|
لا
أدري كيف أبدأ إجابتي لك.. ولكن للصدق الذي يفوح من ثنايا رسالتك فليس لي إلا أن
ألجأ إلى الصدق نفسه ليكون هو عذري إن كانت إجابتي أقل مما تستحقه رسالتك
هذه.........
وبالصدق أقول لك أن كلماتك هذه تخرجني من رهبانيتي
الحالية التي لم تستطع جهود كثيرة أن تخرجني منها وذلك
بحكم انشغالي ببحث هام أرجو أن يساهم في العودة بالأمة
إلى مكانة (أسمى الأمم) كما ذكرت, ولكن أين بكاؤك من
بكائي أيتها الغالية؟
سأكتب لك على سجيتي.. فبعد كل هذه المحبة التي تشع منك
باتجاهي أرجو ألا يعترض أحد على طريقة إجابة الأم
لابنتها.. إجابة الأم الحزينة لابنتها الحزينة........
وكما تقولين لي: آه يا أمي .. سأقول لك: آه يا ابنتي..
وأراك تقولين: ما سبب حزنك أيتها الأم؟ وسأقول لك:
فقدان الحب من قلوب الناس يا ابنتي هو سبب حزني.......
ولكن أي حب؟
الحب الذي يرفع هذه الأمة إلى مرتبة أسمى الأمم.. الحب
الذي يجمعها... حب الله وحب رسوله... فسبب حزني يا
ابنتي هو حالة هذه الأمة... ويزداد هذا الحزن كلما
ذكرت
النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: أمتي أمتي...
وجبريل يأتيه ليبلغه جواب الله على توسلاته: قل له يا
محمد إنا سنرضيك في أمتك ولن نسوءك..
ومع ذلك فحالة هذه الأمة في سوء ما بعده سوء... لأنها
تجاهلت الحب مع أن شيئا لم يؤلف بين قلوب المؤمنين
السابقين مثل ما فعل الحب.. أحب المؤمنون الرسول عليه
الصلاة والسلام فالتفوا حوله, وقويت شوكتهم وانتصروا,
وأما نحن فتفرقنا شيعا وأحزابا بسبب فقداننا للحب.
بداية سأقص عليك ما جرى معي منذ عدة أيام عندما ظهر
المنشد سامي يوسف في التلفاز وهو يغني
the
teacher
فاعترض ابني الصغير ذو الأربعة عشر عاما على هذا
المغني الذي لم يجد أحدا يغني له سوى المعلم.. خاصة أن
ابني لم يصدّق أن المدرسة قد انتهت وأنه قد ارتاح من
معلميه.... نظرت إليه وقلت له: ألا تعلم لأي معلم
يغني؟ إنه يغني لـ..... وهنا غصصت بدمعي.. نعم.. كثيرا
ما أحاول أن أكون أقوى أمام ولديّ فلا أبكي..... ولكن
عندما يُذكر الرسول عليه الصلاة والسلام فلا بد
للعبرات أن تنحدر على وجنتي... لا يعجب ولديّ هذا
الحال.. وكل مرة لا بد أن يسألاني ولا أعلم ماذا
أجيبهما سوى أني أحب رسول الله.... والآن أصبح الكبير
في السادسة عشرة من العمر وهو يحبني كثيرا ويقدرني
لكنه لا يفهم سبب بكائي إذا ذكر الحبيب محمد عليه
الصلاة والسلام, وبالطبع أنا أعذره لكنه لا يريد أن
يعذرني.. وعندما كان سامي يوسف يغني أنشودته العذبة
أصر ابني هذا على أني يجب أن لا أبكي.. فهو برأيه يحب
الرسول عليه الصلاة والسلام ولا يبكي..... فقلت له:
لكنك لا تحبه مثلي.. لأنك لم تعرفه مثلي.. ولم ترتبط
به مثلي.. ولم تقرأ عنه مثلي.. لم يقتنع ابني الكبير
بكل هذا الكلام... فلم يكن مني إلا أن قلت لك: إنك لا
تعرف ما هو الحب أساسا, فهل أدعو عليك أن تقع في الحب
حتى تعرف ما هو الحب؟
فعلا ابني لم يعرف الحب بعد.. فكل أسراره عندي....
لكني انتبهت لنفسي أني أدخل في عقل ابني مفهوما أن
الحب بلاء.. وسؤالي لك أيتها الابنة الغالية: هل الحب
بلاء؟
كتبت ذات مرة في أحد ردودي هذه العبارة: (اللهم لا
تجعلنا نحب من لا يحبوننا حتى لا تشقينا بالحب
مرتين).. وأنت أيتها الغالية أحببت من لم يحبك...
وتسألين: لماذا يقتحمون عالمنا ثم يزلزلونه وبعدها
يهربون؟ لماذا يكتبون على
جدران قلوبنا أنهم يحبوننا ثم كما الغلطة الإملائية
يشطبونها ويسحقون القلوب
البريئة النقية الطاهرة ؟؟ ستقولين ولماذا واو الجمع
؟؟ لأني على يقين أن قصتي
ستتكرر مع كثيرات..
نعم ستتكرر قصتك مع كثيرات وتكررت معي أنا شخصيا..
وأنا عندما أكتب قصصي وخبرتي هنا.. فليس تسلية ولا
استمتاعا... فليس في عالمنا العربي من يحكي قصص فشله
للآخرين في الحب وغير الحب.. لأننا لا نقبل بالفاشل
صديقا حتى نقبل به معلما... مع أنه قد يكون الأكثر
قدرة على نصح غيره وتعليمهم... والبارحة كان يتصل بي
شاب من بلد عربي.. يسألني عن مشكلته... وأقول له: هكذا
حصل معي.. وهكذا تصرفت.. وهكذا أنا كنت مخطئة.. فلا
تكرر أخطائي..
نعم.. أرجو أن يعلم كل القراء أننا لا نستطيع أن
نعلمهم شيئا إذا لم نعترف لهم بأننا أخطأنا يوما ما...
أما إذا ادعينا أننا لم نخطئ.. فكيف نعلّمهم خبرتنا؟
وهل لدينا خبرة أصلا إذا كنا بدون أخطاء؟ ربما نستطيع
أن نكون فقهاء.. مفتين.. معلمين مدرسة.. محاضرين.. أي
شيء إلا أن نكون مستشارين في مشكلات.. فما لم نخبر
الحب.. فكيف يحق لنا أن نتكلم عنه؟ وما لم نجرب آلام
الفقر... فكيف لنا أن نروي قصصا عنه؟ وقد قالها
الدكتور غازي القصيبي الوزير والسفير السعودي وهو
الأديب والشاعر عندما سئل: لماذا لا تكتب عن الفقر؟
فقال: لم أجربه حتى أكتب عنه!
مقدمة طويلة ولكن أين الحل؟
تعالي نتصفح رسالتك من جديد.. تلك الرسالة الفائقة
الشفافة الرائقة........ تقولين:
لم أتخيل يوماً أن أنتقل من خانة قارئة جيدة لمقالاتك
وحلولك الشافية
إلى خانة مريضة تطلب العلاج منك أيتها الطبيبة
والكاتبة ها أنا بين يديك فرفقاً
بمرضي ووجعي .
سأرفق بك كثيرا.. ولولا رفقي بك لما حرصت أن أرسل
إجابتي في نفس اليوم التي وصلتني بها مشكلتك.. لأني
بالطبع أريدك أن تتحولي إلى ما لم تتخيليه يوما..
اقرئي عبارتك السابقة: لم أتخيل يوما أن.........
والآن: أنت قبل أن ترسلي هذه الرسالة لا تتخيلي أنك
قادرة على نسيان ذلك الشخص... ومع ذلك فتأكدي أنه
سيحصل.. وستنسينه.. ويأتيك حب جديد يلملم ما لم تستطع
الأيام أن تلملمه من ذكرى الحب القديم... ولكن بما أنك
غرقت وأنت تتعلمين السباحة أول مرة.. أقصد السباحة في
بحر الحب.. ففي المرة الثانية لن تغرقي .. وذلك لأنك
ستتعلمين ألا تذهبي إلى الماء العميق لتغوصي فيه قبل
أن تتعلمي كيف تعودي بنفسك للأعلى... ستخافين لا شك من
الماء مرة أخرى.. لكن أوه.. لذة السباحة في بحر الحب
لا يمكن مقاومتها.. صدقيني كلام خبيرة... ولكن ماذا؟!
هل ستغرقين ثانية؟ بالطبع لا.. لأنك متفوقة..
والمتفوقون يتميزون بالتعلم السريع.. ويتميزون أيضا
بأن ذاكرتهم بعيدة المدى... رغم أنك نسيت إساءته
الأولى وعدت له بمجرد أن قرع بابك.. فهو خطأ وقعت به
بسبب قلبك الكبير.. يعني كنت تسبحين في مكان عميق ولم
تتعلمي السباحة بعد.. فغرقت بعد أن دفعك هذا الصياد
بيده إلى القاع.. ثم أتى ليدّعي أنه ينقذك... ومددت
يدك له ونسيت إساءته.. وعدت تسبحين معه وأنت فاتحة
ذراعيك على الآخر... ومغمضة عينيك عما يجري حولك..
فتركك الصياد وحيدة بمجرد أن رأى فريسة أدسم.. وهو
بدون أدنى شك.. ليس له في الطيب نصيب.. فأين سيجد قلبا
مثل قلبك؟!
إذاً كما يقول المثل المصري:(اللي يفوتك فوته وما
تبكيش عليه) مع السلامة لهذا الصياد الذي دفعك دون
رحمة في المرة الأولى وتخلى عنك لدى أول فرصة في المرة
الثانية.. والآن يجب أن تسبحي بعيدا عن الصيادين...
وإياك أن تذهبي إلى المياه العميقة.. وإذا وجدت من
يغويك بالسفر معه إلى جزيرة الحب.. فلا تترددي في
الرفض ما لم تكوني قادرة على أن تحكمي أشرعة قلبك بحيث
لا تصادفك الرياح الهوجاء العاتية فتقلب سفينتك.......
اسمعي.. أنا لا أمتدحك.. ولا أثني عليك.. لكن والله
هذا الشاب لا يستحقك.. هل تراهنين أن أي شاب غير مرتبط
ويدرك أن الأسلوب جزء من الشخصية ثم يقرأ رسالتك
ويكتشف الأبعاد الجميلة في شخصيتك من خلال هذا الأسلوب
الراقي والعواطف النبيلة.. ثم لا يستطيع إلا أن يتمنى
أن لو كانت هذه العواطف موجهة له؟ فلملمي جراحك على
عجل... واحتسبي قلبك ليشفيه رب القلوب بسرعة.. وسترين
كيف يبدلك الله به قلبا سليما من كل عطب.. فقط اصبري
وتعالَي على جراحك........ وإن مع العسر يسرا وإن مع
الكرب فرجا
نعم.. ذكرتِ جزءا من حكمة أحبها لكنك لم تكمليها.. فما
كل القراء تابعوا ما أكتب كما فعلت أنت ... الحكمة
تقول:(كل ما قد فات فات.. وكل ما هو آت آت.. وكل ما لم
يميتني من هذا أو ذاك فهو يقويني)
وسأصارحك أكثر لأخفف عنك بشكل أكبر.. هذه الحكمة
سمعتها أول مرة وكنت أمر بحالة ليست مثل حالتك بل أصعب
بكثير بكثير بكثير.. وفعلا كانت معركة فاصلة في
حياتي.. وسبحان الله الذي جعل تلك التجربة الأليمة
سببا لنضجي... وقد فقدت ثقتي بنفسي داخليا.. وإن كنت
متماسكة خارجيا كما تقولين.... ولكني استطعت أن أتجاوز
الألم عندما علمت أن كل ما حصل كان في قضاء الله
وعلمه... فأين إيماني إذا لم يكن سيحميني في مواقف
صعبة كهذه؟
هنا يظهر المؤمن الحقيقي من مدعي الإيمان.. ألم يكن
الله هو من جمعك بذلك الشاب؟ فلماذا يعجبك قضاء الله
في اجتماعكما ولا يروق لك قدر الله في فراقكما؟ أليس
هو الله سبحانه الذي يعطي ويأخذ وهو الذي يجمع ويفرق؟
هكذا قال رسول الله لابنته التي أرسلت له أن ابنا لها
مات.. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام لرسولها : إن
الله هو الذي أعطى وهو الذي أخذ فقل لها أن تصبر
وتحتسب.. أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ولذلك قلت
لك: احتسبي قلبك.... والحمد لله أنه ما زال في صدرك
حيا ينبض... ضعي يدك عليه.. نعم الآن وأنت تقرئين
إجابتي.. ألا تشعرين بنبضات قلبك الآن؟ قلبك وحده هو
الذي لا تستطيعي أن تحيي بدونه وليس أي شخص آخر.. قلبك
هو الذي يستحق أن تهتمي به وتطهّريه من أي حب يدميه..
وقد كتبت أيضا في إحدى استشاراتي المقولة الرائعة
لمصطفى السباعي رحمه الله:(من أدرك أسرار الحياة علم
أنه ليس جديرا بالحب إلا الله سبحانه وتعالى)
وأعود إلى رسالتك مرة أخرى إذ تقولين أنك اكتشفت الحب
وحش كاسر.... إلى غير ذلك من العبارات الحزينة التي هي
مجرد ردود أفعال.. فقد كنت تحملين لذلك الشخص حبا
كبيرا.. وانتبهي إلى عبارة (كنت) أما الآن فلم يعد له
أي معنى لأنه ولى فأغلقي باب ذكرياتك ولا تجلسي
تجتريها.. ولكن أيضا لا تسمحي لنفسك بأن تلعب عليك دور
الضحية لأنها بذلك يمكن أن تغرقك مرة أخرى... فأنت لم
تكوني ضحية.. تذكري هذا.. واسمحي لي أن أقسو عليك
هنا.. كي تستطيعي الابتعاد عن التفكير به وأيضا كي لا
تعيدي الخطأ مرة أخرى.. فأنت قد فضّلت أن تستسلمي لخدر
الحب اللذيذ.. وبينما أنت في هذه الحالة نبهتك من خدرك
لدغة أفعى..... فهل الأفعى هي التي تتحمل كامل
المسؤولية أم أنك أنت أيضا غيبت جزءا من عقلك ونظرت
إليها على أنها قطة؟ طبعا أنا لا أقول هذا الكلام إلا
للمثل والتقريب.. ولا أظن ذلك الشاب أفعى... فقد يكون
خضع لأهله حقا... . وليس هذا عذرا بالتأكيد.. وقد يكون
لهث وراء إغراءات المصلحة - كأكثرهم - واضعاً الحب
خلف ظهره.. وقد يكون الأمران معا.. وعلى أية حالة فقد
ذهب مع الريح.. والباب الذي تأتيك منه الريح سده
واستريح... فاقفلي باب الذكريات.... واشغلي نفسك إلى
درجة لا تجدي فيه وقتا للتفكير بما حصل.. فالنحلة
العاملة لا تجد وقتا تقضيه بالأحزان.
لا تفكري به ولا بأهله.. وسامحي نفسك على هذه التجربة
الخاطئة لتستطيعي أن تسامحي ذلك الشاب... وأهله..
وتقاليدهم الخرقاء وعاداتهم الجوفاء.. وما سألتك من أي
بلد أنت لأن جميع بلداننا العربية تشدها إلى الخلف
تقاليد ما أنزل الله بها من سلطان.. فأنتَ أعلى حسبا
منها فلا يجب أن تتزوجها.. هكذا تقول الأم لابنها..
وأنتِ تحملين شهادة أعلى من شهادته فلا يجب أن تفكري
به .. هكذا يقول الأب لابنته.. ولكن ماذا تستنتجين من
مقاربتي لذكر الأب والأم؟
في مقابل هذا الضرر الذي وقع عليك.. تذكري نعم الله
الكثيرة التي تلفك وتحيطك.. وكما يحسد كثير من الشباب
على مكنون قلبك ذلك الشاب الذي ولى إلى غير رجعة فإن
كثيرا من الفتيات والشباب يحسدونك على هذين الوالدين..
وإني لأعلم كثيرا من الفتيات أهون عليهن أن تموت
إحداهن ألف ميتة مقابل ألا تصارح والدها كما فعلت
أنت... فبالله عليك.. لديك مثل هذا الوالد وتتركيه
وتأتي إلي أنا العبدة الفقيرة البعيدة عنك؟ لا أستطيع
أن أضمك إلى صدري عبر الأثير فلماذا لا تصارحي والدك
إذا كان هو الأقرب لك بما حصل معك؟ يبدو لي أنه عاقل
وليس عاطفيا ولا انفعاليا فإذا وجدت أن مصارحتك له بما
حصل معك ستخفف عنك ولو حمل شيئا من حزنك فبرأيي أن
تفعلي.. فكم هو جميل أن نجد قلبا مجاورا لنا يحتضننا
دافئا يلم جراحنا عندما نشعر بالوحدة والضياع والغرق..
أنا شخصيا لو كنت مكانك للجأت لأب كهذا الأب.. وصارحته
بكل أحزاني وبكيت على صدره لأن سفينتي التي تقاذفتها
الريح وتحطمت أحلامها على صخور الواقع بحاجة إلى شاطئ
أمين تأوي إليها لتستعيد الربانة قدرتها على المواصلة,
وهنا أكتب لأجلك شطرا من أغنية اسكتلندية قديمة
تقول:(أنا جُرحت لكنني لم أُذبح.. سأستريح قليلا وأعود
للقتال ثانية)
خذي وقتا لتلتئم جراحك.. وقد يكون والدك طبيبا بارعا
أكثر مني بحكم قربه منك.. وقد لا ينجح أحد في تطبيبك
إلا أنت نفسك.. والأ& |