الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) إذا أهمل الوالدان فأين العقل والإيمان؟

 
 
 
 

السلام عليكم،

أنا فتاة في الثامنة عشرة من عمري في سنة أولى جامعة، مشكلتي هي أني أكره الحياة بكل أشكالها، ولا أريد عمل أي شيء منذ صغري، وأنا لا أشعر بأي اهتمام من والدي؛ فقد كانا يفضلان أخي الأكبر عليَّ، معتقدين أنني بصمتي الدائم غير محتاجة لشيء من الحنان، لطالما احتجت لأحد فلم أجد ولم أشتكِ إلى صديقاتي حتى لا أشغلهن.

عزيزتي د. ليلى،

لقد أصبحت حياتي مملة جدًّا فلا شيء يثيرني، وزاد ذلك بعد دخولي الجامعة فقد أصبحت أتشاءم بمجرد دخولها، ولا أستطيع إقامة علاقات صداقة مع باقي الفتيات بسبب خجلي الشديد وعدم ثقتي بنفسي.

 سيدتي،

لقد أصبت بفقر دم حاد بسبب سوء تغذيتي، حتى يعيرني أهلي أدنى اهتمام؛ فأمي همها الدائم معدتي وشكلي، ولا تريد أن تعرف أي شيء عن همومي بحجة المرض، وأبي ليس له دخل في الدنيا فهو متشائم جدا من كل الدنيا.

سيدتي، أصبحت ابتسامتي صعبة ومتكلفة وأصبحت أرى الدنيا كلها سوادًا، خاصة بعد أن دخلت حصلت على نسبة لا ترضيني.

أصبحت أصلي قليلا بلا خشوع وأقرأ القرآن قليلا جدا، وأقلد الفتيات في لبسهن، وأصبح تفكيري منحرفا في أمور الجنس والعلاقات، ولا أنكر أني حاولت جاهدة أن أتعرف على شباب ينصتون لي ويخففون عني.

أصبح شغلي الدائم أن أتعرف على شباب، صرت أحتقر نفسي وأقارنها بمثيلاتها من المتفوقات والسعيدات في حياتهن، وحتى الآن لا أعرف التخصص الذي أريده، ودائمًا أغير رأيي في ذلك، واعذروني على الإطالة والتشويش؛ فأنا هكذا في داخلي.

 
 
 

 
 
 
   

بداية أعتذر عن تأخري في الرد على رسالتك لانشغالي بأمور كثيرة أهمها ما يحصل في مكان إقامتي في المملكة العربية السعودية من حوادث العنف والإرهاب, الأمر الذي يجب أن يكون له الأولوية سواء كنا مواطنين أو مقيمين فيها, بعيدين أو قريبين منها لأنها قلعة الإسلام الأخيرة ثقافة وعقيدة, وللتو انتهيت من كتابة مقالة تتعلق بموضوع العنف التربوي وأحد أشكاله يتبدى في مشكلة قريبة من مشكلتك وهي فقدان الحوار بين الزوجين وانعكاس ذلك على نفسية الطفل سلبا أو إيجابا, فمحبة الأبوين لبعضهما بعضا مهمة لشعور الطفل بالأمان الأسري كما أن محبتهم له واهتمامهم به ضرورية لتوازن الطفل النفسي, وهذا الأمر الأخير هو موضوع رسالتك التي أحزنتني كثيرا خاصة كونها انعكست على صحتك وجسمك, كما تجلت في افتقادك للثقة بالنفس وللقدرة على تكوين الصداقات كما تخبرين في بداية رسالتك, وتبدت أخيرا في تدهور وضعك النفسي وتردي مقامك الإيماني وانحدار حالتك الاجتماعية كما تذكرين في نهايتها, وكلها نتائج يمكن معالجتها إذا امتلكت الوعي والإدراك بضرورة التغيير, وغرست في نفسك الرغبة والحافز عليه, وتسلحت بالإيمان والعزيمة للمضي فيه, ووطّنت نفسك على المثابرة والاستمرار في هذا الطريق دون أن تهتمي بالعوائق التي تعترض سيرك نحو حياة أفضل.

إذن هناك وعي وإدراك, ثم رغبة وحافز, ثم إيمان وعزيمة, ثم استمرار ومثابرة, وهذه البنود الأربعة لا بد منها من أجل التطوير الذاتي والتنمية النفسية التي تحتاجين إليها.

الوعي والإدراك بضرورة التغيير يجب أن يتكون لديك بمجرد قراءة مشكلتك مرة أخرى, واطرحي على نفسك هذه الأسئلة: إلى متى سأعيش كما أراد لي غيري؟ ولماذا تكون حياتي مرسومة بأقلام الآخرين؟ وما نهايتي إذا بقيت على حالتي المتشائمة؟ وهل خلقني الله في الحياة ليعذبني؟ وهل هذه الحياة البائسة التي أعيشها تقع ضمن ما يحبه الله ورسوله لي كمؤمنة؟ وبالطبع فإن الإجابتين على السؤالين الأخيرين ستكونان بالنفي, فالله سبحانه قال:(ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكرا عليما), وكذلك قال عز من قائل:(من عمل صالحا من ذكر وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طبية, ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون), وهذه الإضاءات القرآنية ستجعل أجوبتك على الأسئلة الثلاثة الأولى مختلفة عما كانت قبل أن أذكرك بهاتين الآيتين الكريمتين, فالتشاؤم يؤدي إلى الاكتئاب والاكتئاب يؤدي إلى اليأس واليأس من الحياة يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه, وهنا يجب أن أذكرك بالآية الكريمة:(ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون), فاليأس يتنافى مع صفة الإيمان, لأن أمر المؤمن كله خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له كما في الحديث الشريف, لكننا لا نريد أن يفهم هذا الحديث أننا يجب أن نرضى بكل ما هو حولنا لأن ذلك من باب الصبر الذي أمرنا به, بل يجب أن نعلم أن الشرع كما حثنا على الرضا بالقضاء والقدر فقد أمرنا بالتغيير (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم), وفي الحديث الشريف:(المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. استعن بالله ولا تعجز, وإذا أصابك أمر فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا, فإن لو تفتح عمل الشيطان) أو كما قال عليه الصلاة والسلام؛ فافهمي كلام رسولنا وحبيبنا الذي لا ينطق عن الهوى, واتخذي منه حافزا للتغيير, فأنت الآن مؤمنة ضعيفة لكن لو تحولت إلى مؤمنة قوية لارتفعت مكانتك عند الله, لذلك يجب أن توجدي في نفسك الرغبة بالتغيير لأن حياتك بهذا الشكل غير مرضية لك ولا لله سبحانه, وأنا لا أكتب لك هذا الكلام لأزيد من شعورك بالذنب لما تفعلين, فما فعلته ليس إلا من صغائر الذنوب يكفرها الاستغفار ولكن لا تصري عليها فلا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة من الإصرار.

بعد الوعي والإدراك وإيجاد الرغبة لا بد أن تعقدي العزم على السير بخطوات حثيثة في طريق التغيير, وكما أقول دائما: لن تستطيعي أن تغيري أي أحد قبل أن تغيري نفسك, وطريقة التغيير تكون بتكاتف الإيمان والعقل معا, فمن ناحية الإيمان يجب أن تلجئي إلى الله سبحانه ليساعدك في أمورك الدنيوية والدينية, وهذا اللجوء تنقص مصداقيته إذا لم تبتعدي عن المعصية وتثابري على الطاعة, فأنت مثلا لا تعرفين أي فرع هو خير لك, فمن الناحية الإيمانية تأتي التقوى لتساعدك على الاختيار واستشراف المستقبل والتبصر بالأفضل, (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا), (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم) فتزودي بالتقوى فإنها خير زاد, وإذا حصنت نفسك بالتقوى فإنك ستنتهين من ثلاثة أرباع المشكلة حيث ستزول غباشات الخواطر السيئة عن عقلك وستنشغلين بالطاعة عن المعصية كما قال أحد الصالحين: (نفسك إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر) وإذا مُنعَت الخواطر فإنها لن تتحول إلى أفكار وبالتالي لن يصدر عنك سلوك شائن من تعارف على الجنس الآخر بغية علاقة مشوبة بأمور لا يحبها الله ولا يرضاها لمؤمنة مثلك. أما من ناحية العقل فيجب أن تضعي سدا بينك وبين الماضي, فلا تسمحي لذاكرتك بأن تجول وتصول فيه لأنه أمر يستدعي حزنك ويستجلب كآبتك وبالتالي يستحضر لومك لوالديك وأنهما كانا يفضلان أخاك عليك, فيجب يا ابنتي العزيزة أن تمسحي من قلبك كل ما لا يحبه الله من مشاعر فأقل درجات الإيمان هي سلامة الصدر من الأذى, وشعورك تجاه والديك فيه أذى كثير, والسبب أن شعورك هذا إذا تمادى سيزداد حتى يتحول إلى كراهية أو عدم محبة, وعندما يترسخ هذا الشعور سيؤدي بك إلى العقوق, وهو من أكبر الكبائر, لذلك يجب أن تسامحي والديك وأن تستغفري الله لهما دائما وتذكري أن آيات بر الوالدين في القرآن قد اقترنت دائما بالتوحيد والخضوع للرب, وأن بر الوالدين أحب الأعمال إلى الله بعد الصلاة على وقتها, وكذلك الأحاديث الكثيرة مثل:(ويزيد في العمر البر), وهذا الحديث قد رأيت تأثيره بنفسي على أخي الكبير الذي كان بره بوالدته يتفوق على أي عمل خير آخر, وقد مات أخي ثم عاش بسبب بره لوالدته, والحادثة يكاد لا يصدقها عقل فقد بقي تحت جهاز النفس الاصطناعي في غرفة العناية المركزة مصابا بسبات تام لمدة أسبوعين لم تكن تبد عليه أي علامة من علامات الحياة, اللهم إلا دقات قلبه الموصولة بجهاز التنفس الاصطناعي الذي لو رُفع لتوقف القلب عن الخفقان, ومع ذلك فقد دبت فيه الحياة من جديد بقدرة الله سبحانه, وكانت أحاديثه الأولى بعد عودته إلى الحياة أن هناك من أخذه وأراه عظاما وجماجم آباءه الميتين, وقد ظننتها بداية الأمر هلوسات نتيجة النوم الطويل, ولكن لما فسرتها إيمانيا وتذكرت أن الروح سر من أمر الله, قلت: ربما أنه فعلا رأى ما لا يراه إلا الميت وأعاده الله إلى الحياة بفضل بره بالوالدة حفظها الله.

ولك في هذه القصة عبرة فأرجو أن تفسري تصرفات والديك تفسيرا أفضل مما هو عليه الآن لأن ذلك يساعدك على تجاوز مشكلتك معهما, فما دام طبع والدك التشاؤم كما تقولين, فمعنى هذا أنه لا يخصك بمعاملة سيئة, ولكن نظرته التشاؤمية إلى الحياة تجعله لا يحسن التعامل مع الآخرين كما يجب, وأنت ابنته أي من أقرب الناس إليه لذلك فإن نصيبك من هذه المعاناة أكبر من غيرك, وعليك أن تتخذي له عذرا بأنه لا بد قد تعرض في حياته لما جعله يميل إلى التشاؤم, وإذا عذرته فستكونين أقدر على تقبله لأنه من الصعب أن تغيري طبعا استشرى لمدة طويلة؛ وأما والدتك فأرى أنك متحاملة عليها قليلا, إذ يكفي أنها تهتم بصحتك وجسدك ليعني هذا لك أنها تهتم بك, ولا يفوتك هنا يا ابنتي الغالية أن الآباء والأمهات ليسوا دائما على ثقافة عالية لذلك يهملون النفس والروح ويهتمون بالجسد والصحة, فهذه إمكانياتهم وإدراكاتهم, ولا مانع هنا أن تصارحي والدتك بأنك بحاجة لها كصديقة تبثينها شكواك لتخفف من مخاوفك, وأصري- لكن بلطف - على حقك بأن تستمع إليك, وإذا لم تلبي نداءك فلا تكلفيها فوق طاقتها, وابحثي عن صديقة صدوقة وستجدينها بالتأكيد إذا بحثت عنها بتفاؤل, فابدئي دائما - كما يقول ستيفن كوفي- والمنال في ذهنك, أي تسلحي بالتفاؤل وسترين كيف ستتحقق آمالك واحدا بعد الآخر, وإذا لم تجديها فلا ملجأ أفضل من الله سبحانه, وهل الذي يعلم السر وأخفى, وهو الذي وصف نفسه:(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟), فتذكري أن التضرع لله هو دواء ناجع لكثير من القلق والحزن, وأرجو أن تعودي إلى إجابات سابقة في هذا الأمر وربما ساعدك قراءة هذا المقال في صفحة الإسلام وقضايا العصر: الإيمان والصحة النفسية, وتذكري أيضا أن خلاصك من الاكتئاب يكون ببحثك عن السعادة ومن أهم أسبابها: الرضا عن الله سبحانه, وإسعاد الآخرين.

قد لا تكون إجابتي لك كافية, والسبب نقص في رسالتك حيث تقولين :(وأصبحت أرى الدنيا كلها سوادا خاصة بعد أن دخلت حصلت على نسبة لا ترضيني) فيبدو أنك دخلت فرعا لا ترغبينه بسبب أن مجموعك لم يكن كافيا, ومع أن هذه مشكلة أساسية لكن لا يمكنني مساعدتك بها إذا لم تبدئي بتغيير شخصيتك كما ذكرت لك, حيث أنك يجب أن تسامحي نفسك وتتقبليها بأخطائها وتحاولي أن تطوريها بحيث تستفيدي من أخطائك دون أن تكرريها, هذا على صعيدك النفسي, أما على صعيدك الأسري فإن تسامحك لنفسك يجعلك أكثر تسامحا مع والديك, مما يكرس في داخلك قدرة أكثر على تقبلهما والتعامل معهما, وعلى صعيدك الاجتماعي فإن تقبلك لنفسك أيضا يجعلك أكثر ثقة بها وبالتالي أكثر إقبالا على الحياة وعلى بناء العلاقات والصداقات التي فيها خيرك سواء كانت مع من هي من جنسك أو من جنس آخر على ألا تتجاوز الحدود التي يرضاها الله, وعندها رويدا رويدا ستتغير نظرتك إلى الحياة وتجدينها أكثر جمالا من قبل, وعندما تشرق في نفوسنا شمس الإيمان المحب الرحيم ونور العقل الإيجابي الرشيد فإن ضباب الوهم يتبدد وحلكة اليأس تزول, والله على كل شيء قدير.

وبانتظار متابعة منك تطمئنني أنك أصبحت أفضل وأنك مهيئة لمناقشة الفرع الأنسب لك, أتركك في رعاية الله وحفظه.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |