|
عزيزتي، يحزنني أن تحكمي على كل
المسؤولين في الأنشطة الخيرية في بلدك بأنهم لصوص، فهل يعقل هذا يا صديقتي؟ وهل من
المعقول أن بلدك كله ليس فيه أي إحساس بالمسؤولية؟
البارحة أنهيت ردي لك على إحدى
مشكلاتك، وشرحت لك الكثير لتدركي كيف يمكن التصرف في
الوضع القائم، ولكن أخشى أن في رسالتك هذه تحاملا
كبيرا، فقد عملت أنا نفسي في هذه الجمعيات الخيرية منذ
أكثر من عشر سنين، ولا أذكر أن الجميع لصوص. أعترف أن
بعض العاملين في هذه الجمعيات لم يكونوا يعاملون الناس
الفقراء كما يجب، وكنت أعرف هذا من شكاوى الناس الذين
يدخلون عيادتي، لكن أذكر تماما أنه ليست كل الجمعيات
بهذا الشكل، فإلى الآن أذكر أنه في رمضان كان أهل
الخير يوزعون الكثير من اللحوم والطعام، فلم تكن تمتد
يد العاملين إلى شيء منه ما لم يتأكدوا أنهم أوصلوا
لكل ذي حق حقه، فيقوموا بتوزيع الباقي على العمال
الفقراء في الجمعية نفسها.
وكانت هذه الجمعيات تقوم بتأدية الخدمات الطبية
للكثيرين من غير المنتسبين لها بأسعار رخيصة جدا،
فلذلك لا يصح أن نخلط المفسد مع المصلح ونضعهم كلهم في
سلة واحدة.
هل تراك قرأت هذا الحديث : "من قال
هلك الناس، فهو أهلكهم" أي هو أشدهم هلاكا، فلا تكوني
كذلك يا ابنتي الغالية، بل عليك أن تفعلي الخير كأنك
أنت والخير واحد لا يمكن فصلهما، فبذلك فقط يمكنك أن
تؤثري في مجتمعك وتعلِّمي الأشرار كيف يتحولون إلى
أخيار، عندما يرون الخير فيك ساريا وعلى قدميه ماشيا.
ولا تيئسي فأمة محمد عليه الصلاة
والسلام أمة حية لا تموت، وما ترين من خير في بلدك أو
غيره وإن قل، ما هو إلا جذوة باقية من عهد الإسلام
الأول رغم كل ما حاق به من ضربات وكل ما نزل به من
نكبات، فما يزال الإسلام حيا في الصدور، وإن منعه عائق
من الظهور، فهو كالنار تحت الرماد ما إن يتاح لها
الظرف حتى تعلو وتشتد وتثور.
ربما أنت من العاصمة حيث تكون
العلاقات الاجتماعية أقل ترابطا، والحياة المادية أكثر
ضغطا، لذلك يسعى كل فرد إلى مصلحته وإلى الكسب بأي
وسيلة، وأدرك أن هذا موجود أيضا في باقي المحافظات وإن
كان بشكل أقل، ولكن لا يعني أن الفساد إذا انتشر أنه
لم يعد هناك ينابيع للصلاح، وإلا فهل أنت ومجموعة
الطلاب التي تتكلمين عنها جماعة متفردة؟ أو قدمتم من
كوكب آخر؟! إنكم أبناء مجتمعكم الذي فيه من الخير مثل
ما فيه من الشر؛ وإن طغى الشر وأزبد وأربد، فالخير لا
يعوقه شيء عن النماء، وإن غطاه الصقيع فترة فهو يتحول
إلى مرحلة التبوغ أي يتكيس داخل ما يحفظه من التأثر،
وعندما تساعد الظروف على نتوشه ينمو ويترعرع.
لا يوجد طريقة للتأكد من صلاحية
وخيرية القائمين على هذه الجمعيات، فإذا كنت ومن معك
خائفين ألا تصل الأموال إلى مستحقيها عن طريقهم،
فأعتقد أنه يمكنكم الوصول إلى عناوينهم بالوقوف على
باب الجمعية، خاصة أيام تسليمهم مستحقاتهم كأول الشهر،
ولعلكم إذا وصلتم إلى فرد واحد تستطيعون الوصول إلى
الآخرين.
وأما عن الأيتام فيمكنكم أن تطلبوا من
رئيس الجمعية بمودة ولطف وتهذيب أن يسمح لكم بمقابلتهم
والتعرف عليهم من مبدأ أنهم إخوتكم في الإسلام وتودون
برهم والإحسان إليهم بالكلمة الطيبة، ولا أظن أنه
سيرفض، فالكلام اللين يؤثر في قساة القلوب، وقد أوصى
الله موسى وهارون عليهما السلام في لقائهما لفرعون:
{فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}، وهؤلاء
الأوصياء على الأيتام مهما وصلوا من العنت الذي
تتخيلونه، فلن يكونوا كفرعون. وما إن يسمحوا لكم برؤية
الأيتام فإنه يمكنكم أخذ عناوينهم ومعرفة المسئول
الحقيقي عنهم، فقد يكون والدة مريضة أو قريبا فقيرا،
فيمكنكم الإحسان إليه، ولا أنصح بإعطاء الأيتام أية
نقود دون سؤال رئيس الجمعية كي لا يسيئوا استخدامها.
وهنا أسأل: لماذا لا تتركون دور الأيتام هذه وتبحثون
عن العائلات المستورة التي لا يعلم بها أحد إلا
القليل؟ ألا يوجد شيخ صالح في بلدك أو عالم مخلص يمكن
الوصول عن طريقه إلى هؤلاء؟
في رسالتك السابقة ذكرت أسماء علماء
تقرئين كتبهم، لكن منهم المتوفى ومنهم من هو من بلد
آخر، فأين علماء بلدك الصالحين وهم كُثر؟ أم أننا نعمم
الأحكام فإذا أخطأ أحدهم مرة لا نتخذ له العذر بل
نعتبره شيخا للسلطة ومعينا للشرطة؟
على كل حال أرسلت لك على عنوانك الإلكتروني اسم شخص
معروف ورقم هاتفه لعله يمكنه مساعدتكم، وأرجو أن لا
تنسونا من دعائكم. |