن من أكرهه ليس عنده القدرة ليشعر بكرهي له, وكأن هذا الشعور بالبغض ليس طريقاً لأن يبغضني هذا الآخر وينفر من ديني ما دام يأمرني ببغض بني البشر!

وبيان العلماء الذي صدر مؤخراً عن تغيير المناهج لم يركز على شيء بقدر تركيزه على سَوْرة الغضب لحذف باب الولاء والبراء من المنهاج, وكأن هؤلاء العلماء يتخيلون أن المسلمين يعيشون لوحدهم في هذا الكوكب, وكأن البغض للآخر غير المسلم لن يصل عبر الإنترنت والفضائيات إلى هذا الآخر؛ فكيف يمكن لهذا الآخر أن يقتنع بدينٍ يحض على الكراهية؟ وكيف له أن يغير رأيه بأن هذا الدين ليس دين الإرهاب فعلاً؟ أو ليس البغض إرهاباً قلبياً؟ فإذا كان الإرهاب يبدأ بالفكر وينتهي بالسلوك, فإن العلاقة بين المشاعر والأفكار لا تخفى على متبصر, وعلى هذا فإن البغض هو اللوح الأول في مركب الإرهاب كما أن المحبة هي المسمار الأول في نعش الإرهاب, وعلى هؤلاء العلماء أن يختاروا بين الإبحار في سفينة الإرهاب المدمرة وبين تشييع جنازة الإرهاب المثمرة!

هذا مؤلم حقا..الهوة الرهيبة بين تفكير المثقف الذي يشعر بوطء المسؤولية وثقلها وبين آراء الفقيه الذي يظن أن الفقه الذي نشأ في فترة معينة ولأسباب سياسية بحتة هو من ثوابت الدين, وأنا أعلم أني لست وحدي في المعركة وربما هذا ما يخفف ألمها عني, وأتابع ما يكتبه المثقفون الآخرون في نفس المنحى, لكن ألا يمكن البحث عن وسيلة لتجسير هذه الهوة؟

هل يمكن أن يكون هناك من بحث هذه النقطة في السر محتجاً أن العلانية تجعل صاحب الرأي متشبثاً برأيه؟ يبرر من يحبون النقاش في السر أن العالِم يصعب عليه التراجع أمام تلاميذه ومريديه, ولكن ألم نتعلم أن العلماء هم ورثة الأنبياء فلماذا يتراجع الرسول عليه الصلاة والسلام عن رأيه أمام الملأ ويأبى وارث النبوة أن يفعل هذا؟ كلنا يعلم حادثة تأبير النخل التي اقترح فيها الرسول عليه الصلاة والسلام على بعض أهل المدينة أن يتركوه دون تأبير, فإذا أراد الله أن تتلقح النخلة فسيتم هذا بمشيئة الله, ولما فعلوا لم يثمر النخل فراجعوا الرسول عليه الصلاة والسلام فقال لهم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم). أفضل الخلق لم يتشبث برأيه بل أعلن أنهم أعلم منه بأمور الدنيا كما هو أعلم الناس بأمور الدين, ولم يقلل هذا من شأن الرسول عند الصحابة ولا عند التابعين, فلماذا لا يقتدي به علماء الدين؟ أين تطبيق الآية: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة..}؟

ثم إن في القرآن آيات منزلات محكمات يعاتب فيها الله الصحابة على خطئهم يوم أحد عندما انشغلوا بالغنائم عن تعقب فلول المشركين, وفي الصحابة آنذاك السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ومنهم العشرة المبشرون بالجنة؛ بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يسلم من عتاب الله ولومه له على تصرف أتاه أو رأي رآه, مع اختلاف لهجة هذا العتاب بين آية وأخرى, فمن عتاب لطيف كقوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}, فقد سبق العفو من الله لرسوله على إظهار خطئه؛ إلى لهجة لوم وتوعد بالعذاب العظيم كما في قضية الأسرى في بدر عندما فضلّ الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفك أسر كل واحد من المشركين مقابل أن يعلم القراءة والكتابة لعشرة من أولاد المسلمين فنزل قوله تعالى مؤيداً لرأي عمر بأن يضرب أعناقهم لأنهم رؤوس الكفر والفتنة:{ ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض, تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة, والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم }. وأما في قصة زينب بنت جحش وزوجها زيد فنرى أن لهجة الخطاب القرآنية تعلو فيها نبرة اللوم:{وتخفي في نفسك ما الله مبديه, وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه}. وتتوضح لهجة التقريع في سورة عبس:{عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى}, فهنا آية خلاف الآيات الأخرى, لأن فيها تجاهلاً لشخص الرسول عليه الصلاة والسلام, فلم ترِدْ كلمة نبي أو رسول , ولم تعد صيغة المخاطب هي الواردة بل صيغة الغائب في البداية (عبس وتولى), وهذا أسلوب معلوم في اللغة العربية أن فيه ما فيه من التقريع واللوم؛ ومع ذلك بقي رسول الله هو رسول الله, ولم يقلل عتاب الله من قيمة كونه رسول أو نبي, ولم يكن غاية هذا العتاب إلا التأكيد على أن هذا النبي بشر يخطئ كما يخطئ البشر, ولكن لا يخطئ فيما يبلغه عن ربه, وكفى بذلك دليلاً على نبوته ورسالته ومؤشراً على أن القرآن ليس من "اختراع محمد" كما يحلو لبعض المستشرقين أن يتشدق ويتقوّل. والسؤال المطروح الآن: أبعد هذه الآيات التي تظهر أخطاء الرسول عليه الصلاة والسلام أمام كل قارئ للقرآن, ألا يمكن أن يقتدي به علماؤنا الأفاضل فيعترفوا بأخطائهم على الملأ ويعلِّمونا - نحن الأقل منهم مرتبة دينية - أن نعترف بأخطائنا وبالتالي يسنّون سنة حسنة تقي العباد والبلاد شر الإصرار على الخطأ؟

ما دمنا نظن أننا خير أمة أخرجت للناس رغم كل ظلام الجهل والتخلف الذي يغلّف حاضرنا ويملأ بالضباب مستقبلنا فلن نخطو خطوة واحدة في ركب الحضارة والتي ليست إلا تحقيقا للغاية من خلق آدم وهي خلافة الله في الأرض, فالحضارة تبدأ من الاعتراف بالخطأ والنقد الذاتي كما فعل آدم عليه السلام:{ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسر ين } بينما إبليس عصى ربه فألقى باللوم على غيره وهو الله:{ فبما أغويتني..}, وبذلك نال آدم توبة الله عليه التي كانت سببا لاجتبائه واصطفائه كخليفة لله في الأرض, بينما لم يكن لإبليس من عاقبة إلا جهنم وبئس المصير.

المسلم خليفة الله في الأرض عندما يبنيها بالعدل والحكمة وينشر فيها الإحسان والرحمة, وبإعلاء قيمة هذه الرحمة يختم زين العابدين الركابي مقالته: ( {ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وهذه هي الرحمة العامة للخلق أجمعين.. ومن معاني هذه الرحمة العامة: ألا يدعو الرسول على غير المسلمين ـ من غير الظلمة المعتدين ـ باجتثاث ولا هلاك عام، وألا يطردهم من رحمة الله. فمفتاح رحمة الله لا يكون أبداً مغلاقاً لهذه الرحمة.

والرحمة.. ما الرحمة؟ الرحمة هي: الرقة، والعطف، والرأفة، والحنان، والتلطف، واللين فهي ـ من ثم ـ جماع الخير، والرغبة في الإحسان إلى الخلق.

ما خلاصة الإسلام؟ خلاصته هي: الرحمة.

يضم إلى ما تقدم: حجة عقلانية ساطعة وهي: إن بقاء البشر والحضارات هو (موضوع) الإسلام، ومناط رسالته، فإلى من يتوجه الإسلام بهداه إذا فني البشر، واجتثوا من فوق الأرض: وفق رغبة الذين توهموا أن (الدعاء البِدْعِيّ) على غير المسلمين بالمحق الشامل: من ثوابت الإسلام؟
وتمام الكلم: أن الدعاء قربى إلى الله :قربى إلى الله بتجريد الدعاء له وحده لا شريك له.
وقربى إلى الله، لأن الله يحب من يدعوه:{ فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان}.
ومن هنا، فإن الدعاء البدعي لن يكون قربى إلى الله من حيث أنه دعاء مخالف لسنة الله الكونية، وشرعه الديني.(

وسؤالي الذي أختم به والذي أستمده من كلمات الركابي الرائعة: كيف يمكن للمسلم أن يبغض النصارى واليهود الموادعين وهم ليسوا إلا خيوطاً تتشابك مع المسلمين في وشيجة واحدة لتشكل نسيج المجتمع الإسلامي؟ أليست سنة الحياة هي الاختلاف والتنوع لقوله تعالى:{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك, ولذلك خلقهم}؟ كيف يمكن أن يكون البغض متمكناً من القلوب ومع ذلك ينشأ أفراد أسوياء ويُبنى مجتمع متماسك؟ أليس في هذا مخالفة لسنة الله الكونية في قيام المجتمعات وازدهار الحضارات؟

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |