الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) ما بين أمي وحبي .. من أنا؟

 
 
 
 

بعد التحية والسلام، في البداية أود أن أقدم فائق شكري وتقديري لكل العاملين في قسم مشاكل وحلول للشباب، وأبتهل إلى الله سبحانه وتعالى بأن يوفق الجميع لفعل الخير والنهوض بهذه الأمة إلى أسمى المستويات وجعل الله تعالى أعمالكم هذه في ميزان حسناتكم يوم القيامة وضاعفها أضعافا مضاعفة، إنه على كل شيء قدير.

 العزيزة والغالية د. ليلى، أود أن أوجه هذه الرسالة التي طالما ترددت في كتابتها لك، مرة لطولها، ومرة أخرى لكثرة التفاصيل التي سأحاول جهدي أن أختصرها وأورد المهم منها فقط، عسى الله أن يكتب لي الحل على يديك، ويعلم الله ما أكنه لك في قلبي من الحب والاحترام الفائق، ولطالما رأيت فيك الأم الحنون التي فاض حنانها محيطها الخاص فنشر شذاه إلى صفحات الإنترنت، فعسى أن يصيبني شيء من هذا الحنان الذي لم يبخل على أحد.

 أنا فتاة في الـ22 من العمر أكمل حاليا دراستي في الجامعة، لكنني مغتربة بعيدة عن بلدي مع أسرتي التي صادف أن أكون البنت الوحيدة فيها، أمي وأبي من الناس المثقفين الذين أتموا دراستهم الجامعية بتفوق والحمد لله، كذلك فهما من أروع الناس بالنسبة لي فهما يعاملانني كأخت ولست كابنة وهذا ما لا أستطيع نكرانه أبدا، عشت طفولة سعيدة ومراهقة ناجحة (على حسب تقديري)، ويرجع الفضل بذلك إلى والدتي التي لم تبخل علي بالنصائح المفيدة التي أفادتني في كل المشاكل التي يتعرض لها المراهقون في هذه الفترة، ونشأت وقلبي متعلق بالمسجد خاصة في فترة المراهقة فحفظت من القرآن ما تيسر لي، وابتعدت عن كل ما يحوم في سماء البنات من سني من أفكار في العلاقات وأشياء من هذا القبيل... كل ذلك إلى أن قُدر لي السفر، الآن أشعر أنني أفتقد كل شيء؛ لأنني فقدت كل شيء.

 أنا بحاجة إلى مساعدتك فأرجو ألا يضيق صدرك بإطالتي، أنا محتاجة لك حتى تقولي لي من أنا الآن وما هذا الذي يجري من حولي؟!

دخلت إلى الجامعة وكالعادة بعيدة كل البعد عن عالم الأولاد، وكانت لي صديقة واحدة فقط، وأذكر وقتها أني كنت أمر بضائقة وعرضت علي المساعدة بأخذ رأي شاب بفصلها الدراسي تحترمه للغاية لما عُرف عنه من الأدب والدين (وكانت أيضا معجبة به أو تحبه، لكن وقتها لم يكن لي أدنى علم بذلك) وافقت على الفكرة وفعلا قدمتني للشاب وساعدني في حل مشكلتي وشكرته على ذلك، بعدها بمدة قصيرة كنت إذا مررت في مكان في الجامعة وكان ذلك الشاب موجودا سلمت عليه وهو في المقابل يفعل نفس الشيء، وكان هذا الشيء اعترافا بالجميل.

لم تمض مدة طويلة قبل أن أفاجأ أن صديقتي قد انقلب حالها ضدي، وعرفت السبب -الغيرة- فقررت مقاطعة الشاب وعدم السلام بالمرة، أما هو فقد أخذ موقفا مغايرا تماما، طلب لقائي، وأخبرني بأنه يحبني، ويريد التقدم لخطبتي، وفعلا خلال أقل من ثلاثة أيام قام بخطبتي من أبي الذي كان مسافرا وقتها واضطر أهله أن يتصلوا به ويتحملوا كلفة مكالمة دولية.

 وعلمت بعدها من أهلي أنهم قرروا رفضه بسبب كونه طالبا، وأن الأمر مبكر جدا على الزواج، أخبرته بذلك فأصيب بصدمة وقال بأنه لن يصاب باليأس بل سيكرر المحاولة خلال 6 أشهر على أمل أن يكمل شوطا في الدراسة، وعندها يطلب خطوبة فقط لحين إكمال الدراسة (وللملاحظة.. من في عمره قد تخرجوا لكنه تأخر في الدراسة بسبب ظروف سفره، فلم يكن ذلك بالعمر الصغير).

 سيدتي، لا أنكر أنني قد أعجبت بهذا الشاب إعجابا عميقا لدينه ولأدبه وكرمه، ولنيته الصافية ووضوحه فيما يتعلق بعلاقته بي ولإبائه وكرامته التي لا تدانى، مع الأيام زاد هذا الإعجاب فدخل في خانة الحب، ومن هنا بدأت تنسحل أوراق مأساتي.

أعاد الكرة بعد 6 أشهر فلاقى رفضا أيضا بطريقة مهذبة، عندها قرر الانتظار لمدة سنة حتى يحقق شيئا، وانتظرنا سنة خلالها تفوق هو دراسيا وحصل على منحة دراسية وحاول جاهدا أن يقوم بأي عمل بسيط يستطيع أن يدخر منه شيئا أو يعود عليه بالنفع، وفعلا وفق في ذلك أيضا، وكنت أساعده في الادخار حتى أننا جمعنا كل المبلغ المطلوب للشبكة بدون مد يد الحاجة إلى أحد، وخلال هذه الفترة زدت تعلقا به وبصدقه وتصميمه خاصة أنه قد أخبر كل الأصحاب في الجامعة بأنه يحبني (وسيلبسني الدبلة أول ما تنصلح الظروف).

خالج هذه الفترة بعض التغيرات التي اعتبرتها من حقه فقد طلب مني ألا أضع أي مكياج، وألا أرتدي البنطال، وإنما أستعيض عن ذلك بالجلباب الإسلامي؛ الأمر الذي حاولته لكن بعد فترة من الزمن لم أتمكن من مجاراته فأخبرته بكل صراحة بأنني ما زلت صغيرة عليه، وأنني لا أريد أن ألبسه حاليا، وسألبس بدلا منه ملابس الحجاب الأخرى المحتشمة فقبل بعد إبداء بعض الامتعاض.

الآن وبعد مرور سنتين على علاقتنا تقدم لخطبتي وعلم أهلي بأنه يحبني وبأنني أحبه فاضطروا أن يفكروا بالموضوع بجدية وقالوا له بأن ينتظر لمدة لم يتم تحديدها حتى يتمكنوا من السؤال عنه في بلاده، وكنا سعيدين بهذه الإجابة فالأمل الآن يبدو كبيرا.

والظاهر أن أهلي غير مقتنعين بالمرة بفكرة حتى الخطبة من طالب؛ الأمر الذي أخرهم بالسؤال عنه لمدة طويلة، ولا أكذب إن قلت لكِ بأنه بحدود الـ4 أشهر من بعدما جاء الرجل لخطبتي وأهلي لم يحركوا ساكنا، لم يسألوا عنه في الجامعة ولم يسألوا عن أهله، لم يكلفوا أنفسهم حتى أن يرفعوا السماعة ويتصلوا بأهله أو أقاربهم، على الرغم من توفر بعض الأرقام التليفونية لذويه وإخوته وحتى بعض فرع العائلة الذين سكنوا في نفس بلدي، هذا الأمر أرهقنا فقد بدت مؤشرات الرفض تلوح في الأفق فلماذا هذا السكون؟!

أربعة أشهر بأيامها ولياليها بعدها بدأت الأغلاط ولا أدري أكانت هذه الأغلاط بسببي أم بسببه أم بسبب أهلي، فبعد هذه المدة بدأ يسأل كل مرة أراه فيها: هل اتصل أهلك؟ وتأتي الإجابة بالنفي، ويبدأ التساؤل لماذا؟ كان يريدهم فقط أن يسألوا حتى يسمعوا بأنفسهم أخبار عائلته الطيبة وسمعتها الناصعة على طول الخط، فبدأ الضغط علي من كثرة الأسئلة من ناحيته وبدأت أنا أيضا أسأل أمي ماذا حصل؟ وأمي تجيب اليوم وغدا وهكذا...

مضت 6 أشهر على خطبته بعدها بدأت التحركات الميتة للسؤال، وكما كان متوقعا فقد جاءت النتائج إيجابية والحمد لله، ولكن بعدها بدأت بيني وبين أمي تظهر أشياء ما كنت متوقعة في يوم من الأيام أن تظهر، أمي معارضة كل المعارضة لهذه الخطوة حاليا، ونحن نرى أن الخطوة هذه ضرورية على الأقل لنفسيتنا، وبدأت تضرب لي أمثال الفتيات اللائي أحببن في الجامعة وانتظرن حتى أكملن دراستهن... فيا سبحان الله توافق على أن نبقى على علاقة طوال الدراسة فقط حتى لا نخطب وتقول للناس خطيب ابنتي طالب!

حاولت إقناعها بشتى الطرق أن هذا الشيء ليس حراما، وأننا لا نفعل ما يغضب الله أو الناس وأننا إن نخطب فحالنا سيكون 100 مرة أحسن من أن نتكلم مع بعضنا بحضور الناس بدون رابط شرعي أو عرفي على الأقل.

بعدها تدخل أبي في الموضوع ليحسمه لصالحي، وقال لي بأنه عنده شرط واحد وهو ألا يتم عقد القران قبل التخرج، وليس قبل أن يجد وظيفة يعيل بها نفسه ويعيلني؛ فسعدنا بهذا الخبر أشد السعادة وعاهدناه على ذلك فهذا ما كنا نريده على الدوام وها هو الحلم بدأ يتحقق...

 سافر أبي بعدها لأداء بعض المهام، وبقي هنالك ما يقارب الشهر من الزمان وعاد ليبقى معنا لمدة 10 أيام فقط ليسافر مرة أخرى، خلال هذه الأيام كنا في فترة امتحانات، وكان عندنا يوم واحد فقط لا غير وهو يوم الخميس الذي لم يصادف عندي أو عنده امتحانا فيه فأخبرت أهلي بأنه سيأتي مع بعض الناس لقراءة الفاتحة، وفعلا تمت قراءة الفاتحة.

وعاد ليتصل بي بعدها ولم ألحق أن أسمع "مبروك يا عروسة" حتى دخلت أمي إلى غرفتي وأبدت امتعاضها الشديد، وقالت إن ما فعلناه يعتبر جنونا، وإننا قد مارسنا ضغطا كبيرا عليهم، وأن المفروض أن ننتظر مثل غيرنا ورجعت تعيد الأسطوانة نفسها؛ الأمر الذي أبكاني ذلك اليوم بحرقة.

سافر أبي ليعود بعدها بحدود الشهر وكان المفروض أن نلبس الدبل، إلا أن أمي منعت ذلك والسبب كان أنها قد اتصلت ببلدنا وأن الأهل لم يوافقوا على الزواج من عربي آخر غير بلدي واتهموا أهلي بالتسرع وغيرها، أبي لم يعر الموضوع أي اهتمام وقال إن البنت بنتي وأنا وحدي من يقرر صلاحية الشاب الذي وافقت عليه وأنا من رأيته وسألت عنه.

 أما هي فقد حطمتني وأذلتني بكثرة إعادة موضوع الضغط الذي مارسناه عليهم وغيرها، ووالله لم يمض يوم إلا وتكون عندنا مشكلة في البيت في هذا الخصوص حتى إنني بدأت أشعر أنني مريضة نفسيا وأنني مذنبة وأنه حرام علي ما أفعله فيها وأنها بسببي لا تنام.

قبل مدة بسيطة طلب منا أبي أن نلبس الدبل وقال إنه لا داعي للانتظار أكثر، أما هي فقد صممت أن يكون يوم الخميس، وكنا -أنا وهو- مشغولين يوم الخميس فقررنا تأجيلها ليوم الإثنين، هنا كان انفجار آخر.. وهو أننا أردنا يوم الإثنين لأننا أردنا أن "نمشي رأينا" وليس لكوننا طلابا وعندنا دروس ومحاضرات!!! لا أدري كيف أقنعها لا أدري ماذا أفعل لها حتى ترضى وتكون سعيدة.

جاء يوم الإثنين فقامت بتأجيل الموعد -انتقاما- للثلاثاء، وعندما أكملت المحاضرات ورجعت للبيت وجدت أنها قد قامت باستدعاء جماعة من الأصدقاء ليتناولوا عندنا الغداء (خاصة أن أبي لم يبق على سفره غير هذا اليوم فقط) والذين تركوا البيت بحاجة إلى بعض التنظيف، والصدمة الأكبر أنني وجدتها نائمة لأنها متعبة من الوقوف بالمطبخ منذ الصباح؟ كان الباقي نصف ساعة فقط على وصول خطيبي، دخلت بهدوء إلى غرفتي وبكيت بكل طاقتي حتى إن الاحمرار لم يذهب من عيني طوال تلك الليلة.

جاء خطيبي تلك الليلة وبعد جو من المشاحنات الواضح أمرتني أن أجلب الدبل (بنفسي) الأمر الذي سبب لي إحراجا أمام إخوتي وأبي، بعدها وكمجاملة وتغطية على التقصير الواضح الذي بدا تلك الليلة طلبت من أخي أن يحضر الكاميرا لتصويرنا (وكنت قد أخفيتها أنا لأنني لم أرد أن يصورني أحد في تلك الظروف) فارتبك وبدأ يبحث عنها لمدة ½ ساعة حتى وجدها.

اليوم وبعد انقضاء أقل من 10 أيام على خطوبتنا طرحت فراشا بسبب مرض شديد ألم بي، وخطيبي يتصل بي تلفونيا فقط، فأراد زيارتي وهذه ستكون المرة الأولى التي سيدخل بيتنا بعد لبس الدبل، وعندما أخبرتها بذلك رفضت الفكرة وقالت لي بأنه كان من المفروض أن يستأذنها هي قبل أن يقول لي ويرى إن كان بإمكانه المجيء أم لا؟

 سيدتي، بعد أن سردت لك القصة كاملة أرجوك قولي لي ماذا أفعل؟ أنا أحب خطيبي وأريد أن أكون معه، وأود أن تحبه أمي أيضا لكن كل ما أجده هو الرفض! لماذا؟ فقط لكونه طالبا فهي لا تملك أي سبب آخر بل بالعكس فهي تجامله كثيرا عندما كان يأتي قبل الخطبة.

لم أعد أحتمل ما يجري، وهو أيضا بدأ يتعب، تحمل كل أنواع الاعتراض لأجلي، وقالها لي صراحة: لولاك ولولا حبي لك لما انتظرت ساعة واحدة عند أناس ينظرون إلي بنظرة دون.

لا أدري ماذا أفعل إن هجرني يوما بسببهم وبسبب قسوة أمي، ولن ألومه فهي بالضبط كما قال: "هذه ليست جوازه بل جنازة"، المفروض أن تكون هذه من أجمل أيام حياتي لكن أرى بأنها أتعسها وأستغفر الله تعالى 1000 مرة وأتوب إليه عندما أقول لك إنني كنت أسعد بكثير عندما كنا نحب بعضنا بهدوء في الخفاء.. ما هو الحل؟

 لا أستطيع الاستمرار هكذا، فكرت أن أرجع الدبلة له وأطلب الرجوع إلى بلدي، لكنني أعلم أن نهايتي ستكون بعدها؛ فأنا لا أتخيل نفسي لحظة بدون وجوده في حياتي فهو الأمان عندي ومن يستطيع العيش دون أمان؟! ولا أستطيع أن أعيش دون إرضاء أمي، فهي أمي وأفتقدها كثيرا، أفتقدها وهي أمام عيني الآن.

أرجوك أخبريني من أنا؟ هل أنا الابنة؟ أم الحبيبة المخطوبة الممنوعة؟ وما هذا الذي يجري حولي؟ أرجو ألا يُذكر اسمي أو عنواني في هذه الرسالة، وجزاك الله عني ألف خير، وجعلك ممن يشربون من كفه صلى الله عليه وسلم شربة لا يظمئون بعدها أبدا.

 
 
 

 
 
 
   

يسعدني أن أتلقى هذه الرسالة من فتاة واعية مثلك، وأرجو أن أكون عند حسن ظنك، وأشكرك على الأمنية الجميلة التي ختمت بها رسالتك لي، راجية لك وللإخوة القراء مثلها، وتأكدي أن كل ما سجلته في رسالتك من تفاصيل هي أمور ضرورية لمعرفة خبايا قصتك؛ لذلك فأنا أشكرك على التفصيل، ولم أجد فيه أي زيادات غير مهمة.

 أشعر بك تماما وبنار الحيرة التي تعيشين فيها، لكن في نفس الوقت أرى أن مشكلتك ليست بتلك الصعوبة التي تتخيلينها فليست معضلة ولا مستحيلة الحل، ويخيل إلي أن البداية الصحيحة تكون إذا استطعت إخراج نفسك من هذه المعمعة، ونظرت إليها بمنظور مختلف، أي كما لو كانت المشكلة تخص صديقة عزيزة عليك، ولكنها ليست مشكلتك، وفي هذا إمكانية تحول شعورك بالمشكلة من نطاقها الذاتي إلى محيطها الموضوعي؛ فيخف وهج الرؤيا العاطفية لصالح نور الأحكام العقلية، والعقل سيد الأحكام كما يقال.

أود بداية أن أعيد تسجيل نقاط إيجابية مهمة جاءت في رسالتك عن والديك فهما أصدقاء لك، وقد أحسنا تربيتك ووجهاها بشكل جنبك الكثير من أزمات المراهقة، ومنحاك الثقة بالنفس والانطلاق في الحياة؛ فأنت نتيجة لذلك تحسنين التصرف والاختيار؛ ويحسب لهما بالتأكيد تفهمهما لمشاعرك ومشاعر هذا الشاب بحيث فكرا بالأمر بجدية عندما علما أن شعوركما بالحب متبادل، وأنت تعلمين أن كثيرا من الآباء والأمهات ما إن يعلموا بعلاقة حب تغزو قلوب البنات إلا ويغلقوا دونها الأبواب ويضعوا في طريقها الحواجز كما لو أن الفتاة أتت كبيرة من الكبائر، وكثيرا ما انتهت قصص الحب بالفشل نتيجة تعنت الأهل الذين ينظرون إلى وجود الحب قبل الزواج كأمر معيب أو محرم.

قد تقولين: ها هي أمي تفعل نفس الشيء، وأقول لك: لا، ليس الأمر هكذا، وعليك أن تضعي نفسك مكانها قبل أن تحكمي عليها، وتعالي حتى نرى معا كيف تنظر والدتك إلى هذه المشكلة من زاويتها الخاصة:

والدتك ترى أن هذه الابنة الجميلة التي رعتها منذ أن كانت بذرة صغيرة في أحشائها إلى أن أصبحت برعما صغيرا متفتحا على الحياة إلى أن كبرت فاتخذت منها صديقة لها؛ ستخسر مستقبلها لأنها تلغي عقلها لصالح عواطفها؛ فهي ستتزوج بطالب لم يكون مستقبله بعد، بينما هي ترى أن ابنتها الرائعة تستحق زوجا أفضل بكثير، وهي لذلك تخشى على فتاتها الغالية من المستقبل من أن يدخل الفقر من الباب فيهرب الحب من الشباك كما يقول المثل الإنجليزي؛ فوالدتك يا صديقتي العزيزة معذورة تماما، فلا تلوميها لأنها تريد بقاء العلاقة دون ارتباط فليس قصدها الإساءة لك ولا الشرع، إنما تقصد أن وعيك سيزداد يوما بعد يوم وأنك ربما تكتشفين في هذا الشاب أشياء أخرى لا تعرفينها تجعلك راغبة عنه بدل أن تكوني راغبة به.

لذلك أنصحك بألا تزيدي فجوات الاتصال بينك وبينها عندما تفسرين نواياها بشكل غير حقيقي، ولو كنتِ مكانها ربما لفعلت الشيء نفسه؛ فأنت لن تدركي ماذا يعني أن تكون المرأة أما إلا عندما تصبحين كذلك؛ وهذا لا يعني أني أوافق والدتك على موقفها؛ فأنا شخصيا لا أعارض التجربة البشرية بل على العكس أشجعها لأن كلا منا لا يتعلم إلا من أخطائه، ومن لا يخطئ لا يتعلم، ومن ليس لديه تجارب خاطئة فليس لديه خبرة، كما أجاب أحد الناجحين عندما سأله أحدهم عن سر نجاحه فقال: قرارات صحيحة؛ فسأله: وكيف يمكن للمرء أن يتخذ قرارات صحيحة، فقال: بالخبرة، فسأله: ومن أين تأتي الخبرة؟ فقال: قرارات خاطئة!

طبعا كلامي هذا غير مقبول في ثقافتنا وتقاليدنا وعاداتنا؛ لأنها ثقافة اللا أخطاء، وبالتالي هي ثقافة اللا إبداع، وهي ثقافة اللا تجارب، وثقافة الممنوع والحرام والعيب، وثقافة الادعاء بأننا لا نخطئ مع أن كلا منا يخطئ؛ لأننا بشر خطاءون ولسنا ملائكة ولا رسلا ولا بشرا كملا!

نعود إلى والدتك فموقفها يسهل تغييره بشيء من الحكمة والتعقل وإظهار العاطفة والمحبة لها، لكن عليك التأكد أن هذا الشاب يستحق أن تقاومي لأجل الارتباط به، كما أنه علي أنا أن أذكرك بموقف والدك الرائع بقوله: "البنت بنتي وأنا وحدي من يقرر صلاحية الشاب الذي وافقت عليه وأنا من رأيته وسألت عنه"؛ فهذا القول لوحده لو كررته بينك وبين نفسك لمنحك قوة نفسية رهيبة، فهنا موقف داعم فريد لك، وإن كان سفر والدك الدائم يخفف من دعمه لك.

 وتأتي والدتك لتستفرد بك وتريك عضلاتها العاطفية فتتألمين وتبكين، وآه لو تعلمين كيف هي غالية هذه الدموع! وآه لو تتذكرينني في ذلك اليوم الذي تضحكين فيه على نفسك كم بكيت وكم عانت روحك وكم صرخت ولا أحد يسمعك؛ فسأقول لك منذ الآن: لا أحد يستحق التضحية ولا أحد يستحق الحب أكثر من ذاتك فانظري بعقلك أين مصلحتها واتبعيها، ولا تظني أن الحب شيء يستحق التضحية؛ لأننا عندما نضحي في سبيل الحب فنحن نضحي في سبيل أنفسنا أن تعيش مع من تحب ولسنا نضحي من أجل من نحب، هل تدركين جيدا هذه النقطة وأن الحب تضحية متبادلة؛ لأنه أساسا مصلحة متبادلة؟

من هنا أسأل:

هل يعلم حبيبك -إذا كان يحبك حقا- أن من واجبه تخفيف ضغطه عليك بأن يقدر صعوبة موقفك مع والدتك؟ كثرة الضغط تسبب الانفجار وقد تضطرين نتيجة لذلك الضغط أن تخسري هذا الشاب أو أن تفقدي والدتك"، وهذا واضح في قولك: "فكرت أن أرجع الدبلة له وأطلب الرجوع إلى بلدي"؛ لذلك ينبغي عليكما أنتما الاثنان أن تحرصا على الحب ليزيد في جمال الحياة لا ليشكل ضغطا وأزمات ومشاكل وإلا أصبحت الحياة حربا لا حبا؛ فاطلبي منه أن يساندك ويصبر: "وأن تصبروا خير لكم"، "وإن النصر مع الصبر"، "لا بد دون الشهد من إبر النحل".

 الحب خبرة إنسانية كبيرة، وتجربة بشرية منضجة، والدليل أنك لو تبصرت بنفسك قليلا لرأيت أنك كبرت عن بداية معرفتك بهذا الشاب، وأن شعورك بالنضج الإنساني يتأكد عندما وجدت نفسك في نفس أخرى، وهذا كله جميل ورائع، لكن ماذا عن هذا الحبيب؟ هو شاب متدين مستقيم متفوق خلوق، ولكنه من بيئة أخرى، ومن عوائق نجاح الزواج اختلاف البيئة، وكذلك اختلاف الرؤى مثل موضوع الجلباب الذي يريد أن تلتزمي به، وأهنئك لأنك بينت له موقفك، ولكن يجب أن تنظري إلى امتعاضه بقليل من الشك، فماذا لو تمسك برؤيته بعد الزواج وأنت لست راغبة بعد في لبس الجلباب، لأنك مقتنعة - مثلا- بأن المقصود باللباس الساتر للمرأة هو كل ما ستر مفاتنها الأنثوية ولم يحددها أو يجسمها، بغض النظر عن كونه جلبابا أم بنطالا واسعا فضفاضا وقميصا طويلا فوقه، أم جيبا عريضة واسعة لا تحدد جسم المرأة (تنورة) وجاكيتا واسعا أيضا لا يحدد الجسد فوقها مثلا؟

كثيرا ما يقيد الرجال نساءهن بالجلباب؛ لأن المجتمع التقليدي يرى أن زي المرأة يجب أن يأخذ شكلا معينا ولونا واحدا أو ألوانا غامقة داكنة، مع أن هذا يجب أن يعود للعرف السائد؛ فلا معنى للإصرار على فقدان التناسق والجمال في الملابس كشعار للتدين والالتزام. وما المانع أن يرتدي كل منا ما يريحه ما دام لباسا ساترا؟ وبما أن العرف لم يعد واحدا حتى في نفس البلد؛ فالثياب التي تعبر عن هوية لابسها وثقافته لم تعد كذلك بالنسبة لنا؛ فلماذا لا يترك هذا الأمر للذوق الشخصي غير المتنافي مع الشرع؟

إذا أطلت هنا فلأني أريد أن أؤكد لك على أهمية الاتفاق بينك وبين خطيبك من بداية الأمر على حق الآخر بالاختلاف في هذا الأمر وغيره، فمع أن الشرع يطلب من المرأة طاعة زوجها، لكنه في نفس الوقت لا يحبذ القضاء على كينونة المرأة وشخصيتها، ويجب أن تكون ثياب المرأة المسلمة مرغبة للأخريات غير الملتزمات بالستر لا منفرة لهن، وأنت تعيشين في بلد مسلم، ولكن نسبة الملتزمين بالشرع على ما أعتقد ليست أكثر من 50%؛ لذلك يجب الانتباه إلى هذه النقطة.

 بقي موضوع التفاهم مع والدتك وهو يبدأ من الصراحة بأن تشرحي لها أنك ترغبين بهذا الشاب لأخلاقه ودينه وأصله الطيب ولرغبته بك، وأنك لا تنظرين إليه بعين العاطفة، بل إن اقتناعك العقلي به يتآزر مع تعلقك القلبي، واشرحي لها أنه ليس سهلا أن تتخلى الأنثى عن رجل يرغب بها ويقدرها ويحترمها، فما الفائدة إذا كان غنيا وفي نفس الوقت لا يرى في المرأة شريكا أو ندا؟

 احكي لها عن القصص الكثيرة في الحياة مثل حكاية إنسانة أعرفها كان زوجها طبيبا وذا مركز في المجتمع، ومع ذلك فهو لا يعرف مع زوجته إلا الضرب كأسلوب وحيد للتعامل، وقصي عليها حكاية ذلك الأستاذ الجامعي الذي يعامل زوجته كما يعامل العبد، فلا كلمة طيبة بل صراخ وضجيج وعجيج في البيت؛ لأن الحب مفقود من أساسه.

كثيرة هي القصص ووالدتك ليست غافلة عنها، فقط ذكريها بأن أساس العلاقة الزوجية المتينة هي وجود المودة والرحمة كما ذكر الله سبحانه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم منْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجا لتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم موَدة وَرَحْمَة}، وأخبريها أن الزواج شراكة لا تعتمد فقط على المادة بل أيضا على الحب والتفاهم، وإذا أخبرتك أن المادة والمركز مهمان للرجل فوافقيها، لكن ذكريها بالآية الكريمة: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ}، وأكدي لها أنك أنت المسئولة عن نتائج قرارك، ومن أصعب الأمور أن تكون حياتنا خاضعة لقرارات الآخرين حتى لو كانوا أحب الناس إلينا.

إذن يا صديقتي الغالية عليك أن تجيشي كل إمكانياتك الذهنية وقدراتك العاطفية لإقناعها على المضي في أمر الزواج، وإن كنت أتفق مع والدك بأن تبقيا مخطوبين دون عقد حتى تنتهيا من الدراسة وتجدا عملا يكفل لكما العيش الكريم، وبهذا تعيشان شيئا من الحب -الحلال طبعا كي لا يفهم أحد غير ما أقصد- دون مسئوليات الزواج وتتفرغا لحياتكما الدراسية المهمة لمستقبلكما المشترك هذا من جهة.

ومن جهة أخرى تتيح لكما هذه الفترة أن تتعرفا إلى بعضكما أكثر فلا يخفى عليك أن الحب يغطي كثيرا من عيوب المحبوب؛ فتمسكي بهذا الشاب لكن تمسكي أيضا بعدم الاستعجال.

وهنا لا أرى في موقف والدتك الأخير خللا كبيرا فهي تريد الشاب أن يستأذنها لتشعر أنها ذات قيمة في حياتك وحياته فما المانع؟ ولماذا لا تسايريها في هذا الأمر؟ والدتك تحبك وهي أيضا تحب نفسها فتريد أن يكون لها أثر في حياتكما فما المانع أن تكوني مرنة أنت وخطيبك؟

بكل حب وحنان قبليها وبكل هدوء ومنطق اقبلي منها، واطلبي من خطيبك أن يتصل بها ويستأذنها لزيارتكم؛ فهي والدتك قبل أن يكون هو خطيبك أو حبيبك بكثير، كما أن البيت بيتها، وليت كل الرغبات مثل هذه الرغبة!

لن تكسبي والدتك أنت وخطيبك إلا بالحب والرعاية فافعلا هذا، وتحملا طفولتها الأنانية قليلا؛ فمن حقها أن تمارسها شيئا ما، وعلى خطيبك يقع دور كبير في التودد إليها بكل ما أوتي من ذكاء ولباقة ولطف؛ فليبدأ بالتعامل معها كما لو كانت والدته فيبرها ويحمل لها بعض الهدايا البسيطة والتي تعرفين أنت أنها تحبها كعطرها المفضل أو أي شيء يتناسب مع ميزانيته كطالب، ولا مانع من أن تساعديه أنت في ذلك سواء بالمال أو باختيار الهدية، وصلى الله على نبي البشر طبيبنا وحبيبنا محمد القائل: "تهادوا تحابوا".

وليكن مرحا معها دائم الابتسام في وجهها "تبسمك في وجه أخيك صدقة" متقبلا انتقاداتها، ولا ينظر إليها على أنها انتقادات بقدر ما يفهمها على أنها حرص من والدتك ليكون زوج ابنتها الأفضل، أي عليه دائما أن يتخذ التفسير الحسن؛ لأن من أهم أسباب التباعد والجفاء بين الناس سوء الفهم وسوء الظن.

أما إذا زادت في دلالها وأصرت على موقفها بعد أن تبذلي وخطيبك كامل الجهد وفارغ الوسع فلكل حادث حديث، ويحسن عندئذ أن تستعملي أسلوب المقاومة السلمية على اعتبار أنها الكي الذي لا يحسن اللجوء إليه إلا كآخر دواء، وإن كنت لا أرى داعيا كبيرا لذلك مع موقف والدك الذي يمكنك استغلاله بمجرد عودة والدك من السفر فتبيني له صعوبة وضعك بين اختيارك من جهة وبين والدتك المحبة لك لدرجة أليمة من جهة أخرى؛ فيساهم في إقناع والدتك لتنتهي هذه المشكلة، وأين دوره في حياتك إذا لم يكن في مساعدتك على اتخاذ القرار الصحيح في أمر هو الأهم في مستقبلك ألا وهو موضوع شراكة الحياة؟

 لم أفصل في أسلوب المقاومة السلمية هنا؛ لأني أرجو ألا تكوني مضطرة له، وفي حال تمسك والدتك بموقفها فارجعي إلى المشاكل التي بينت فيها هذا الأسلوب, وهي موجودة في هذا الجزء والأجزاء السابقة من الكتاب.

 لا أنصحك أن تخسري هذا الحب، ولا أشجعك على عقوق والدتك، وتذكري يا صديقتي أنني اتفقت معك على أن تخرجي نفسك من اللعبة وتنظري إليها من أعلى، وكلما أبعدت نفسك عن المتاهة أصبح خروجك منها أكثر يسرا. هل تذكرين رسم الأرنب والجزرة التي تحول دونها كثير من الحواجز. والسؤال: كيف يمكن أن يصل الأرنب للجزرة؟ ممكن للبعيد فقط أن يستطيع حل المشكلة، أما الغارق بها بكل كيانه فقد لا يستطيع إلا أن يغرق أكثر فانتبهي.

وفقك الله لما فيه خيرك والجئي إليه سبحانه فهو وليك ولن يكلك إلى نفسك ما دمت من المتقين {وَمَن يتقِ اللهَ يَجْعَل لهُ مَخْرَجا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} وطمئنيني عنك .

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |