|
ليست رسالتك طويلة كما تظنين, بل كنت أتمنى لو أن التفصيلات التي جاءت فيها قد شملت
أشخاصا آخرين كي نتأكد سوية مما تصفين به نفسك من اضطراب شديد بالشخصية وذلك في
بداية رسالتك وختامها, فالمثالان اللذان طرحتهما لهما علاقة بالخيارات
العاطفية حيث يتدخل القلب في الأحكام إذا لم يكن هو الحاكم الأعلى بأمر الحب كما
لهما علاقة بقراراتك العقلية لأنك في سن تحتاجين فيه إلى الزواج, فتردد عواطفك
بينهما لا يمكن الحكم من خلاله فيما إذا كنت مضطربة الشخصية أم لا, فلو كان تردد
عواطفك عاما شاملا وأنت في هذه السن بين السادسة والعشرين والخامسة والثلاثين, فهو
دليل على عدم النضج الكافي, أي إذا كنت تشعرين مرة بأنك تحبين والدتك مثلا وفي مرة
أخرى لا تحبينها, مهما كانت الأسباب, فهو دليل اضطراب في الشخصية كما تقولين, وبذلك
أنت تحتاجين لدعم نفسي أكثر مما يمكن تقديمه عبر هذه الصفحة, فقد تظلم الوالدة
ابنتها فتشعر الابنة الناضجة بالظلم وتعترض عليه لكنها لن تسمح لهذا الاعتراض أن
يتجاوز حده ليصل إلى كره الأم, أما إذا اقتصر الأمر على هذين الرجلين اللذين
تذكرينهما في رسالتك فهو دليل تردد بينهما لأنك لم تحصلي على أي منهما, أي أن تذبذب
عاطفتك بينهما يمكن إدراك سببه, وما تحتاجين إليه فعلا هو مجرد نصيحة أو إرشاد أكثر
منه لطبيب نفسي.
عموما فإن الإنسان الناضج لا يمكن أن يدع عواطفه تتحكم
فيه, ويبدو من رسالتك التي كتبتها بشكل أقرب إلى
اللهجة العامية والخطاب الانفعالي أن العاطفة تغلب
عليك, فالأول تشعرين بحبك له رغم خداعه لك, والثاني
تشعرين بميلك له وتريدين لهذا الميل أن ينقلب إلى حب
كي ينسيك حب الأول, ولكنك خائفة من إعادة التجربة,
وأرى أنه من الأفضل أن نقلب أوراق كل من هذين الرجلين
على حدة كي تكون الصورة أمامك أكثر وضوحا:
الرجل الأول خدعك وتركك وتزوج غيرك وأنجب ثم يريدك
زوجة ثانية, وتقولين بوضوح منقطع النظير:(
واخشى
ان لو تزوجته بأن اظل اضحى من اجله للنهاية واحيا
كالمظلوم طوال حياتى وان تجذبه
زوجته الثانيه ناحيته مع العلم اننى من قبل رضيت ان
اكون له الزوجه الثانيه لحبى
الشديد له ولكن بعد ان بعد الان فكرت في الامر جيدا
واحسست اننى سأظلم نفسى واهينها
حتى لو كان حبه هذه المره صادق وحقيقى وخاصة اننى
غيورة جدا)
وخشيتك في محلها فالمؤمن يا صديقتي العزيزة لا يلدغ من
حجر مرتين, فهذا الرجل تركك بدون سبب مقنع إذ لم توضحي
لنا سبب تركه لك بل عبرت بكلمة (خداع) عما فعله بك,
فإذا كان فعلا قد خدعك فكيف ستثقين به حتى لو كنت
الزوجة الوحيدة له وليس زوجة ثانية؟
سؤالك: (لماذا نحب اناس مخادعين غادرين لا نرضى
بأخلاقهم ورغم
ذلك نحبهم
) أثار عجبي كما أثارت صراحتك فيه إعجابي, وأثار أكثر
من هذا وتلك تساؤلي: لماذا تتكلمين هنا بصيغة (نا)
الدالة على الجماعة أيتها العزيزة؟! ولماذا عممت هذا
الحكم على غيرك؟! إذا أردت الجواب فسأقوله لك: نحن نحب
من يخدعوننا لأننا سذج! أو كجواب آخر: نحن نموّه على
أنفسنا بأننا نحبهم, لكننا في الحقيقة لا نحبهم بل نحب
أنفسنا إذ نوهمها بأن هناك من يهتم بها ولو كان مخادعا
وغادرا! ولكن هل حقا نحن نحب أنفسنا وفي نفس الوقت
نكذب عليها؟! وإذا كنا صادقين مع أنفسنا فهل نجعلها
تعيش في الوهم أم نطلب منها أن تستيقظ لتحيا في الواقع
ولو كان صعبا وقاسيا؟
تبدين لي يا صديقتي وكأنك ما زلت تتلفعين بثوب البراءة
رغم أنه حري بك أن تنضجي بسبب هذه التجربة الفاشلة
التي مررت بها, فلماذا تتمسكين بهذا الرجل إذا كان قد
غادرك إلى غيرك؟ ولماذا لا تغلقي بابا على الماضي
المؤلم فتساعدي الزمن على شفاء جروحك؟
يا ابنتي الغالية هذا الرجل لا يستحق أن تفكري فيه إذا
كان حقا قد خان القلب الذي ائتمنته عليه ولم تكن له
ظروف قاهرة أجبرته على الزواج من غيرك, وهو الأمر الذي
لم يرد في رسالتك, فالبداية إذن من هنا أي بنسيان هذا
الرجل كليا فقد أصبح متزوجا وأبا, وما الداعي أن تفكري
ببناء سعادتك على تعاسة الآخرين خاصة مع رجل لا يستحق؟
الرجل الثاني ينظر إليك كصديقة مقربة, وهو خلوق
ومتدين, وسأتجاوز عن موضوع التدين لأني أتحدث إلى
إنسانة لها عواطفها بغض النظر عن التزامها وتدينها
وكذلك لها أمانيها أن تكون لرجل على سنة الله ورسوله,
وما يهمني أن أشرح ما فهمته من بعض ما ذكرته عنه
وخصوصا هذه الجملة
والتي هي تتمة الجملة التي أثارت عجبي وإعجابي
وتساؤلي: (وحينما نقابل اشخاص طيبون اصحاب خلق نخشى
الاستمرار معهم ونخشى ان تعود
النفس لمن احبتهم بالماضى ولكننى صدقونى لو كنت وجدت
من الشخص الاخر اى تلميح بالحب
او وعد بالاستمرار في العلاقة لكنت بعدت تماما عن
الاخر واحترمت الشخص الثانى لكنه
لم يشعرنى بالحب ولكنه يعتبرنى الصديقه المقربه له) فهنا تساؤل آخر مني: كيف تقولين أنك تخشين
الاستمرار معه وهو لم يلمح لك بالحب أو أي وعد
بالاستمرار؟ أي أحلام تعيشين فيها أيتها الغالية؟! أو
أي تعزية تخففين فيها من آلام صدمتك السابقة بأنك
تخشين الاستمرار مع هذا الرجل وهو لم يبدأ معك بعد؟
وهل حقا ما قلت أن سبب تراجعك عن التفكير بالزواج من
الرجل الأول هو كي لا تهيني نفسك أم أن ظهور هذا الرجل
الثاني أنعش أملا مختبئا في نفسك أنك تستحقين مكانة
أفضل من مجرد كونك زوجة ثانية؟ هل تراها أسئلتي تفسر
لك حالتك وأنك في حقيقة الأمر لا تحبين الأول ولا
تعجبين بالثاني إنما أنت تريدين الزواج وكفى؟!
صديقتي: صدقيني أني أشعر بك وبحيرتك وبعذاباتك, ولكنك
يا حبيبتي أنت من وضعت نفسك في هذه الورطة, وحشرت نفسك
بين هذين الرجلين وكأن قطار الزواج سوف يفوتك, أو كأن
الدنيا ليس فيها إلا هذان الرجلان, فأرجوك ارفقي
بنفسك, وكفي عن التفكير بهما معا, فالأول مخادع كما
وصفته, والثاني لم يلمح لك بل يتصل بك ليحكي لك عن
"اختناقاته" فأرجو أن لا تكوني مخدوعة بالثاني كما
خدعت بالأول, وأرجو أن لا يكون يحكي لك عن ظروفه
المادية الصعبة لغاية في نفسه كأن يستفيد من طيبتك في
حل أزماته!
ومع ذلك أقول لك: على فرض أن هذا الرجل الثاني طيب
فعلا كما تقولين لكن ظروفه القاسية تمنعه من أن يتقدم
لك أو يجس نبضك تجاهه, فلا مانع أن تجسي أنت نبضه, لكن
إياك أن تهيني نفسك بعرضها عليه مباشرة كما تفعل بعض
الفتيات ويمكنك مراجعة إجابة سابقة (سذاجة البنات وسيد
الرجال)
جس نبضه يكون بأن تجعلي بينك وبينه وسيطا كوالدتك أو
أختك الكبيرة أو صديقتك المفضلة أو حتى أحد إخوتك أو
أقربائك, وكلنا يعلم في السيرة النبوية أن امرأة عرضت
نفسها على الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه الرسول
المكرم الذي تهون في سبيله كل نفس, ولا أحد يستحق أن
تغامر الفتاة فتعرض نفسها عليه بنفس الطريقة مهما كان
ظنها به حسنا, فعلى الأقل يجب أن تضع في بالها احتمال
الرفض, فهذا قد يؤدي إلى الإحراج وقطع العلاقة كليا,
أما الفتاة العاقلة فترسل حكيما ولا توصه, ويقوم
بعرضها على ذلك الرجل بطريقة لائقة كما تحكي السيرة عن
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وكيف أرسلت صديقتها أو
غلامها ليسأل عن سبب عدم زواج الرسول عليه الصلاة
والسلام, ثم تم عرض الزواج عليه فوافق, وكذلك عمر بن
الخطاب رضي الله عنه عرض ابنته حفصة على عثمان بن عفان
وأبي بكر رضي الله عنه فرفضا, فشكاهما إلى الرسول عليه
الصلاة والسلام فتزوجها الرسول وعندها بيّن أبو بكر
لعمر رضي الله عنهما أنه أحجم عن الزواج منها لأنه سمع
الرسول صلى الله عليه وسلم يذكرها وكأنه يفكر في
خطبتها لنفسه.
إذن يمكنك أن تتبعي هذا الأسلوب الحكيم, وربما جاءك
خبر سار أن هذا الشاب فعلا يرغب بك, وإذا كان الجواب
بالعكس فلا تبتئسي, فالمثل يقول: (يذهب عاشق ويأتي ألف
مشتاق) وهذا ما تقوله الفتاة الواثقة بنفسها والمؤمنة
بربها وأنه لن يضيعها فهو الله الذي لا ينسى من فضله
أحدا.
مع تمنياتي لك بهدوء نفس وراحة بال وصلاح زوج ولا
تنسنا من دعائك وأخبارك. |