|
عنوان المقالة يحوي كلمة رجال دون (ال) التعريف, فالمقالة ليس غايتها التعميم إنما
إلقاء الضوء على نماذج معينة من الرجال؛ ورغم وجود بعض الخصائص الفطرية التي تميز
بين الذكر والأنثى, فإن التربية تعمّق هذه الفروق أو تلغيها, وما يحدث في مجتمعاتنا
هو المبالغة في إظهارها فيُرفع شأن الذكر عالياً بينما يُحطّ من قدر الأنثى, مما
يجعل هذه النماذج المحكية هنا هي الأكثر وجوداً, لأن الثقافة الذكورية في مجتمعاتنا
ما زالت غير قادرة على استيعاب النموذج القدوة المتمثل بالرسول الكريم عليه الصلاة
والسلام الذي عُرف عنه رحمته بالنساء, أو ليس هو القائل:(رفقاً بالقوارير)؟
هل الرجل وحش؟ هذا ما يقرره علم النفس وما تقوله قصة
الجميلة والوحش ففي داخل كل رجلٍ وحشٌ بحاجة إلى تهذيب
وترويض واستئناس, والحب هو الذي يحوّل الذكر المتوحش
إلى إنسان, ولو عاد كل رجل إلى نفسه جيداً وتأمل مروره
بخبرة الحب الأول لوجد مصداق هذا القول, لكن قد تكون
تلك الخبرة هي حب الأم في الطفولة الباكرة حيث لا وجود
للذاكرة, فالأنثى وحدها هي نبع العطاء ومصدر الحنان
وهي الجميلة التي تحوِّل الوحش إلى إنسان.
والأمثلة على التوحش كثيرة, فالصورة الأولى تتمثل في
ذلك الرجل الذي مرضت زوجته في غيابه مما اضطرها للذهاب
إلى الطبيب مصطحبةً معها ابنها اليافع ولسوء حظها يحضر
زوجها إلى البيت فلا يجدها, وعند عودتها يكون الشك قد
أخذ منه كل مأخذ, إذ كيف تخرج من البيت دون إذنه,
والمرأة حسب ما يعلم لا خروج لها إلا من بيت أبيها إلى
بيت زوجها إلى القبر؟ عندما رأت المسكينة الشرر يتطاير
من عينيه جزمت بأنه سيطلّقها فآثرت الكذب وأخبرته أنها
كانت عند جارتها أم فلان التي استدعتها بسبب مرضها
الشديد فسكت الغضب عن الرجل ذي الغيرة المرضية, لكن
الشكّ القاتل لم يسكت, فنادى ابنه وسأله, فلم يجد
الولد أي إجابة سوى الصدق وكانت الطامة الكبرى ونزل
العقاب الأليم على "الحرمة" وتلوّن جسدها بالبقع
الحمراء والكدمات الزرقاء نتيجة اللّكم بالأيدي تارة
والضرب بالحزام تارة أخرى.
والصورة الأخرى لرجل طلّق زوجته الأولى وتزوج امرأة
أخرى, بعد أن أوضح لها أن علاقته بالقديمة انقطعت
كلياً, وقبل عيد الأضحى وعدها بإحضار كبش ليذبحه هدية
لها, وعندما أتى العيد أعاد القديمة فذبح الجديدة,
ورغم صعوبة الموقف فإن المشكلة ليست هنا, المشكلة أنه
كان يجامع الاثنتين على فراش واحد وأمام أعين بعضهن
بعضاً, لذلك فإن بعض بني البشر أكثر حيوانية من بعض
الحيوانات وصدق الله القائل:(إن هم إلا كالأنعام بل هم
أضل سبيلا).
وأما الصورة الثالثة فهي لذلك الرجل المزدوَج الذي
يبدي الالتزام خاصةً بفرضه اللباس الشرعي على نسائه
وبناته بينما يتلصص هو على نساء الآخرين, وحتى نساءه
لم ينجَوْن منه بالاعتداء الجنسي, والحالة الأخرى
المشابهة لرجل غير ملتزم لا يراعي حدود الله ولا يهتم
للشرائع السماوية ولا يأبه للفطرة الإنسانية, وقبل
كتابتي هذه الأسطر كنت أساعد فتاة تعاني من جروح نفسية
بسبب اغتصاب أبيها المتكرر لها ولأخواتها, فالعبرة ليس
بالالتزام أو غيره, إنما العبرة بالشعور بالمسؤولية أو
التبرؤ منها, والشعور بالمسؤولية هو أول مظاهر
الإنسانية وإلا فإن الرجل ليس إلا وحشاً من الوحوش أو
طفلاً من الأطفال؛ وهنا أنتقل إلى الأمثلة الطفولية
حيث لا تعني كلمة الطفولة أي براءة إنما تعني عدم
معرفة الرجل ما يريد وسعيه لإرضاء غرائزه خاصة
التملكية أو التسلطية وإن كانت الأشكال المعروضة أسفل
ليست بنفس حدة الأمثلة السابقة.
والمثال الأول لرجل تاه بأنوثة امرأة كما ذهل
بإنسانيتها, وبعد أن أوقعها في حبائله وبادلته حباً
بحب طلب منها أن يعودا أصدقاء, فلم تمانع لكنها شرحت
له أن الصداقة هي غير الحب الذي يتميز بالتملك, ومع
ذلك أصر على تملكها ولم يطلق سراحها, مما جعلها لأول
مرة في حياتها تعض أناملها ندماً دون أن تشعر!
والمثال الآخر لرجل اضطرت زوجته للسفر من أجل طلب
الرزق لعلها تحمي حبها الذي كاد أن يهرب من النافذة
بعد أن دخل الفقر من الباب, فقال لها وهو يودعها:
وراءك جبل! نظرت وراءها وقالت: لا أرى شيئاً. قال لها:
يا غبية, أنا ذلك الجبل الذي يحمي ظهرك. وعندما مرت
الأيام اكتشفت أن الجبل لم يكن إلا واديا سحيقا!
والمثال الثالث لرجل أُعجب بامرأة وتزوجها لكمال عقلها
ووفرة جمالها, وقال لها: سأجعلك نجمة تلمع في سمائنا.
وعند أول فرصة للصعود إلى السماء وقطفِ النجوم وضعها
تحت قدميه وتسلّق عليها!
في حقيبة الذاكرة أمثلة كثيرة, وحقيقة أنها كلها صور
مؤلمة لا يغير من الأمر شيئاً, لكن ما يخفف من حلكة
تلك النماذج وجود بعض الرجال من جبّلة ذلك الرجل الذي
طالما عزف لمحبوبته أجمل الألحان ورسم صورها بأبدع
الألوان, وبعد الزواج اضطر للسفر بعيدا عنها, ومع ذلك
استمر في كتابة رسائل الحب التي كان يدبجّها بتلك
العبارة القرآنية:(ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة)
وينهيها بالعبارة الأخرى:(هو الذي خلقكم من نفس واحدة
وجعل منها زوجها ليسكن إليها), ويشرح لها قائلاً:
أفتقدك يا سكني.. آه كم حياتي جافة دون وجودك!
ليلى أحمد الأحدب
ملاحظة: هذه المقالة كتبتها بناء على طلب مجلة أصداف
التي تخصص في كل عدد صفحة لكاتبة أنثى مقابل صفحة
لكاتب ذكر بحيث يكتب كل منهما وجهة نظره عن الجنس
الآخر, وطبعا لأني لا أقتنع بأن كل الرجال متشابهون
ولا كل النساء كذلك, كتبت هذه المقالة وأعجبت مدير
التحرير كثيرا لكنه أراد واحدة أخرى أصنف فيها الرجال,
فاعتذرت لانشغالاتي الكثيرة, وبينت له أن الرجال ليسوا
من كوكب آخر, بل إن بعضنا من بعض. |