|
بعد التحية والسلام، في البداية أود أن أقدم فائق شكري وتقديري لكل العاملين في قسم
مشاكل وحلول للشباب، وأبتهل إلى الله سبحانه وتعالى بأن يوفق الجميع لفعل الخير
والنهوض بهذه الأمة إلى أسمى المستويات وجعل الله تعالى أعمالكم هذه في ميزان
حسناتكم يوم القيامة وضاعفها أضعافا مضاعفة، إنه على كل شيء قدير.
العزيزة والغالية د. ليلى، أود أن أوجه هذه الرسالة
التي طالما ترددت في كتابتها لك، مرة لطولها، ومرة
أخرى لكثرة التفاصيل التي سأحاول جهدي أن أختصرها
وأورد المهم منها فقط، عسى الله أن يكتب لي الحل على
يديك، ويعلم الله ما أكنه لك في قلبي من الحب
والاحترام الفائق، ولطالما رأيت فيك الأم الحنون التي
فاض حنانها محيطها الخاص فنشر شذاه إلى صفحات
الإنترنت، فعسى أن يصيبني شيء من هذا الحنان الذي لم
يبخل على أحد.
أنا فتاة في الـ22 من العمر أكمل حاليا دراستي في
الجامعة، لكنني مغتربة بعيدة عن بلدي مع أسرتي التي
صادف أن أكون البنت الوحيدة فيها، أمي وأبي من الناس
المثقفين الذين أتموا دراستهم الجامعية بتفوق والحمد
لله، كذلك فهما من أروع الناس بالنسبة لي فهما
يعاملانني كأخت ولست كابنة وهذا ما لا أستطيع نكرانه
أبدا، عشت طفولة سعيدة ومراهقة ناجحة (على حسب
تقديري)، ويرجع الفضل بذلك إلى والدتي التي لم تبخل
علي بالنصائح المفيدة التي أفادتني في كل المشاكل التي
يتعرض لها المراهقون في هذه الفترة، ونشأت وقلبي متعلق
بالمسجد خاصة في فترة المراهقة فحفظت من القرآن ما
تيسر لي، وابتعدت عن كل ما يحوم في سماء البنات من سني
من أفكار في العلاقات وأشياء من هذا القبيل... كل ذلك
إلى أن قُدر لي السفر، الآن أشعر أنني أفتقد كل شيء؛
لأنني فقدت كل شيء.
أنا بحاجة إلى مساعدتك فأرجو ألا يضيق صدرك بإطالتي،
أنا محتاجة لك حتى تقولي لي من أنا الآن وما هذا الذي
يجري من حولي؟!
دخلت إلى الجامعة وكالعادة بعيدة كل البعد عن عالم
الأولاد، وكانت لي صديقة واحدة فقط، وأذكر وقتها أني
كنت أمر بضائقة وعرضت علي المساعدة بأخذ رأي شاب
بفصلها الدراسي تحترمه للغاية لما عُرف عنه من الأدب
والدين (وكانت أيضا معجبة به أو تحبه، لكن وقتها لم
يكن لي أدنى علم بذلك) وافقت على الفكرة وفعلا قدمتني
للشاب وساعدني في حل مشكلتي وشكرته على ذلك، بعدها
بمدة قصيرة كنت إذا مررت في مكان في الجامعة وكان ذلك
الشاب موجودا سلمت عليه وهو في المقابل يفعل نفس
الشيء، وكان هذا الشيء اعترافا بالجميل.
لم تمض مدة طويلة قبل أن أفاجأ أن صديقتي قد انقلب
حالها ضدي، وعرفت السبب -الغيرة- فقررت مقاطعة الشاب
وعدم السلام بالمرة، أما هو فقد أخذ موقفا مغايرا
تماما، طلب لقائي، وأخبرني بأنه يحبني، ويريد التقدم
لخطبتي، وفعلا خلال أقل من ثلاثة أيام قام بخطبتي من
أبي الذي كان مسافرا وقتها واضطر أهله أن يتصلوا به
ويتحملوا كلفة مكالمة دولية.
وعلمت بعدها من أهلي أنهم قرروا رفضه بسبب كونه
طالبا، وأن الأمر مبكر جدا على الزواج، أخبرته بذلك
فأصيب بصدمة وقال بأنه لن يصاب باليأس بل سيكرر
المحاولة خلال 6 أشهر على أمل أن يكمل شوطا في
الدراسة، وعندها يطلب خطوبة فقط لحين إكمال الدراسة
(وللملاحظة.. من في عمره قد تخرجوا لكنه تأخر في
الدراسة بسبب ظروف سفره، فلم يكن ذلك بالعمر الصغير).
سيدتي، لا أنكر أنني قد أعجبت بهذا الشاب إعجابا
عميقا لدينه ولأدبه وكرمه، ولنيته الصافية ووضوحه فيما
يتعلق بعلاقته بي ولإبائه وكرامته التي لا تدانى، مع
الأيام زاد هذا الإعجاب فدخل في خانة الحب، ومن هنا
بدأت تنسحل أوراق مأساتي.
أعاد الكرة بعد 6 أشهر فلاقى رفضا أيضا بطريقة مهذبة،
عندها قرر الانتظار لمدة سنة حتى يحقق شيئا، وانتظرنا
سنة خلالها تفوق هو دراسيا وحصل على منحة دراسية وحاول
جاهدا أن يقوم بأي عمل بسيط يستطيع أن يدخر منه شيئا
أو يعود عليه بالنفع، وفعلا وفق في ذلك أيضا، وكنت
أساعده في الادخار حتى أننا جمعنا كل المبلغ المطلوب
للشبكة بدون مد يد الحاجة إلى أحد، وخلال هذه الفترة
زدت تعلقا به وبصدقه وتصميمه خاصة أنه قد أخبر كل
الأصحاب في الجامعة بأنه يحبني (وسيلبسني الدبلة أول
ما تنصلح الظروف).
خالج هذه الفترة بعض التغيرات التي اعتبرتها من حقه
فقد طلب مني ألا أضع أي مكياج، وألا أرتدي البنطال،
وإنما أستعيض عن ذلك بالجلباب الإسلامي؛ الأمر الذي
حاولته لكن بعد فترة من الزمن لم أتمكن من مجاراته
فأخبرته بكل صراحة بأنني ما زلت صغيرة عليه، وأنني لا
أريد أن ألبسه حاليا، وسألبس بدلا منه ملابس الحجاب
الأخرى المحتشمة فقبل بعد إبداء بعض الامتعاض.
الآن وبعد مرور سنتين على علاقتنا تقدم لخطبتي وعلم
أهلي بأنه يحبني وبأنني أحبه فاضطروا أن يفكروا
بالموضوع بجدية وقالوا له بأن ينتظر لمدة لم يتم
تحديدها حتى يتمكنوا من السؤال عنه في بلاده، وكنا
سعيدين بهذه الإجابة فالأمل الآن يبدو كبيرا.
والظاهر أن أهلي غير مقتنعين بالمرة بفكرة حتى الخطبة
من طالب؛ الأمر الذي أخرهم بالسؤال عنه لمدة طويلة،
ولا أكذب إن قلت لكِ بأنه بحدود الـ4 أشهر من بعدما
جاء الرجل لخطبتي وأهلي لم يحركوا ساكنا، لم يسألوا
عنه في الجامعة ولم يسألوا عن أهله، لم يكلفوا أنفسهم
حتى أن يرفعوا السماعة ويتصلوا بأهله أو أقاربهم، على
الرغم من توفر بعض الأرقام التليفونية لذويه وإخوته
وحتى بعض فرع العائلة الذين سكنوا في نفس بلدي، هذا
الأمر أرهقنا فقد بدت مؤشرات الرفض تلوح في الأفق
فلماذا هذا السكون؟!
أربعة أشهر بأيامها ولياليها بعدها بدأت الأغلاط ولا
أدري أكانت هذه الأغلاط بسببي أم بسببه أم بسبب أهلي،
فبعد هذه المدة بدأ يسأل كل مرة أراه فيها: هل اتصل
أهلك؟ وتأتي الإجابة بالنفي، ويبدأ التساؤل لماذا؟ كان
يريدهم فقط أن يسألوا حتى يسمعوا بأنفسهم أخبار عائلته
الطيبة وسمعتها الناصعة على طول الخط، فبدأ الضغط علي
من كثرة الأسئلة من ناحيته وبدأت أنا أيضا أسأل أمي
ماذا حصل؟ وأمي تجيب اليوم وغدا وهكذا...
مضت 6 أشهر على خطبته بعدها بدأت التحركات الميتة
للسؤال، وكما كان متوقعا فقد جاءت النتائج إيجابية
والحمد لله، ولكن بعدها بدأت بيني وبين أمي تظهر أشياء
ما كنت متوقعة في يوم من الأيام أن تظهر، أمي معارضة
كل المعارضة لهذه الخطوة حاليا، ونحن نرى أن الخطوة
هذه ضرورية على الأقل لنفسيتنا، وبدأت تضرب لي أمثال
الفتيات اللائي أحببن في الجامعة وانتظرن حتى أكملن
دراستهن... فيا سبحان الله توافق على أن نبقى على
علاقة طوال الدراسة فقط حتى لا نخطب وتقول للناس خطيب
ابنتي طالب!
حاولت إقناعها بشتى الطرق أن هذا الشيء ليس حراما،
وأننا لا نفعل ما يغضب الله أو الناس وأننا إن نخطب
فحالنا سيكون 100 مرة أحسن من أن نتكلم مع بعضنا بحضور
الناس بدون رابط شرعي أو عرفي على الأقل.
بعدها تدخل أبي في الموضوع ليحسمه لصالحي، وقال لي
بأنه عنده شرط واحد وهو ألا يتم عقد القران قبل
التخرج، وليس قبل أن يجد وظيفة يعيل بها نفسه ويعيلني؛
فسعدنا بهذا الخبر أشد السعادة وعاهدناه على ذلك فهذا
ما كنا نريده على الدوام وها هو الحلم بدأ يتحقق...
سافر أبي بعدها لأداء بعض المهام، وبقي هنالك ما
يقارب الشهر من الزمان وعاد ليبقى معنا لمدة 10 أيام
فقط ليسافر مرة أخرى، خلال هذه الأيام كنا في فترة
امتحانات، وكان عندنا يوم واحد فقط لا غير وهو يوم
الخميس الذي لم يصادف عندي أو عنده امتحانا فيه فأخبرت
أهلي بأنه سيأتي مع بعض الناس لقراءة الفاتحة، وفعلا
تمت قراءة الفاتحة.
وعاد ليتصل بي بعدها ولم ألحق أن أسمع "مبروك يا
عروسة" حتى دخلت أمي إلى غرفتي وأبدت امتعاضها الشديد،
وقالت إن ما فعلناه يعتبر جنونا، وإننا قد مارسنا ضغطا
كبيرا عليهم، وأن المفروض أن ننتظر مثل غيرنا ورجعت
تعيد الأسطوانة نفسها؛ الأمر الذي أبكاني ذلك اليوم
بحرقة.
سافر أبي ليعود بعدها بحدود الشهر وكان المفروض أن
نلبس الدبل، إلا أن أمي منعت ذلك والسبب كان أنها قد
اتصلت ببلدنا وأن الأهل لم يوافقوا على الزواج من عربي
آخر غير بلدي واتهموا أهلي بالتسرع وغيرها، أبي لم يعر
الموضوع أي اهتمام وقال إن البنت بنتي وأنا وحدي من
يقرر صلاحية الشاب الذي وافقت عليه وأنا من رأيته
وسألت عنه.
أما هي فقد حطمتني وأذلتني بكثرة إعادة موضوع الضغط
الذي مارسناه عليهم وغيرها، ووالله لم يمض يوم إلا
وتكون عندنا مشكلة في البيت في هذا الخصوص حتى إنني
بدأت أشعر أنني مريضة نفسيا وأنني مذنبة وأنه حرام علي
ما أفعله فيها وأنها بسببي لا تنام.
قبل مدة بسيطة طلب منا أبي أن نلبس الدبل وقال إنه لا
داعي للانتظار أكثر، أما هي فقد صممت أن يكون يوم
الخميس، وكنا -أنا وهو- مشغولين يوم الخميس فقررنا
تأجيلها ليوم الإثنين، هنا كان انفجار آخر.. وهو أننا
أردنا يوم الإثنين لأننا أردنا أن "نمشي رأينا" وليس
لكوننا طلابا وعندنا دروس ومحاضرات!!! لا أدري كيف
أقنعها لا أدري ماذا أفعل لها حتى ترضى وتكون سعيدة.
جاء يوم الإثنين فقامت بتأجيل الموعد -انتقاما-
للثلاثاء، وعندما أكملت المحاضرات ورجعت للبيت وجدت
أنها قد قامت باستدعاء جماعة من الأصدقاء ليتناولوا
عندنا الغداء (خاصة أن أبي لم يبق على سفره غير هذا
اليوم فقط) والذين تركوا البيت بحاجة إلى بعض التنظيف،
والصدمة الأكبر أنني وجدتها نائمة لأنها متعبة من
الوقوف بالمطبخ منذ الصباح؟ كان الباقي نصف ساعة فقط
على وصول خطيبي، دخلت بهدوء إلى غرفتي وبكيت بكل طاقتي
حتى إن الاحمرار لم يذهب من عيني طوال تلك الليلة.
جاء خطيبي تلك الليلة وبعد جو من المشاحنات الواضح
أمرتني أن أجلب الدبل (بنفسي) الأمر الذي سبب لي
إحراجا أمام إخوتي وأبي، بعدها وكمجاملة وتغطية على
التقصير الواضح الذي بدا تلك الليلة طلبت من أخي أن
يحضر الكاميرا لتصويرنا (وكنت قد أخفيتها أنا لأنني لم
أرد أن يصورني أحد في تلك الظروف) فارتبك وبدأ يبحث
عنها لمدة ½ ساعة حتى وجدها.
اليوم وبعد انقضاء أقل من 10 أيام على خطوبتنا طرحت
فراشا بسبب مرض شديد ألم بي، وخطيبي يتصل بي تلفونيا
فقط، فأراد زيارتي وهذه ستكون المرة الأولى التي سيدخل
بيتنا بعد لبس الدبل، وعندما أخبرتها بذلك رفضت الفكرة
وقالت لي بأنه كان من المفروض أن يستأذنها هي قبل أن
يقول لي ويرى إن كان بإمكانه المجيء أم لا؟
سيدتي، بعد أن سردت لك القصة كاملة أرجوك قولي لي
ماذا أفعل؟ أنا أحب خطيبي وأريد أن أكون معه، وأود أن
تحبه أمي أيضا لكن كل ما أجده هو الرفض! لماذا؟ فقط
لكونه طالبا فهي لا تملك أي سبب آخر بل بالعكس فهي
تجامله كثيرا عندما كان يأتي قبل الخطبة.
لم أعد أحتمل ما يجري، وهو أيضا بدأ يتعب، تحمل كل
أنواع الاعتراض لأجلي، وقالها لي صراحة: لولاك ولولا
حبي لك لما انتظرت ساعة واحدة عند أناس ينظرون إلي
بنظرة دون.
لا أدري ماذا أفعل إن هجرني يوما بسببهم وبسبب قسوة
أمي، ولن ألومه فهي بالضبط كما قال: "هذه ليست جوازه
بل جنازة"، المفروض أن تكون هذه من أجمل أيام حياتي
لكن أرى بأنها أتعسها وأستغفر الله تعالى 1000 مرة
وأتوب إليه عندما أقول لك إنني كنت أسعد بكثير عندما
كنا نحب بعضنا بهدوء في الخفاء.. ما هو الحل؟
لا أستطيع الاستمرار هكذا، فكرت أن أرجع الدبلة له
وأطلب الرجوع إلى بلدي، لكنني أعلم أن نهايتي ستكون
بعدها؛ فأنا لا أتخيل نفسي لحظة بدون وجوده في حياتي
فهو الأمان عندي ومن يستطيع العيش دون أمان؟! ولا
أستطيع أن أعيش دون إرضاء أمي، فهي أمي وأفتقدها
كثيرا، أفتقدها وهي أمام عيني الآن.
أرجوك أخبريني من أنا؟ هل أنا الابنة؟ أم الحبيبة
المخطوبة الممنوعة؟ وما هذا الذي يجري حولي؟ أرجو ألا
يُذكر اسمي أو عنواني في هذه الرسالة، وجزاك الله عني
ألف خير، وجعلك ممن يشربون من كفه صلى الله عليه وسلم
شربة لا يظمئون بعدها أبدا. |