الصفحة الرئيسية
  
خارج السرب (مقالات) أبو البنات
 
 
 

منذ عدة سنوات عرضت بعض القنوات العربية المسلسل السوري "أبو البنات" وقد استقطب اهتمام شرائح عديدة من المشاهدين لأنه يحكي مشكلة موجودة في كل مجتمعاتنا العربية, فالرجل يريد ذكورا وزوجته لا تضع إلا إناثا, وحل المشكلة هو أن يتزوج عليها لعله يرزق بطفل ذكر يحمل اسمه ويساهم في زيادة أفراد العائلة التي ينتسب إليها بحكم أن الصبي هو من يحمل اسم العائلة؛ وهذا المفهوم في تفضيل الذكر على الأنثى لا يختلف كثيرا عن قول الشاعر العربي القديم:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا                    بنوهن أبناء الرجال الأباعد

وكان وجه الطرافة في ذلك المسلسل أن أبا البنات يتزوج من امرأة ثيب ليس ليجبر خاطرها أو ليعمل بسنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام بالزواج من المطلقات والأرامل, بل لأن تلك السيدة لديها صبيّان فهو سيتزوجها كما يشتري أحدنا ثمرة "الحبحب أو البطيخ" على السكين, أي يعرف إذا كانت حمراء أم بيضاء قبل أن يدفع ثمنها؛ وهكذا كان وتزوج أبو البنات تلك المرأة, وفرح بحملها منه وأخذ يمني النفس بوليٍّ للعهد يساهم في حماية "القبيلة" المؤلفة من عدد من البنات وأمهن وخالتهن أم الولد القادم؛ ولكن خابت آمال أبي البنات عندما وضعت الزوجة الجديدة مولودا أنثى, وبما أن مصائب قوم عند قوم فوائد, فقد حملت مصيبة أبي البنات الجديدة نفعا لزوجتيه إذ توثقت عرى المودة بينهما لأن الآلام تلمّ والهم يجمع؛ ولم أعد أذكر إذا كان المسلسل قد انتهى برضا أبي البنات بما قسم الله له كي يكون أغنى الناس, أم بفراره من البيت, أم أن المخرج كان يفكر بجزء آخر للمسلسل على عادة مخرجي هذه الأيام عندما ينجح مسلسل ما فيتبعونه بجزء ثاني وثالث ورابع, كلها لا تكون بقيمة العمل الأول.

ويتكرر مسلسل أبي البنات على الواقع دائما, فهذا رجل لديه تسعة بنات ومازال يطلب من زوجه  أن تحمل حتى لو زاد عمرها عن الأربعين وأصبح الحمل والإنجاب بالنسبة لها أمرا عالي الخطورة, وتلك امرأة تنجب في كل سنة مرة, ولو استطاعت لأنجبت في كل عام مرة أو مرتين, من أجل أن لا يفكر زوجها بأن يتزوج عليها ويجلب لها "ضرة" تضارها وتضيق عليها وتسرق اهتمام زوجها وتسلب رزقها ورزق أولادها, وهذه زميلة مختصة في النساء والولادة تتمنى أن تكون آخر من يُعلم الزوجين بنوع الجنين وهو بعدُ في الرحم عن طريق الأمواج فوق الصوتية كي لا تسبب لهما قلقا وأرقا واكتئابا, وتلك زميلة أخرى تتهرب من القيام بتوليد الحامل إذا علمت أنها تحمل جنينا أنثى كي لا يكفهر وجه الزوج فيتهمها هي أنها السبب, بعد أن أفرغ كل اتهام على رأس زوجته, ولم يبق أمامه إلا الطبيبة المولِّدة ليشركها مع الزوجة في الإثم والمنكر!

وإذا أردنا أن نكون منطقيين أكثر فيجب أن لا نضع اللوم على الزوج وحده لأن جزءا من المسؤولية يتحملها المجتمع أيضا بنظرته التقليدية إلى الأنثى وأنها أقل من الذكر؛ ولا أدري كيف يفهم البعض قوله تعالى: ( وليس الذكر كالأنثى ) أنه تفضيل للذكر على الأنثى مع أن الأمر لو كان خاضعا فعلا للتفضيل لوجب أن تكون كلمة الأنثى قبل الذكر في هذه العبارة المقدسة التي تقرر حقيقة هامة ألا وهي أن الاختلاف بين الذكر والأنثى فطري, لكنها لا تشهد لأحد الجنسين بالتفوق على الآخر , فماذا نقول لمن يفسر أصدق كلام على حسب مزاجه وهواه؟! وماذا نقول لمن يتجاهل قول الله تعالى: ( يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور)؟

وجزء من المسؤولية أيضا يقع على المثقفين الذي يخشون من أن تنقلب صراحتهم أسلحة ضدهم, وفي مقدمة هؤلاء يأتي بعض الأطباء الذين يعلمون العلم ويكتمونه, فلقد أوضحت علوم الوراثة ومنذ زمن بعيد أن الرجل هو الذي يحدد نوع الجنين إذ إن النطفة تحمل إما الصبغي الأنثوي X  فهي نطفة مؤنثة, أو تحمل الصبغي الذكري Y فهي نطفة مذكرة, بينما لا تحمل البويضة إلا الصبغي X , فنتيجة التقاء إحدى النطفتين مع البويضة, يتكون الجنين الذكر والذي صيغته هي XY  أو يتكون الجنين الأنثى والذي صيغته هي XX ,؛ فأين خطأ الزوجة إذا كانت إحدى نطاف زوجها قد انجذبت إلى بويضتها وانغرست فيها دون أن تنتظر الإذن بالدخول؟!

وإذا كنا نجد العذر لبعض الأطباء في عدم تثقيف الناس كما يجب بعلّة أنهم يخاطبون الناس على قدر عقولهم, وأن بعض الناس يصعب تقبلهم أو تفهمهم لهذا الأمر؛ فأي عذر نجده لذلك الطبيب الذي يوحي للزوج أن لديه وصفة سحرية لئلا تنجب زوجته سوى الذكور, مما يجعل الزوج المسكين يتعلق بالقشة كي لا يغرق في بحر ظلمات مولود جديد كل ذنبه أنه وُلد أنثى؟!

   
 

 

     

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |