الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) الإسلام ليس دائم الصراع مع الديانات الأخرى
 
 
 

بدأ أحد الكتاب مقالته بوصف تصريحات محاضر محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق عن اليهود  بأنها لا أخلاقية وأوضح أنها محاولة تسجيل بطولات زائفة بالدفع بالعداء الأعمى للآخر، والسؤال الذي ورد في خاطري بمجرد قراءتي هذه العبارة: لماذا يريد محاضر محمد أن يسجل بطولات أخرى غير بطولة تقديم استقالته من المنصب الذي أثبت جدارته فيه عندما قاد دولته إلى مصاف الدول المقتدرة اقتصاديا؟ إنها بطولة فعلا أن تتنازل عن القمة حين لا ينازعك أحد, فقط لأنك تريد أن تمنح الفرصة لأولئك الأصغر منك سنا والذين يحملون أفكارا جديدة يساهمون فيها في استمرار مسيرة دفع الوطن للأمام, فلماذا لا نجد هذه الممارسة في البلاد العربية؟ حتى البلاد التي كانت جمهوريات تحول بعضها إلى الجمهوملكيات وبعضها الآخر في طريقه إلى التحول على استحياء.. فلماذا لا نثني على الفعل البطولي لمهاتير محمد ولا نرى من كلامه إلا أنه معاد لليهود والسامية؟

الرد يتضمن عدة محاور:

أولا: الرد على التهمة الموجهة لمحاضر محمد

سأورد هنا ترجمة مقال الكاتب اليهودي المقدسي إلياس دافيدسون الذي وصلني عبر بريدي الإلكتروني, ويمكن لمن يريد أن يطلبه مني شخصيا كما وصلني بالإنكليزية ومعه العنوان الإلكتروني لدافيدسون أيضا. يقول فيه هذا الكاتب:

(( باعتبار أني يهودي, لكنني معارض للصهيونية, فإنني لا أحتاج إلى تشجيع من  رئيس الوزراء الماليزي محاضر محمد, كي أعلم ما هو واضح للعيان من أن اليهود يتحكمون بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية, وبالتالي يستطيعون تحديد تصرفات أكثر الدول. وإذا كانت الملاحظة المبنية على التجربة يمكن تعريفها بأنها ( معاداة للسامية)  فإن ذلك ينطبق أيضا على أية ملاحظات مبنية على واقع الحال مهما كانت طبيعة تلك الملاحظات. وعندما أقول ( الشمس مشرقة هذا الصباح) فيمكن رفع درجة التفسير لتشمل معاداة السامية وسوف تجد بعض الناس يناقشونك في وجود بعض الغيوم التي تحجب الشمس من آن لآخر, مما يجعل القول بأنها مشرقة غير صحيح ؛ وكذلك الأمر فيما يتعلق بالطرح الذي يقول: اليهود يتحكمون بالعالم؛ وبالطبع فإنهم لا يتحكمون في كل شأن بشكل فردي, ولا يعني أيضا أن كل يهودي يساهم في ذلك التحكم, ولكن في كافة النواحي التطبيقية تبقى هذه المقولة صحيحة.

والحقيقة الواضحة أن تصريحا عاديا جدا من هذا النوع قد أثار سخط وغضب قيادات الدول العظمى ( بينما موت أكثر من نصف مليون طفل عراقي بين 1990 و2001 لم يثر أي غضب),  وحقيقة أخرى أنه يجب على عشرات الدول أن تغير رأيها في الصهيونية وماهيتها ( في سنة 1975 صوتت الأمم المتحدة على قرار ينص على أن الصهيونية إن هي إلا نوع من التمييز العنصري, بينما بعد تفكك الإتحاد السوفييتي قاموا بكل بساطة بسحب القرار ودون أية مناقشات), وحقيقة أنه كي ينجح المرشح في الكونغرس فإن على هذا المرشح أن يظهر تحالفه مع دولة إسرائيل. وكل هذه الحقائق وغيرها من الحقائق الكثيرة الأخرى تشير فعلا إلى أن لليهود تلك القوة التي أشار إليها رئيس الوزراء الماليزي .

وهذه الملاحظات لا علاقة لها بالبروتوكولات الغريبة المسماة ( بروتوكولات حكماء صهيون ) ولا بالتفسير الخاص بالتلمود. بل هي ملاحظات مبنية على الشواهد القائمة ولا علاقة لها بنظرية المؤامرة. أما لماذا يتمتع اليهود بمثل تلك السيطرة فهي قضية أخرى. ربما لأن اليهود مثقفون جدا أو ربما لأنهم يشعرون بضرورة التماسك فيما بينهم ويهتمون أكثر من غيرهم بـ ( أمتهم ).

والحقيقة أن محاضر لم يقلل من شأن اليهود أو يتعصب ضدهم, ولم يقم بقتلهم, ومن المخجل أن يقارنوه بهتلر. إنه يحض المسلمين على محاربة اليهود عن طريق الأخذ بالطرق الحديثة وإدخال التكنولوجيا وتثقيف أنفسهم وبكلمات أخرى أن يتفوقوا على تحيز اليهود. إذن ما هو الخطأ في ذلك؟ وبهذه الملاحظات إنما كان محاضر محمد يقدم إرشاده للمسلمين ( الذين يزيد عددهم على بليون ) ويقدم خدماته للإنسانية.

وعلى اليهود أن يعرفوا مكانهم وأن يقتنعوا بأن تأثيرهم يقوم على قلة عددهم . وعلى اليهود أن يتعلموا فضيلة التواضع )). انتهى

أرجو أن يكون هذا الكلام كافيا للإقناع بأن محاضر محمد استطاع أن يقول ما قاله دون خوف بينما اكتفى باقي الزعماء بالتصفيق له, وربما بعضهم صفق خجلا أو وجلا, وربما بعضهم تمنى أن لو انشقت الأرض وابتلعته قبل أن يسمع هذه الكلمات الشجاعة لمحاضر محمد, وبضدها تتمايز الأشياء!

ثانيا: فضل الفتوحات الإسلامية على غير المسلمين:

لذلك ليس من الغريب أن يبين محاضر محمد نقاط الضعف لدى العرب والمسلمين, لكن من الغريب جدا أن يصدر في حقه ما صدر من الأستاذ الكاتب, الذي يبدو أنه عربي, على الأقل من اسمه, ويكفي أنه يتقن اللغة العربية فالعروبة كما عرفها الرسول عليه الصلاة والسلام هي في اللسان,  ولا يهمني دينه, لكن لو كان مسلما, فربما كان ثائرا على الإسلام لموروثات تشبع بها في صغره جعلته ينقلب على هذا الدين العظيم في كبره, وإن كان يهوديا فها هي شهادة يهودي مثله دافيدسون, أما إذا كان مسيحيا- وهو الأغلب- فأخشى أن مقاله يفرق بين المسلمين والمسيحيين الذين جمعتهم الأخوة في وطن واحد, إذ إن الواقع التاريخي يوضح لنا أن الإسلام الحضاري يختلف عن الإسلام الديني, فإذا كان المسيحيون ليسوا مسلمين بالدين, فلا عيب بالاعتراف بأنهم مسلمون حضاريا أي بانتمائهم إلى الحضارة الإسلامية التي انتشلتهم مما كان واقعا عليهم من ظلم الروم, ومن المعلوم تاريخيا أن الدولة البيزنطية تبنت المسيحية دينا رسميا لها غير أنها اختارت منه المذهب الذي وافق هواها, وكان من المفروض أن تقف هذه الدولة من المذاهب المسيحية الأخرى موقف الإسلام من المسيحية على أقل تقدير فتتعايش معها وتدافع عنها, ولكن بيزنطة أصرت على اختفاء كل المذاهب المسيحية الأخرى التي تخالف مذهبها الرسمي, واعتبرت الخروج على مذهبها الرسمي هذا, خروجا على وحدتها السياسية, ومن ثم أخذت تسعى لإنهاء وجود العقائد المسيحية المغايرة للعقيدة الرسمية, مرة عن طريق المجامع التي يعقدها الإمبراطور ومرة بالتصفية الجسدية وملاحقة الرهبان, ويروي فيكتور سحاب في كتابه (من يحمي المسيحيين العرب؟ ) أن الدولة البيزنطية قتلت مئتي ألف قبطي من اليعاقبة, وعندما فتح العرب مصر كان الإكليروس المصري مختبئا برمته في الصحارى هربا من التصفية. هذه صورة من صور الاضطهاد المسيحي المسيحي, وإذا انتقلنا إلى صورة أخرى نجد أن عددا من المؤرخين يقولون إن الكثرة الغالبة من سكان سورية الطبيعية ظلت تنتمي إلى الديانة المسيحية بعد الفتح الإسلامي, إلى أن وقعت الحروب الصليبية فأصبح المسلمون على أعقابها هم الكثرة الغالبة؛ وسبب ذلك أن الغزاة الصليبيين خيروا المسيحيين العرب بين الوقوف مع بني دينهم (الصليبيين)  أو الوقوف مع بني قومهم ( العرب ), فاختار أكثرهم الحل الثاني فدارت الدائرة عليهم, وغدا الغزو الصليبي وبالا على المسيحيين العرب, ولهذا انقلب كثير من المسيحيين فيما بعد إلى الدين الإسلامي. وأما الصورة الثالثة فيمكن التقاطها من التاريخ الحديث, ولنقرأ ما كتبه فكتور سحاب أيضا:( إذا حاولنا أن نرتب تسلسل الأمور زمنيا, فإننا نلحظ أن التقاتل الغربي للسيطرة على المشرق العربي جاء قبل بداية المذابح الطائفية في جبل لبنان بأكثر من نصف قرن. وإذن فلا يمكن أن نعزو إلى الوجود الغربي أنه جاء لحماية المسيحيين العرب من الاضطهاد. بل لعل الوجود الغربي ودواعي ترسيخه في المنطقة وتمكينه منها اقتضى إشعال فتيل التقاتل الطائفي الذي ارتبطت أحداثه بالامتيازات الأوربية حتى أمكن لأوربا أن تدق في جدار هذا البيت العربي (مسمار جحا) حين أوحت أنها إنما جاءت إلى المنطقة وفككت السلطنة العثمانية وجزأت المنطقة الموروثة, كل ذلك من أجل حماية المسيحيين العرب! وفي الواقع من يحمي من؟ ومن يدفع الثمن, ومن يقطف الثمار؟ المسيحيون العرب أم ساسة الغرب ؟)

ثالثا: التسامح الديني في الإسلام

وعلى أسس التسامح الديني قامت الحضارة الإسلامية, وبها رأت الدنيا أول مرة دينا ينشئ حضارة فلا يتعصب على غيره من الأديان, ولا يطرد غير المؤمنين به من مجال العمل الاجتماعي أو المنزلة الاجتماعية, وقد أسس لهذه المبادئ الرسول الكريم محمد عليه الصلاة والسلام عندما هاجر إلى المدينة المنورة وفيها عدد كبير من اليهود, فكان أول ما عمله وضع الوثيقة التي كانت أساسا للتعايش والتآلف بين المسلمين واليهود الذين يساكنونهم المدينة المنورة ومن بنودها: (إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين, لليهود دينهم وللمسلمين دينهم, مواليهم وأنفسهم, إلا من ظلم وأثم فلا يوتغ – أي لا يهلك – إلا نفسه وأهل بيته. وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم, وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وإن بينهم النصح والنصيحة).  وكان للرسول جيران من أهل الكتاب فكان يتعاهدهم ببره ويهديهم الهدايا ويتقبل منهم هداياهم, حتى إن امرأة يهودية دست له السم في ذراع شاة أهدتها إليه لما كان من عادته قبول هديتها. ولما جاء وفد نصارى نجران فرش الرسول عليه الصلاة والسلام رداءه لكبيرهم وسمح لهم بإقامة الصلاة في مسجده, فكانوا يصلون في جانب ورسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه يصلون في جانب آخر, وقبل الرسول هدية المقوقس زعيم القبط وهي جارية اسمها ماريا, وأنجبت له ابنه إبراهيم الذي توفي بعمر سنتين, ولذلك أوصى الرسول المسلمين فقال: (استوصوا بالقبط خيرا فإن لكم فيهم نسبا وصهرا). كما أوصى بكل أهل الذمة والمعاهدين فقال: ( من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا خصمه يوم القيامة ).

وسيرة أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام تمضي على هذا المنوال, فقصة عمر رضي الله عنه مع الشيخ اليهودي الذي كان يسأل الناس الصدقة ففرض له من بيت مال المسلمين معروفة, وعندما دخل عمر بيت المقدس فاتحا أجاب سكانها المسيحيين إلى ما اشترطوه من أن لا يساكنهم فيها يهودي, وحين قامت صلاة العصر وهو داخل الكنيسة الكبرى أبى أن يصلي فيها رغم أن بطريرك القدس سلمه كل مفاتيحها كي لا يتخذها المسلمون من بعده ذريعة للمطالبة بها واتخاذها مسجدا. وهذه هي العهدة العمرية وليس كما جاء في مقال الأستاذ الكاتب مما نُسب إلى الخليفة الراشدي عمر كذبا وبهتانا. وبما أن قصة القبطي - الذي رفض الكاتب العربي أن يعترف فيها أن الرجل مسيحي - يبدو أنها لم تكن كافية لذلك فإن من الواجب أن أذكر له قصة امرأة مسيحية من سكان مصر اشتكت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن عمرو بن العاص قد أدخل دارها في المسجد كرها عنها, فسأل عمر عن ذلك فأخبره عمرو أن المسلمين كثروا وأصبح المسجد يضيق بهم وفي جواره دار هذه المرأة وقد عرض عليها عمرو ثمن دارها وبالغ في الثمن فلم ترض, مما اضطر عمرو إلى هدم دارها وإدخالها في المسجد, ووضع قيمة الدار في بيت المال لتأخذه متى شاءت, ومع أن هذا مما تبيحه القوانين ومما يعذر به عمرو, لكن عمر لم يرض بذلك, وأمر أن يهدم البناء الجديد من المسجد وأن تعاد إلى المرأة المسيحية دارها كما كانت.

هذه هي الروح المتسامحة التي سادت المجتمع إبان الحضارة الإسلامية, فمن مظاهر التسامح الديني كما يقول الدكتور مصطفى السباعي في كتابه (من روائع حضارتنا) أن كانت المساجد تجاور الكنائس, وكان رجال الدين يعطَوْن السلطة التامة على رعاياهم في كل شؤونهم الدينية والكنسية, ولا تتدخل الدولة في ذلك, بل إن الدولة كانت تتدخل في حل المشاكل الخلافية بين مذاهبهم, وتنصف بعضهم من بعض, فقد كان الملكانيون يضطهدون الأقباط  في عهد الروم ويسلبونهم كنائسهم, حتى إذا فتحت مصر رد المسلمون إلى الأقباط كنائسهم وأنصفوهم؛ وتطاول الأقباط بعد ذلك على الملكانيين انتقاما مما فعلوه بهم قبل الفتح العربي, فشكوا ذلك إلى هارون الرشيد فأنصفهم من الأقباط.

ومن مظاهر التسامح الديني أن كثيرا من الكنائس كان يصلي فيها المسلمون والمسيحيون في وقت واحد إبان الفتح الإسلامي, وفي كنيسة يوحنا الكبرى التي أصبحت فيما بعد المسجد الأموي رضي المسيحيون أن يأخذ المسلمون نصفها ورضي المسلمون أن يصلوا فيها صلاتهم, فكنت ترى في وقت واحد أبناء الديانتين يصلون متجاورين, هؤلاء يتجهون إلى القبلة وأولئك يتجهون إلى الشرق, وإنه لمنظر نراه نحن الآن خيالا أو حلما.

كذلك فمن مظاهر التسامح الديني في الحضارة الإسلامية أن الوظائف كانت تعطى للمستحق الكفء بقطع النظر عن ديانته, وبذلك كان الأطباء المسيحيون في العهدين الأموي والعباسي محل الرعاية لدى الخلفاء, فكان ابن أثال الطبيب النصراني طبيب معاوية الخاص, وكان سرجون كاتبه, وقد عين مروان أثيانوس مع آخر اسمه إسحاق في بعض مناصب الحكومة في مصر, ثم بلغ مرتبة الرئاسة في دواوين الدولة, وكان عظيم الثراء, وبلغ من شهرته أن وكل إليه عبد الملك بن مروان تعليم أخيه الصغير عبد العزيز الذي أصبح واليا على مصر وهو والد عمر بن عبد العزيز. ومن أشهر الأطباء الذين كانت لهم الحظوة عند الخلفاء جرجيس بن بختيشوع, وكان مقربا من المنصور واسع الحظوة عنده, ولما مرض أمر المنصور بحمله إلى دار العامة ( أي دار الضيافة) وخرج إليه ماشيا يسأل عن حاله, فاستأذنه الطبيب في رجوعه إلى بلده ليدفن مع آبائه فعرض عليه المنصور أن يسلم ليدخل الجنة فأبى وقال: رضيت أن أكون مع آبائي في جنة أو نار, فضحك المنصور وأمر بتجهيزه ووصله بعشرة آلاف دينار.  وكان سلمويه بن بنان النصراني طبيب المعتصم, ولما مات جزع عليه وأمر بأن يدفن بالبخور والشموع على طريقة ديانته.

كما أن الحظوة للشعراء والأدباء لدى الأمراء والخلفاء كانت بغض النظر عن أديانهم ومذاهبهم, وكلنا يعلم مكانة الأخطل في التاريخ الأموي وقد كان يدخل على عبد الملك بن مروان دون إذن وهو مرتدٍ عباءة من حرير عليها تعويذة وقد تدلى من عنقه صليب ذهبي مشدود إلى سلسلة ذهبية والخمر تقطر من لحيته, وهو الذي هجا الأنصار في قصيدة طويلة يقول فيها: (واللؤم تحت عمائم الأنصار), فتألم الأنصار لذلك وأرسلوا كبيرهم وهو النعمان بن بشير صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام فدخل على عبد الملك ورفع عمامته وقال: أترى هنا لؤما يا أمير المؤمنين؟ فطيب خاطره الخليفة ولم يمس الأخطل بسوء.

وكان الأفراد كالخلفاء يصادقون من تروق لهم صحبته بغض النظر عن دينه, ومن هؤلاء كان إبراهيم بن هلال الصابئ – الصابئة هم قوم من المجوس لهم ديانة خاصة بهم- وقد بلغ أرفع مناصب الدولة وكان بينه وبين زعماء الأدب والعلم من المسلمين صلات حسنة, حتى أنه لما مات رثاه الشريف الرضي شيخ الهاشميين العلويين بقصائد خالدة.

وكانت الحلقات العلمية في حضرة الخلفاء تجمع بين مختلف العلماء على اختلاف أديانهم, وكان للمأمون حلقة علمية يجتمع فيها علماء الديانات والمذاهب كلها, وكان يقول لهم: ابحثوا ما شئتم من العلم غير أن يستدل كل واحد منكم بكتابه الديني. ويقصد أن لا تثور بينهم مشاكل طائفية. ومثل ذلك كانت الحلقات العلمية الشعبية, قال خلف بن المثنى: لقد شهدنا عشرة في البصرة يجتمعون في مجلس لا يعرف مثلهم في الدنيا علما ونباهة, وهم الخليل بن أحمد صاحب النحو (وهو سني), والحميري الشاعر ( وهو شيعي), وصالح بن عبد القدوس (وهو زنديق ثنوي), وسفيان بن مجاشع( وهو خارجي صفري) وبشار بن برد ( وهو شعوبي خليع ماجن) وحماد عجرد ( وهو زنديق شعوبي ), وابن رأس الجالوت الشاعر ( وهو يهودي ), وابن نظير المتكلم ( وهو نصراني ) وعمر بن المؤيد ( وهو مجوسي ) وابن سنان الحراني ( وهو صابئي ) كانوا يجتمعون فيتناشدون الأشعار ويتناقلون الأخبار ويتحدثون في ود لا تكاد تعرف أن بينهم هذا الاختلاف الشديد في دياناتهم ومذاهبهم. ولقد سرى هذا التسامح إلى البيوت والأسر فكان يجتمع في البيت الواحد أربعة إخوة أحدهم سني والثاني شيعي والثالث خارجي والرابع معتزلي, وكانوا يعيشون على أتم وفاق, هذا ينصرف إلى عبادته وذلك ينصرف إلى مجونه, ومما ترويه كتب الأدب أن أخوين أحدهما تقي يسكن في الطابق الأرضي والأخر ماجن ويسكن في الطابق العلوي, فسهر ليلة هذا الماجن وعنده بعض أصحابه يغنون ويطربون ويضجون, مما أزعج التقي ومنعه النوم, فمد التقي رأسه إلى أخيه الماجن وناداه:( أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض ) فأجابه الماجن فورا:( وماكان الله ليعذبهم وأنت فيهم ).

ومن مظاهر التسامح الديني في الحضارة الإسلامية الاشتراك في الأعياد الدينية ومباهجها فمنذ العهد الأموي كانت للنصارى احتفالاتهم العامة في الشوارع تتقدمها الصلبان ورجال الدين بألبستهم الكهنوتية, ويذكر المقريزي في خططه أن الناس كانوا يحتفلون بعيد الغطاس وغطس معظم الناس في النيل أيام كافور الإخشيدي اعتقادا أن الاستحمام  ليلة الغطاس أمان من المرض وإبراء من الداء. وهكذا فإن من يقرأ التاريخ جيدا يرى أن أفضل العصور للحريات الدينية كان في عصر الحضارة الإسلامية, فقد سجلت أروع الصفحات في التعاون على الخير بين أبنائها تعاونا أدى إلى خير الإنسانية وتقدمها, وكان  للتعاون بين الإسلام والمسيحية في العصر العباسي آثار عظيمة في العلم والثقافة.

رابعا: شهادة بعض الغربيين في التسامح الديني في الإسلام:

وأرى من المناسب الاستشهاد ببعض أقوال الغربيين عن التسامح الذي كان سائدا في العصور الإسلامية الزاهية, فيقول ليفي بوستال في كتابه إسبانيا المسلمة: ( إن كاتب الذمم كثيرا ما كان نصرانيا أو يهوديا والوظائف مما يتقلده النصارى واليهود, وقد كانوا يتصرفون للدولة في الأعمال الإدارية والحربية, ومن اليهود من كانوا ينوبون عن الخليفة بالسفارات في دول أوربة الغربية ). ويقول ج. هـ. ويلز في كتابه معالم تاريخ الإنسانية في صدد بحثه عن تعاليم الإسلام: ( إنها أسست في العالم تقاليد عظيمة للتعامل العادل الكريم, وإنها لتنفخ في الناس روح الكرامة والسماحة, كما أنها إنسانية السمة, ممكنة التنفيذ, فإنها خلقت جماعة إنسانية يقل ما فيها مما يغمر الدنيا من قسوة وظلم اجتماعي عما في أية جماعة أخرى سبقتها).  ويقول رينو في تاريخ غزوات العرب:( إن المسلمين في مدن الأندلس كانوا يعاملون النصارى بالحسنى, كما إن النصارى كانوا يراعون شعور المسلمين فيختنون أولادهم ولا يأكلون لحم الخنزيز). ويقول توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام وهو يتحدث عن المذاهب الدينية بين الطوائف المسيحية:( ولكن مبادئ التسامح الإسلامي حرمت مثل هذه الأعمال التي تنطوي على الظلم, بل كان المسلمون على خلاف غيرهم إذ يظهر لنا أنهم لم يألوا جهدا في أن يعاملوا كل رعاياهم المسيحيين بالعدل والقسطاس). ولا يخفى على أحد قول غوستاف لوبون:(إن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب ولا دينا سمحا مثل دينهم)..  

خامسا: أسباب تشريع الجهاد إنسانية بحتة

إن للجهاد في سبيل الله غاية عظمى, فمعنى أنه في سبيل الله هو أن لا يكون من أجل استعلاء أو غلبة أو مال أو تهديم أو تخريب , ويؤكد الدكتور مصطفى السباعي في كتابه (نظام السلم والحرب في الإسلام ) أن الحرب التي يعلنها الإسلام هي لتأمين السلام العالمي وهي التي يعبر عنها بالجهاد في سبيل الله, وليس هو الجهاد كما يفهمه المتطرفون اليوم , وكذلك ليس هو ما يصوره المتعصبون من الغربيين حربا دينية لإكراه الناس على الإسلام فذلك ليس من طبيعة الإسلام الذي أعلن حرية العقيدة {لا إكراه في الدين}, وإنما هو معركة يخوضها الإسلام لتحرير الأمة من العدوان الخارجي, ولتأمين الحرية الدينية والعدالة الاجتماعية لجميع الشعوب: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}, فدفع الفتنة وهو العدوان وخلاص الدين كله لله أي أن تكون الحرية الدينية لجميع الناس هما الغاية التي ينتهي عندها القتال في الإسلام. إذن أهداف الجهاد هي أهداف إنسانية بحتة, وليس كما يتصورها بعض الذين يسيئون إلى الإسلام بقصد أو بغير قصد,  وأهمها الدفاع عن حق أهل الديانات الأخرى في إظهار دياناتهم,  وهذا واضح في قول الله تعالى:{ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} والصوامع هي أديرة الرهبان, والبيع أماكن العبادة للنصارى, والصلوات هي أماكن العبادة لليهود, والمساجد أماكن العبادة للمسلمين. فالغرض من الجهاد في سبيل الله هو صيانة الكنيسة وأماكن العبادة من العدوان, وليس الغرض منه ما يقوله أعداء الإسلام من أن يقوم المسجد على أنقاض الكنيسة, بل أن يقوم المسجد بجانب الكنيسة رمزا لعبادة الله في مختلف طرق العبادة, ودليلا على وحدة الأهداف في الأديان, ومصدرا للإشعاع الروحي والسمو الخلقي في الأمة. وحسبنا هنا وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لأول جيش يخرج من جزيرة العرب: (لا تمثلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة, وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له).

سادسا: أهل الذمة والجزية

أن أهل الذمة لهم أحكام في دار الإسلام- علما بأن هذه المصطلحات تاريخية برأيي ولا قيمة لها حاليا, ولكننا نتكلم عن التاريخ فلا مانع من استخدامها- فالإسلام يقرر أن اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم أمر طبيعي من ضرورات الحياة وفي ذلك يقول الله عز وجل: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}.

يقول الدكتور البوطي في كتابه ( الجهاد في الإسلام كيف نفهمه وكيف نمارسه؟) حول التعامل مع غير المسلمين: ( إن من الأحكام الفقهية المقررة أنه لا يجوز للمسلمين التعرض لمصالحهم ومآكلهم ومشاربهم التي لا حرج عليهم في دينهم منها, وإن كانت في شرعة الإسلام محرمة؛ ومن ذلك ما قرره الفقهاء من أنه لا يجوز إراقة خمر لذمي أو إتلاف خنزير له, وعلى الذي أخذ عينا من ذلك أن يردها إليه, فإن أتلفها ضمن قيمتها, وتكاليف إعادة العين لصاحبها الذمي على الآخذ. كما يقرر الفقهاء أنه من تعرض من المسلمين من المحاولة إلى ذلك وجب زجره فإن عاد وجب تأديبه بما يراه الحاكم من العقوبات التعزيزية ).

وهناك آية هامة في القرآن في وجوب معاملة غير المسلمين بالبر والإحسان والعدل معهم :{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين}, لذلك ما أورده الكاتب من مفاهيم خاطئة عن الجزية وأخذها بطريقة مهينة هو ليس من الإسلام في شيء, فالجزية قد فرضها الإسلام لحماية المغلوبين في أموالهم وعقائدهم وأعراضهم وكرامتهم, وتمكينهم من التمتع بحقوق الرعوية مع المسلمين الفاتحين سواء بسواء. وقد جاء في كتاب خالد بن الوليد لصاحب قس الناطف:( إني عاهدتكم على الجزية والمنعة, فإن منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا حتى نمنعكم ).  والواقع التاريخي يثبت بوضوح أن المسلمين لم يأخذوا الجزية إلا مقابل حماية أهل الذمة, وقد  رد خالد على أهل حمص وأبو عبيدة على أهل دمشق وبقية القواد المسلمين الجزية على أهل المدن المفتوحة حين اضطروا لمغادرتها قبل معركة اليرموك.

وأنقل هنا كلام د. مصطفى السباعي بتصرف: ( كانت نسبة الجزية في الإسلام أبعد ما تكون عن الاستغلال كما هو الحال المتعارف عليه عند الأمم السابقة, فما يدفعه المسلم من زكاة كان أحيانا أضعاف مضاعفة للجزية, كما أنها تسقط عمن لا يقدر عليها, وبينما كانت الأمم السابقة تأخذ الجزية وتسوق مانحيها إلى الخدمة في الجيش فقد أعفى الإسلام أهل الذمة من ذلك لأن الإسلام يحارب لأجل مبادئ يؤمن بها فكيف يجبر على الحرب من لا يعتقد بهذه المبادئ؟ وكذلك فإن الجزية كانت تفرض على المغلوبين بأي حال بينما في الإسلام يجوز للإمام أن يعفيهم من ذلك كما فعل أبو عبيدة حين أسقطها عن أهل السامرة وفلسطين, وكما أسقط عمر الجزية عن ملك شهر براز وجماعته لقاء اتفاقه معهم على قتال العدو, كما يجوز إعفاء كل ذمي دخل في الجيش الإسلامي أو قدم خدمة عامة للدولة, وهي أحكام معروفة في الفقه الإسلامي؛ عدا أن الجزية لا تفرض إلا على المحاربين من أعداء الأمة, أما المواطنون من غير المسلمين ممن لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم الجزية كما فعل عمر مع نصارى تغلب, فلا شك أن الذين يعيشون في الدولة مع المسلمين من أهل الكتاب ويشاركونهم في الإخلاص والولاء لها, ليسوا ممن يجوز قتالهم, وبالتالي فلا تفرض عليهم الجزية التي هي ثمرة القتال بعد النصر كما في الآية: { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } فمعنى الصَّغار هنا بالخضوع وليس بالمذلة والمهانة, ومن معاني الصغار في اللغة الخضوع, ومنه أطلق "الصغير" على الطفل لأنه يخضع لأبويه, والمراد بالخضوع في الآية الخضوع لسلطان الدولة, وليس في ذلك غضاضة لأي أحد؛ أما أن الجزية كانت تؤخذ في بعض العصور وخاصة في أواخر الحكم العثماني بما يقترن مع الإهانة فليس في هذا حجة على الإسلام, وجمهور العلماء متفقون على ذلك). وكلنا يعلم أن انحراف الحكام أثر على الرعايا كلهم مسلمين وغير مسلمين, رجالا ونساء, وإذا كان اضطهاد غير المسلمين والمرأة ظهر في مراحل تاريخية معينة فذلك لأسباب سياسية بحتة لا علاقة لها بالإسلام . وأما بالنسبة لعصرنا الحالي فأرى أن أنقل ما ذكره د. السباعي رحمه الله حيث قال:( وإذا كانت الجزية لا تفرض إلا على من قاتل المسلمين زالت شبهة ما يورده بعض القوميين والمتعصبون على الإسلام من أن تنفيذ الإسلام في السلم والحرب يحتم أن تؤخذ الجزية اليوم من غير المسلمين في الوطن العربي أو الإسلامي, وهذا مما لا يتفق مع مفهوم الدولة في العصر الحديث ولا تقبله فئات من المواطنين ترتبط برابطة الولاء للدولة مع مخالفتها لجمهور الشعب في عقيدته؛ إن ذلك مندفع بما قررناه من أن الجزية لا تفرض إلا على من أعلن عداءه للدولة وهو من غير أبنائها, ومن أن مبدأ الجزية ليس نظاما أساسيا من أنظمة الدولة في الإسلام بل يتطور بتطور العلاقات والظروف التي تجعل الدولة في حل من إسقاطها حين تكون مصلحة الدولة في ذلك) فإذا كان هذا كلام الدكتور السباعي  منذ أكثر من خمسين سنة, علمنا مدى خطأ إصرار من أصر على مفهوم أهل الذمة خاصة بعد أن أصبحنا كلنا في ذمة النظام الدولي.

سابعا: لمصلحة من تشويه سمعة الإسلام الآن؟

بعد كل ما تقدم يحق لنا أن نسأل: لماذا نعيّر الإسلام بما ليس فيه؟ ولماذا نلبس الإسلام أخطاء بعض المسلمين؟ ولماذا نقرأ التاريخ والأسطر بعين واحدة؟ هل يتخيل أحد  أنه يمكنه أن ينسف المبدأ الإلهي من جذوره؟ إذن لأنقل ما قاله المفكر البريطاني تيري إيغلتون :( إن الغرب بثقافاته الحداثية وما بعد الحداثية لا يمكن مقارنته بالإسلام الذي لا يتوانى الملايين عن الموت في سبيله ) فالإسلام هو خاتم الديانات وأصلحها لبني البشر, لأنه دين الفطرة الخالصة ليس فيه رهبانية ولا كهنوتية, ولا يعني كوني متعصبة للإسلام أني متعصبة ضد أي دين آخر, فجارتي مسيحية وصديقتي مسيحية وممرضتي مسيحية, لكن أن يُنتقد الإسلام وهو المبدأ الخالد , فهذا فيه تجن كبير وباب فتنة أكبر لأنه قد يؤدي إلى رد دفاعي يورد الكثير من انحرافات الأديان الأخرى, فهل هذا وقته أم أننا كلنا , مسلمين ومسيحيين, أمام عدو واحد؟ أما من أراد النيل من المسلمين فيحق له ذلك بشرط أن يكون أهل دينه أفضل من المسلمين, فهل أكتب صفحات أخرى عن مساوئ الصليبيين ومذابحهم في بلاد المسلمين؟ أم أذكر ما جرى في محاكم التفتيش التي جرت على يد فرديناند وزوجته إيزابيلا في أسبانيا؟ ألا يوجد في أتباع الديانة المسيحية من يستغل الدين لمصالحه؟ أو ليس بوش وعصابته أول الذين يفعلون هذا؟ ألم يكن بوش يدعو الله في نهاية كل خطاب إبان حرب العراق أن يبارك أمريكا؟ بوش هو أكثر رؤساء أمريكا تدينًا حتى الآن، بعد أن كان مدمنا على الخمر فأنقذته الكنيسة اليمينية المتطرفة من إدمانه, لكن هل دين المسيح يأمر بما فعله السيد بوش؟ أين تعاليم دين المسيح بأنه من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، ومن أمسك بردائك فأعطه إياه كله؟ أين هو مِن المسيح عليه السلام الذي جاء ليزرع الأرض بالمحبة ويغرسها بالرحمة؟ ولماذا الرئيس بوش يزرعها دمارًا وخرابًا ويغرسها كراهية وعداء؟

أعود للأستاذ الكاتب فأسأله: ألسنا كلنا نحن العرب واقعين في مصيدة واحدة؟ هل نسي الأخ الكاتب أن قبطيا قتل في أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر بسبب ظن من قتله أن العربي هو مسلم مهما يكن دينه؟ وقد كتبت ذلك في مقالة لي في جريدة الوطن السعودية وأعيدها هنا: ( أكدت كارثة 11 سبتمبر لكل عاقل أن العروبة والإسلام قد أحيطا بسياج تهديدٍ واحد يستحيل لأحدهما أن يقفز خارجه إذا لم يكن متشبثا بالآخر, أما إذا أراد أي عربي أن يتبرأ من جذوره الإسلامية فليس ذلك بالمستحيل, لكن قد يكون مطلوبا منه أولا أن يخضع لعمليات تجميل أو بالأحرى تشويه كالتي أخضع المغني الزنجي مايكل جاكسون نفسه لها, وعندها فإن النتيجة لا تخفى على أحد؛ وإذا كانت إحدى القصص "التراثية" العربية تنتهي بالمقولة: لو خرجت من جلدك لم أعرفك!  فإن السياسة "الحداثية" الغربية أصبحت تهدد العربي أينما حل قائلة له: لو غيرت جلدك لعرفتك! )

ثم إذا كان الإسلام بهذا السوء فلماذا هو أكثر الديانات انتشارا في الغرب حاليا؟ هل قرأ الأستاذ الكاتب ما اعترف به كثير من المؤرخين الغربيين بأن النفوذ السريع والشامل للإسلام في عصره الأول لا يزال يشكل لغزا محيرا وكنموذج على ذلك ما يلي:

1 - عندما يصل مؤلفو كتاب "حضارة الغرب ومرتكزاتها في الشرق" وهم ثلاثة من العلماء الغربيين المعروفين إلى فصل ظهور وانتشار الإسلام, يعترفون بصراحة قائلين: (كل المحاولات التي جرت لمعرفة الإسلام وانتشاره السريع ـ إلى الحد الذي استطاع أن يبسط ظلاله على القسم الأعظم من العالم المتحضر آنئذ في أقل من قرن ـ وعلى الرغم من كل التفسيرات والتحليلات التي وردت عن هذه الحقبة التاريخية فلا زالت هذه القضية باقية على شكل لغز من الألغاز).

 2- كتبت السيدة (فاغلري ) العالمة الأوربية المعروفة كتابا بعنوان "انتشار الإسلام السريع" يمكن اعتباره شاهدا آخر على هذه المسألة, إذ اعتبرت الانتشار السريع للإسلام بأنه أمر إعجازي, كما أن القرآن كتاب إعجازي لا يمكن أبدا لمحمد صلى الله عليه وسلم  العربي الأمي أن يبتدعه .

 3- وعبر باحث إيطالي في أحد فصول كتابه عن تاريخ الرياضيات حول "الرياضيات عند المسلمين" بأنها إحدى معجزات العرب. واعتبر أن ما أحدثه الإسلام سريعا وعميقا إلى درجة يعجز المنطق والتعبير العادي عن تفسيره. ثم أضاف : (إن ما ينسبه البعض من المسلمين للمشيئة والقدرة الربانية في ظهور الإسلام وثقافته هو في الحقيقة دلالة على أن أصل تطور الحضارة البشرية هذا كان غير متلائم مع موازين إمكانات ومقتضيات تلك الأزمنة إلى الحد الذي جعلهم لم يستطيعوا أن يجدوا له تفسيرا سوى مشيئة اللّه وتقديره).

وأما ما قاله الغربيون عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام فأقتطف منه ما يلي:

1- يُنقل عن كتاب "الاعتذار إلى محمد" للإنجليزي جان ديفن بورت قوله: (بلا شك إذا لم نأت به - محمد عليه الصلاة والسلام- كواحد من نوادر العالم وكأطهر نابغة استطاع الكون تربيتهم حتى الآن , فيجب أن نعتبره من أعظم البشر , والشخصية الوحيدة التي يمكن لقارة آسيا أن تفتخر بوجود هكذا ابن لها).

2- جاء في كتاب "دائرة المعارف البريطانية" في ذيل كلمة القرآن  : (يعتبر محمد صلى الله عليه وسلم من بين الرجال والشخصيات الدينية العظيمة في العالم أكثر الشخصيات توفيقا وظفرا , وكانت رسالته مرادفة للنجاح والانتصار).

3- يقول لامارتين الشاعر الفرنسي المعروف بعد بيان مفصل في مدح نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام:(هذا هو محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي لو أردنا أن نزن عظمته بأي ميزان فإننا سوف نضطر للقول : بأنه ما من رجل في العالم أعظم من محمد صلى الله عليه وسلم).

4- أما برنارد شو فقد قال في رسالة له عنوانها نداء للعمل: ( إن محمدا يجب أن يدعى منقذ الإنسانية, ولو أن رجلا مثله تولى قيادة العالم الحديث لنجح في حل مشكلاته بطريقة تجلب إلى العالم السلام والسعادة اللذين هو في أشد الحاجة إليهما).

ثامنا: فولتير والإسلام

ولذلك نرى الآن أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد وضعه باحث أمريكي في أول قائمة الخالدين المائة, ونال اسحق نيوتن الترتيب الثاني بينما كان ترتيب فولتير الثامن والسبعين, وبما أن فولتير لا يختلف عليه اثنان من أنه فيلسوف أوربا الأول فأنقل هنا فقرتي الدين والمحمديين من موسوعته الفلسفية كما ترجمتهما في كتابي ( حوار الثقافات مدخل لقراءة الآخر ونقد الذات) وفيهما ما يخص الإسلام والمسلمين وغير المسلمين , وهي شهادة شاهد من أهلها, علما بأنه  كان يكن كرها لليهود ولكن لم يصفه أحد بالعداء للسامية!

الفقرة الأولى : الدين

فكرت ليلة البارحة مليا واستغرقت في تأمل الطبيعة؛ أعجبت باتساع هذا الكون اللامتناه وسننه وتناسقه, هذه الأشياء التي لا يفكر بها الرجل العامي.

أعجبت أكثر بالعقل الذكي الذي يتحكم بهذه القوى الفسيحة, قلت لنفسي:" يجب أن يكون المرء أعمى كي لا ينبهر بهذا المشهد؛ ويجب أن يكون غبيا كي لا يعرف صانعه, ويجب أن يكون مجنونا كي لا يعبده. بأي عبادة جليلة يجب أن أكافئه؟ أليس هذا الجلال نفسه في كل الفضاء ما دامت القوة الخالقة هي نفسها التي تحكم بالعدل كل هذا الفضاء؟ ألا يجب على الكائن المفكر الذي يقيم في نجم في مجرة درب التبان أن يقدم للإله نفس التقدير الذي يقدمه له الكائن المفكر في كوكبنا المعروف؟ النور الذي يتلقاه أي كوكب هو متماثل مع النور الذي نتلقاه نحن لذلك يجب أن تكون الفلسفة الأخلاقية متماثلة. إذا ولد أي حيوان حساس ذو عقل لأبوين حنونين في أي كوكب وكان شغلهما الشاغل في إسعاده , فلا بد أن يحبهما كما يحب كل منا أبويه. إذا رأى أي مخلوق في مجرة درب التبان إنسانا أعرج محتاجا ولم يسعفه فهو مذنب بحق كل العوالم والكواكب؛ فللقلب نفس الواجبات في كل مكان.

بينما كنت مستغرقا في هذه الأفكار أتاني جني, وعرفت فيه نفس المخلوق الهوائي الذي أتاني مرة ليعرفني الفرق بين قضاء الله وقدرته وبين محاكمتنا نحن وقدرتنا, وأوضح لي عندها أن العمل الصالح مفضل على الخلاف.

نقلني إلى صحراء مغطاة بأكوام من عظام الموتى وبينها مسافات من شجر دائم الخضرة, وهناك رجال يحرسون تلك البقايا بأسى.

صرخت به: إلى أين أحضرتني؟

أجابني: إلى الكآبة. قلت: ومن هؤلاء البطارقة الذين يقفون بدون حراك كأنهم يندبون جمهورهم من الموتى.

أجابني: ستعرف أيها المخلوق الإنساني المسكين فيما بعد, لكن يجب أن تنتحب أنت. ثم بدأ بالكومة الأولى قائلا: هنا يوجد ثلاثة وعشرون ألف يهودي رقصوا أمام العجل, وأربعة وعشرون ألف آخرين قتلوا بينما كانوا مع نساء مدين, وعدد الذين ذبحوا بوحشية لأخطاء وإساءات كهذه يبلغ تقريبا ثلاثمائة ألف.

أما الكومة بعد تلك المسافة من الأشجار دائمة الخضرة فهي للمسيحيين الذين قتلوا بعضهم بعضا بسبب الخلاف الديني, وقد قسموا إلى أكوام عدة بسبب امتداد خلافاتهم على مدى أربعة قرون, ويحتاجون أن يقسموا مرة أخرى لأن الكومة الواحدة تكاد تشكل جبلا يصل إلى السماء.

صرخت: ما هذا؟ الأخ يقتل أخاه وأنا لسوء حظي واحد منهم.

تابع: هنا يوجد الاثنا عشر مليونا أمريكيا الذين قتلوا في أراضيهم الأصلية لأنهم فقط لم يُعمَّدوا.

صرخت: يا إلهي؛ لماذا لم تترك هذه العظام المخيفة تجف في المكان الذي حرقت به أجسادهم؟ ولماذا جمعتهم هنا بهذا الشكل البغيض كأثر شاهد على البربرية والتعصب؟

قال: لأعلمك. قلت: ما دمت تريد أن تعلمني فأخبرني إذن؛ هل يوجد غير اليهود والمسيحيين من كان حماسهم الديني يتحول بحقارة إلى عصبية ورعب وبطش؟

قال الجني: تلطخ المحمديون بنفس الروح اللاإنسانية لكن بشكل نادر, وعندما كان أحد يطلب منهم الأمان ويعطي الجزية فإنهم يعفون ويسامحون؛ أما بالنسبة للأمم الأخرى فقد كان لا يحق لأحد يخالفهم أن يبقى في العالم الذي طالما تحول إلى حرب دينية واضحة.

الفقرة الثانية: المحمديون

سأخبرك مرة أخرى, أن تتجاهل المعتوهين الذين جعلهم البعض ممن هم تامي الجهل يعتقدون أن دين المحمديين جسدي وشهواني ومليء بالفسق ولا يوجد كلمة من الصحة به , لأنك قد خدعت تماما كما فُعل بالآخرين.

أسأل الرهبان والشماسين وحتى النواب الذين يقولون هذا: إذا كان الدين المفروض عليكم, يطلب ألا تأكلوا من الرابعة صباحا حتى العاشرة مساء عندما يكون الصيام في هذه الفترة, وإذا كنتم ممنوعين من أن تلعبوا أي لعبة حظ – القمار- أو تشربوا الخمر كي لا تستحقوا اللعنة, وإذا كان مطلوبا منكم أن تقوموا بالحج في الصحراء الحارقة, وإذا كنتم بإعطائكم للفقراء نسبة 2.5 % من مالكم على الأقل تنالون الرضا, وإذا كانت التقاليد تسمح لكم بالزواج من ثمانية عشرة امرأة, العدد الذي أنزلتموه فجأة إلى أربعة عشر امرأة؛ هل تتجرؤون على تسمية ذلك الدين بالشهواني؟!

إذا كانت العداوة السياسية بيننا وبين الأتراك موجودة فهذا ليس مبررا لأن نقارب الإسلام بهذا الشكل المفترى عليه. حاولوا أن تسترجعوا ما اغتصبه الأتراك منكم بدلا من أن تشوهوا سمعتهم.

أكره تشويه سمعة الآخرين إلى الدرجة التي لا أريد أن أنسب الغباء للأتراك, رغم أنني أمقتهم لأنهم يستبدون بالنساء ويعادون الفن.

لا أدري لماذا يذكر المؤرخين أن محمدا ذكر في قرآنه  عن رحلته إلى السماء, مع أن محمدا لم يذكر أي كلمة عن هذا, وهذا ما برهنا على صحته.

صراعنا لا يتوقف؛ كلما حطمنا خطأ لا بد أن يأتي من ينعشه!

ختاما:

انتهت مقالتَيْ فولتير, وأرجو أن يتبنى الأخ الكاتب عبارة فولتير الهامة وهي أن كره الآخرين ليس مبررا لتشويه سمعتهم, وأن يتفهم العبارة الأخيرة لأن إنعاش الأخطاء مصيبة فكيف إذا كان ذلك في غير الزمان والمكان المناسبين؟ 

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |