الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) أولادنا ليسوا لنا.. أولادنا أولاد الحياة

 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أتوجه بخالص الشكر والعرفان لجهدكم المبذول في هذه الصفحة؛ لأنه كشف بعض الشيء عن حجب العادات والتقاليد التي كانت مسيطرة على منهج تفكيري عندما كنت في وطني العربي.
إنني بحاجة لنصيحة ولهذا أخاطبكم الآن..

 إنني شاب عربي أقطن في إحدى الدول الغربية لتحضير رسالة الدكتوراة في أحد العلوم الأساسية، وكما تعلمين فإن الفتن هنا كثيرة، وصراع العقل والغريزة متأجج في نفسي دائمًا؛ ولذلك أرغب بالزواج من فتاة حددت أولويات اختيارها على الشكل التالي دين فخلق فوعي فجمال فمال، وسيقوم أهلي بالبحث عن عدة فتيات عسى أن أتوافق مع إحداهن في صيف هذا العام.

مشكلتي تأتي مع البندين الثالث والخامس، أما الوعي فهي كلمة غريبة وغير مفهومة في مجتمعنا الشرقي ووالدتي تركت مهمة التأكد من وجوده عند الفتاة لي بحجة أنها لا تعرف الأسئلة التي تعلم بموجبها هل هذه الفتاة واعية أم لا. قد تسألوني وما هو مفهوم الوعي لديك، وأجيبكم بأن تكون مدركة تمامًا لماذا تحيا، ولماذا هي مسلمة، وينعكس أثر ذلك على منهج حياتها فلا إضاعة للوقت، ولا غيبة، ولا اهتمام بسفاسف الأمور، ويمكنني معرفة ذلك من حديثها واهتماماتها وطريقة حياتها دونما أي سؤال مباشر.

أما بخصوص البند الأخير وهو المال وهنا أريد أن أكون صريحًا مع نفسي ولا أريد أن أكون منافقاً وأقول إن المال غير ضروري والدين هو كل شيء. إن مستواي المادي من درجة الوسط، ولقد عانيت بعض الصعوبات حتى تمكنت من السفر والذي كان عاملاً أساسيًّا في كوني استطعت شراء بيت مقبول في وطني الأم، وصراحة لا أرغب لولدي في المستقبل أن ينهي دراسته الجامعية، ثم يصطف في طابور العاطلين عن العمل وأبوه وأمه غير قادرين على مساعدته.
هل التفكير بالزواج من فتاة مقتدرة ماديًّا هو من سوء الأدب مع الله؟ أعلم أنه في الإسلام لا ينبغي الزواج لغرض المال حصرًا، ولكن يشهد الله أنني لا أطمع في مال الزوجة مطلقًا، فأنا رجل مسلم أولاً ورجل شرقي ثانيًا، ولكن الزواج من فتاة مقتدرة ماديًّا ما هو إلا محاولة لضمان مستقبل جيد لطفل ربما يأتي وربما لا.

هل يجب عليّ الزواج من فتاة تحققت فيها الشروط الأربعة الأولى والبند الخامس يكون التكافؤ المادي بين العائلتين تاركًا أمر الطفل لله تحت ذريعة أن هذا سيؤدي إلى مزيد من التجانس في العلاقة الزوجية؟ ولكن أسأل نفسي وما الذي يدريني أن الفتاة المتوسطة ماديًّا سوف لن ترهقني بطلبات لها أول وليس لها آخر؟ أرجو تسليط النور على هذا البند حيث أشعر بتشوش ولم أستطع اتخاذ قرار حيال هذا الأمر بالنسبة للأهل فإنهم يفضلون قطعيًّا التجانس في كل الأمور. أرجو أن يصلني منكم ما يثلج صدري وتقبلوا فائق احترامي وتقديري.

 
 
 

 
 
 
   

 أشكرك بداية على ثقتك وما نفعله في هذه الصفحة وغيرها ليس إلا جهد المقل لذا نسأل الله أن يتقبله منا وأن يصفح عن تقصيرنا.

لعل سؤالك هذا ينتاب كثيرا من الشباب المغتربين وقد كان لي عدة إجابات أذكر من ضمنها (زواج المغتربين .. مشهد من مأساة متكررة) نبهت فيها إلى ما يقع فيه بعض الشباب من أخطاء في الاختيار نتيجة ظروف اغترابهم ووحدتهم وشعورهم بالحاجة إلى الصداقة والرفقة من جهة وإلحاح نوازع الغريزة من جهة أخرى, وبرأيي أنه ما يزال ثمة فارق بين من يعيش في الغرب مثلك وبين من يعيش في بلادنا العربية وإن كان ليس فارقا كبيرا خاصة في تلك البلاد التي خضعت لتغريب كبير في الثقافة ولم تسلم كثيرا من تشويش العقيدة, نسأل الله أن يصلح أحوالنا ويهدينا سواء السبيل.

أنت تطرح هنا سؤالا محددا وهو عن رغبتك بأن تتزوج ذات المال, وبرأيي ليس في ذلك أي سوء أدب مع الله كما تظن, فالرسول عليه الصلاة والسلام ذكر في الحديث الشريف أن المرأة تنكح لأربعة أسباب: نسبها وجمالها ومالها ودينها, وإذا كان عليه الصلاة والسلام قد أكد على ذات الدين فإنه بيّن في حديث آخر أن الدين هو المعاملة بشقيها: معاملة الخالق ومعاملة الخلق؛ وليس في التفكير للمستقبل والتخطيط له أي سوء أدب مع الله, بل على العكس إن فيه كامل التأدب مع حديث الرسول عليه الصلاة والسلام:(اعقلها وتوكل)؛ وإن كنت أنبهك فقط إلى أمره عليه الصلاة والسلام بعدم الرغبة في المرأة لمالها فقط أو لحسبها أي لا مانع أن يكون الجمال أو الغنى من مواصفات الزوجة, لكن دون إعلاء هذه القيم المادية على القيم المعنوية.

بما أنك ذكرت استفادتك من ردودنا في التفريق بين العادات وبين الدين فهذا شيء طيب وسيساعدني أن أكون صريحة معك كعادتي مع السائلين, وأرجو أن تعذرني والإخوة القراء على صراحتي, لأني أعتقد أن سبب تأخري في الإجابة عليك ليس انشغالي فقط وإنما محاولة التوصل إلى حل وسط بين وجهة نظرك في طريقة الاختيار التي ارتأيتها - وهي أن تبحث لك والدتك عن فتيات لتختار منهن في الصيف من تناسبك - وبين وجهة نظري الشخصية, وصدقني إذ أخبرك أني أكتب وأنا أشعر بحرج خشية أن يصدمك ردي, لكني لا أستطيع أن أكتب غير ما أقتنع به؛ ولذا أحاول أن أضع نفسي مكان والدتك, وأضع ابني مكانك, فلا شك أني أشعر بابني وكيف تتنازعه الأخلاق والقيم التي نشأ عليها في المجتمع الشرقي من جهة والأعراف والعادات السائدة في المجتمع الغربي من جهة أخرى, ولكني مع ذلك لن أشجعه على هذه الطريقة في الاختيار, بل سأطلب من ابني أن يعفيني من هذه المهمة الصعبة, وبالطبع فإن هذا الكلام لا يعني أن أتركه يتخبط دون مساعدة إذا احتاج؛ ولكن جوابي ينطلق من كوني أومن بحق الإنسان في اختيار ما يناسبه, فابني قد عوّدته على الاستقلال في الاختيار حتى في أبسط الأشياء, فكيف يمكنني أن أتدخل في قرار حياتي كقرار الزواج؟ لأقص عليك هذه القصة الطريفة التي جرت لي مع ابني كي أخفف عنك الضيق الذي قد يعتريك بسبب جوابي ولتستطيع اتخاذ العذر لي, والقصة تتلخص بأني شخصيا أحب الكنزات القطنية (أي تي شيرت) بياقة وذات ألوان مخططة للمراهقين والشباب كثيرا بينما يفضلها ابني بدون ياقة وبدون ألوان مخططة, وسبق أن اشتريت له واحدة مخططة وغامقة الألوان فلبسها وبعد فترة اشتريت له كنزة مخططة وذات ألوان فاتحة فاعترض مذكرا إياي بعدم حبه لهذا الموديل المخطط ذي الياقة, ومع ذلك عندما وجدت نفسي في العيد الماضي في أحد المحلات أمام كنزة توافق هواي الشخصي وذات ألوان رائعة, نسيت رغبة ابني أو تناسيتها بالأحرى, وعدت إلى البيت وقد اشتريتها, ففاض الكيل بابني وأخبرني بكل تهذيب أنه لا يحب الملابس التي تجعله يبدو كحمار الوحش!! هذا وابني الآن عمره 15 سنة ولم يعجبه ذوقي في ملبس فكيف سأحشر نفسي في اختيار زوجة له فيما بعد؟

لذا أيها العزيز ليست مشكلتك بالنسبة لي – أؤكد على أن الأمر نسبي تماما- في اختيار الزوجة الواعية أو الجميلة أو الغنية, إنما مشكلتك برأيي أن من سيقوم بالاختيار المبدئي لك هم أهلك, ولو كنا في زمن سابق قبل الانفتاح الثقافي – وربما لو كنتَ في عمر أقل أو قبل سفرك للغرب-  لوافقتك وقلت لك إن هذه الطريقة التقليدية هي الأسلم, لأن التربية كانت تعتمد على أن الولد طوع بنان والديه, أما الآن فقد اختلفت الأمور كثيرا وأصبح الأولاد أكثر استقلالا وربما كانت حسنات هذا الاستقلال أكثر من سيئاته فلعله يكون مخرجا لمجتمعاتنا من نفق الاستبداد الثقافي الذي يشكل قاعدة الهرم لاستبداد أعنف, وربما أصبح لزاما على الآباء والأمهات أن يتذكروا حكمة جبران خليل جبران: (أولادنا ليسوا لنا... أولادنا أولاد الحياة), فيكفوا عن اعتبار أن الأولاد امتداد لهم أو مستنسخون منهم.

إذن أنا أطرح هنا رؤيتي الشخصية لكن لا يعني هذا أني أطلب منك أن تتبناها, فقد ترى أنت أن ظروفك الحالية- النفسية والاجتماعية- تفرض عليك السير في هذا المحنى أي اختيار أهلك لعدة فتيات لتحدد أنسبهن لك في فترة تواجدك في بلدك صيفا, وفعلا قد يحصل هذا وتتوافق مع واحدة فكريا وماديا وربما ستجد الغنية أيضا, ولكن أيضا ربما أن هذا لن يحصل, ويضيع وقت والدتك ووقت الناس الآخرين سدى, وربما تتوافق مع واحدة من كل النواحي إلا الناحية العاطفية, أي أنك لن تشعر بالميل القلبي لها, فكل ما يمكنني أن أنصحك به أن لا تجعل الظروف هي التي تضغط عليك في قرار هام وحيوي كقرار الزواج, وأذكرك أنه مهما كان أهلك خبراء بالحياة ومهما بحثت عن الوعي لدى الفتاة فإن الحكم على شخص لا يمكن أن يكون حقيقيا إلا عندما تحوط بك وبه شدة من الشدائد, أي عندما يوضع على المحك, فهنا يُعرف الشخص فيما إذا كان أصيلا أو مزيفا, فرب رجل تزوج امرأة لجمالها ثم أدرك افتقادها لجمال الروح وغلبة النرجسية عليها, ورب امرأة تزوجت رجلا لماله فإذا بالبخل صفة غالبة عليه, ورب اثنين تزوجا ليحققا طموحا مشتركا, فإذا بالمصالح الشخصية لأحدهما أو لكليهما توضح لهما أن ما كانا يظنانه مشتركا لم يكن إلا ليستعمل أحدهما الآخر كسلم يصل بتسلقه إلى طموحاته الخاصة.

ربما أخفتك من الزواج, وباعتقادي أن من يبين لك صعوبة الأمر أفضل بكثير ممن يسهله عليك ثم تجد العقبات تتالى أمامك, ولذلك أعود إلى ما أقوله دائما أنه من الأفضل أن يكون اتخاذ قرارتنا الحيوية والهامة نابع من حريتنا التي يجب ألا تكون خاضعة لإرادة الآخرين حتى لو كانوا أقرب الناس إلينا ولا ناجمة عن أي ضغط نفسي أو اجتماعي؛ ولا أدري كم سنة مضى عليك في غربتك هذه, لكن إذا كان ما مضى أكثر مما بقي فلعلك تستطيع الصبر هذه الفترة المتبقية لتختار شريكة حياتك وأنت مستقر في بلدك, ولا مانع من أن تستفيد من خبرات أهلك, لكنك على الأقل لن تنشغل عن دراستك لأنك ستكون قد أنهيتها, اللهم إلا إذا لم يعجبك رأيي من الأصل فلا عليك أن تضعه جانبا وتفعل ما تراه مناسبا لك.

أعلم أن الزواج المبكر له فوائده الصحية والنفسية والاجتماعية, وأعلم أن كثيرا من الزواجات التقليدية قد تبدو أكثر استقرارا من الزواجات الأخرى, ولكن بما أنك سألتني رأيي فهذا هو, ومن حق أي أحد أن يختلف معي لكن لا يحق له أن يدعي أن رأيه هو الصحيح سواك أنت لأنك أنت صاحب السؤال وبالتالي صاحب القرار, فما يناسب ابني ربما لن يناسبك وما يناسب ابني الأكبر ربما لن يناسب الأصغر, وسبحان من وزع العقول فرضي الكثير منا بعقله ووزع الأرزاق فلم يرض إلا القليل برزقه, خاصة في هذا الزمن الذي أصبحت المنافسات المادية على أشدها بين الناس, حتى أصبحت من أسباب الفراق بين الزوجين, وأنت تضرب مثلا لخوفك من الفتاة ذات الغنى المتوسط أن طلباتها قد ترهق كاهلك فما أدراك أن الغنية لن تتكبر عليك وتعزو كل نجاح لك مستقبلا إلى مالها ودعمها لك؟ بالطبع إن التكافؤ المادي أفضل, ولكن الأفضل دائما أن تختار فتاتك عن اقتناع بها, لأن القرارات التي يتخذها المرء مسترشدا بقناعات سليمة قلما تنقضها الأيام.

لا أحبذ أن أفتح موضوع إنفاق الزوجة والقوامة كي لا أخرج عن موضوع سؤالك وأدخل في إطالة ليس هذا مكانها, لكن لا بد من القول أن إنفاق الرجل على البيت هو أمر قانوني حقوقي يتبعه مسؤوليته عن كل من ينفق عليهم, بعكس إنفاق المرأة على البيت فهو أمر أخلاقي أي أنه لا يحق لأحد أن يجبرها على الإنفاق مهما كانت غنية, وفي نفس الوقت لا تحق لها القوامة على الرجل قانونا, ولكن أين تصبح قوامة الرجل في هذه الحال؟! ومن يحفظ للمرأة حقها في مالها الذي أنفقته إذا أنكره الرجل وأراد أن يمنحها مكافأة نهاية الخدمة - بعد عشرين سنة زواج - بالزواج عليها؟! كثير من أمور المعاملات اهتم بها القرآن لكنه اهتم أكثر ما اهتم بتنظيم علاقات الأزواج والأسرة, فإذا لم تعد حياتنا مضبوطة بتقوى الله ورعاية حدوده كما هو حالنا الآن, فهل يحق لنا أن نسنّ قوانين للأسرة لم ينزل الله بها من سلطان؟ أم أن علينا أن نعيد ترتيب إيقاعات حياتنا من جديد لتكون كما يحبها الله ورسوله؟ لا يعني هذا أن تعود المرأة للمطبخ, لكن يعني أن حاجتنا ملحة لتربية جديدة ومفاهيم فريدة تنظم علاقات الناس بعضهم ببعض, ولنتذكر أن الضرورة تقدّر بقدرها وأنه لا اجتهاد مع النص القرآني الواضح الصريح (وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف).

وفقك الله لفتاة تسعدك وترضي الله وترضيك, والسلام عليك.

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |