|
مشاركة كهذه المشاركة تجعلني أتفاءل كثيرا أن هذه الصفحة قد بدأت تؤتي أكلها، فها
هي الابنة المشاركة تحب والدتها التي هي أنا، لكن هذا الحب لا يمنعها من توجيه
النقد لها؛ فليتك تعلمين أيتها الابنة الغالية كم أسعدتني رسالتك! إنها تجعلني
أتفاءل أن هناك حالة من الوعي للحقوق وممارستها بطريقة حضارية تبدأ في صفوفنا،
وأسمح لنفسي أن أنطلق في حلم لذيذ أن هذه الحالة ستمتد بإذن الله خارج إسار الكتابة
إلى مجال العمل، وتتجاوز فضاء الإنترنت فتحلق بنا في دنيا جديدة من الواقع؛ فأهلا
ثم أهلا بهذا النمط من المشاركات الذي يرفض مقولة الشاعر العربي:
وعين الرضا عن كل شيء كليلة ولكن
عين السخط تبدي المساوئ
هذه المقولة التي تلح أن عقولنا تابعة لعواطفنا، بينما
علمنا القرآن منذ أكثر من 14 قرنًا أن تكون عقولنا هي
المتحكمة في عواطفنا، فلا يعمينا حب أحد عن نصحه، ولا
كره آخر عن الاعتراف بفضله، والشواهد في ذلك كثيرة،
كالآية {فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا}
(النساء:135) وكوصية الرسول عليه الصلاة والسلام في
العدل بالرضا والغضب، فهل رسالتك أيتها الابنة الكريمة
أول الغيث؟ هل هي بشرى لي أننا بدأنا نستعيد وعينا من
جديد؟ وهل نغير بيت الشعر فنجعل الشطر الأول منه: وعين
الرضا في كل شيء دقيقة؟
بعد هذه المقدمة ستسمحين لي أن أرد على اعتراضك
المرحَّب به، فأول خطأ لديك -فيما يبدو- أنك لم تقرئي
الرابطين اللذين وضعتهما في نهاية ردي المشار إليه،
وهما:
-
حتى حين : ابتعد عنها..
لتعرف حقيقتها
-
وهاك يديى فقيدًهما ..
بالحب، وليُدم أسـري
فلو قرأتهما لوجدت كيف أن السائلَيْن لهما نفس المشكلة
تقريبا، ولكن الحل يختلف باختلاف شخصياتهما وباختلاف
الفتاتين اللتين تعاملا معهما، فبينما أنبه الأول من
فتاته، أبين للثاني أنه عليه أن يتمسك بمن أحبته ووثقت
به فوهبته نفسها في لحظة ضعف؛ فهنا أنا أعتب عليك كيف
لم تقرئي ردودي لتفهمي أني لا أتحامل على الفتيات
وأحملهن أوزار المجتمع، بل دائما أردد: المقال يختلف
باختلاف الحال.
ولو قرأت ردي في "
سنوات الحب والعذاب.. متابعة " - موجودة في
الجزء السابق لهذا الجزء- لقرأت ما أوردته من
تأثير الأفكار الإسرائيلية التي دخلت عقول البعض في
عصر الانحطاط بأن حواء هي التي أغرت آدم بأكل التفاحة
فكانت سبب خروجه من الجنة، وكتبت عبارة: وضع على كاهل
المرأة وحدها عبء الشقاء الذي عانته البشرية منذ خلق
آدم إلى قيام الساعة.
وثاني خطأ أنني لم أصور تلك الفتاة وحشا ولا ملاكا،
إنما أوضحت للشاب ما يفرض على شعوري بالمسئولية تجاهه
أن أوضحه.
وأما الجملة التي تقولين بأنها صدمتك، فأنا وضعته أمام
مفترق طريقين، ويجب عليه أن يبحث في الاتجاهين، بدليل
أني قلت: "هذا ما لا أستطيع أنا أن أؤكده أو أنفيه،
إنما هو مهمتك أنت"؛ ولذلك طلبت من صاحب المشكلة
متابعة ليوضح أكثر أو كي أتمكن مساعدته أكثر؛ وكنت
أتمنى لو تابع معي بعد أن أخذ عنواني الإلكتروني من
الصفحة، ولكن لم يصلني منه شيء، وصدقيني لو أنه كتب
بريده الإلكتروني في مشكلته لراسلته لأعطيه عنواني إذا
كان يلزمه أي مساعدة؛ لأنه فعلا إما أنه لم يسعفه
التعبير وإما أنه بريء أو طيب إلى حد السذاجة.
وأنت لذلك تسألين: إن كان بقي شباب سذج على وجه
الأرض، فأقول لك: إن حكمي عليه بالسذاجة ليس من
انطباعي عن شخصيته من خلال رسالته فقط، بل أيضا لي
خبرة كبيرة بالشعب الذي ينتمي إليه هذا الشاب، ففيهم
والله أشخاص بريئون كالأطفال، محبون للخير لدرجة
الاندفاع، ومنهم -على براءتهم- متطرفون في فهم الدين
لدرجة التشدد، ولله درّ الدكتور المقرئ الإدريسي عندما
يقول بأن كلمة "اقرأ" أنزلت أولا ولم ينزل آمن أو اعبد
أو جاهد؛ لأن الإيمان بلا اقرأ سيصبح خرافة، وأن
الدعوة بلا اقرأ ستصبح تنفيرًا، وأن العبادة بلا اقرأ
ستصبح بدعة، وأن الجهاد بلا اقرأ سيصبح إرهابًا.
هنا تأتي فائدة القراءة؛ ففي المجتمعات الغربية أدى
إنكار حق الرجل في التعدد داخل إطار الزواج إلى تعدد
الخليلات، وهذا ما ترتب عليه نتيجة أسوأ وهي ممثلة في
تعدد الشركاء الجنسيين لدى المرأة؛ إذ أصبحت المرأة
مساوية للرجل في خروجها للعمل واستقلت اقتصاديا عنه،
فأرادت أن تتساوى معه بكل شيء حتى لو كان على حساب
فطرتها وطبيعتها، فتعلمت ألا تستقر في علاقاتها
العاطفية، وأصبحت تجرب اللقاء الجنسي مع أكبر عدد من
الرجال بحجة اختيار زوج المستقبل، وصارت تشارك الرجل
في جرأته بالطلب بل سبقته إلى ذلك وأصبحت تطلبه قبل أن
يطلبها، بينما كان التمنع والمقاومة عاملا مهما في جذب
الرجل إليها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل
مجتمعاتنا مفصولة عن المجتمعات الغربية؟ أم أننا يجب
أن نكون واقعيين ونعترف بالحقيقة المُرة أننا نتبع
آثارهم خطوة خطوة؟ ؟ ثم من قال لك بأن الفتاة في
مجتمعاتنا لا تستطيع البدء بالعمل الجنسي؟ وهل يصح
التعميم فنظن مثلا أن كل الفتيات عفيفات، وكل الشبان
هابطون؟! وهنا يأتي دور الخبرة؛ فيا ابنتي الكريمة هل
تظنين أن والدتك تحكم على الناس دون أن تكون قد خبرتهم
وعجنتهم وخبزتهم؟ إذا لم أكن كذلك فصدقيني أني لا
أستحق هذا اللقب الذي شرفتني به!
لقد رأيت في حياتي الكثير من الشباب الذين يتميزون
بحياء يجمّل إيمانهم ويُزيد بهاءهم ويعلي وقارهم، وصلى
الله على أفضل الرجال محمد الذي وُصف بأنه أشد حياء من
العذراء في خدرها. وكذلك فقد رأيت فتيات فقدن فضيلة
الحياء كلية، ومنهن واحدة حكت لي أنها في جهالتها
أعجبها شاب من مدينة أخرى فلم تضيع الفرصة بل أخذت
عنوانه وسافرت إليه وقضت معه ليلة كزوج لها، وهذه
القصة ربما كانت من عشرين سنة أي قبل أن تهاجمنا ثقافة
الغرب بقضها وقضيضها، فما بالك الآن؟!
أنصحك أن ترجعي إلى: "بين
المسرح والفراش.. زوجان وجوقة عزف (تعقيب)"
في الجزء السابق للكتاب؛ لأني حكيت قصة تبين أن
المرأة هي البادئة بالعرض والطلب، وهذا لا يحصل في
البلاد الخليجية فقط مع الأسف بل في كل بلادنا
العربية؛ فالمرأة شوهت فطرتها تأثرا بما جرى في الغرب،
ولعلك ترجعين إلى ردي على وتقرئين مشكلة الفتاة التي
كانت تتبع الشاب رغم أنه أوضح لها أنه يحب غيرها فقد
بينت لها في أي هاوية تسقط الفتاة عندما تعرض نفسها
على الشاب بهذا الشكل المهين رغم أنها لم تبد أي رغبة
جنسية واضحة، وشرحت لها أن هذا يعني للشاب أنها تريده
جنسيا حتى لو لم تكن تقصد ذلك.
نخلص مما تقدم أن بعض الفتيات يرغبن بالجنس، ولكن ليس
بالضروري أن تبدأ الفتاة بالفعل الجنسي، فهل أنت ساذجة
أيضا فلا تعرفين أساليب حواء الماكرة؟ يا ابنتي يكفي
نظرة بطرف العين مولهة أو كلمة مشجعة أو همسة ساحرة،
وكان الله في عون الشاب كي لا يسقط في إغراء كهذا!
وكثير من الرجال يكفيهم القليل جدا ليفهموا أنها دعوة
صريحة لممارسة الجنس!
ولا أدري كيف غاب عن بالك قصة النبي يوسف عليه السلام
وامرأة العزيز؟ من كان البادئ بالإغراء والمراودة؟ ثم
من كان البادئ بالهجوم لِم لم يستجب يوسف للإغراء؟ ألم
ترد هذه الآيات في القرآن: { قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي
عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِنْ
كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ
مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ
مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ *
فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ
إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ}؟
لا تظني أنني أدافع عن الرجال هنا، فكثير منهم يذكرون
كيد المرأة وينسون كيد الرجل مع أنه في نفس السورة ذكر
كيد إخوة يوسف به؛ لكننا نناقش هنا فكرة دعوة المرأة
الرجل جنسيا، خاصة إذا كانت قد جربت الجنس مع رجل
قبله؛ وقد تقولين إنه يوسف من أوتي شطر الحسن وقطعت
النسوة أيديهن لرؤيته، فأوافقك، ولكن أذكرك بالحديث
الشريف عن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل
إلا ظله ومنهم هذا الصنف: "ورجل دعته امرأة ذات حُسن
وجمال، فقال: إني أخاف الله" فهذا الحديث يبين صراحة
أن المرأة -وهي هنا ذات الحسن وليس الرجل كقصة يوسف-
قد تكون هي البادئة بدعوة الرجل، فهل بقي لديك أي شك
من هذه الناحية؟
إذا كان بقي شيء من الشك، فأعيد ما ذكرته سابقا أن
الآيات القرآنية التي تذكر أحكاما خاصة بالرجال
والنساء على السواء دائما تذكر الرجل قبل المرأة مثل:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} {والسارق والسارقة فاقطعوا
أيديهما...} وهكذا لا تجدين آية تسبق فيها الصفة
المؤنثة الصفة المذكرة إلا آية واحدة هي:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ
مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}، والسبب أن المرأة هي
التي تعطي الضوء الأخضر للرجل فتغريه ليقوم بهذا
الفعل، فلو لم تسمح له به فكيف يمكن أن يتم هذا الفعل
الفاحش؟ وهذا ليس فقط تفسير المفسرين المسلمين، بل إن
علم النفس يثبت أن الرجل لا يستطيع أن يغري المرأة بل
دائما المرأة هي التي تقوم بفعل الإغراء اللهم إلا في
حالة واحدة وهي عندما تحب المرأة، فتمنح نفسها للرجل
عن طيب خاطر إذا لم يمنعها خوفها من الله طبعا.
لأن هذا الفعل إذا لم يتم بموافقة المرأة لم يعد اسمه
زنا بل أصبح اغتصابا، وهذا ما استغربته من عبارات
الشاب إذ يقول: دخلت بها بموافقتها، إذ لا يمكن أن
يكون قد اغتصبها، فما المقصود من عبارته غير أنها
موافقة ومرحبة أيضا؟ وقد تقولين هنا أنها ربما أحبته
فمنحته نفسها فهذا أنا ذكرته بقولي: "ربما هي خاضعة
فعلا لبعض العواطف والمشاعر التي يبدو أنها تضر ولا
تنفع –وليس كما تقول أنها لا تضر ولا تنفع- أو أن رغبة
جنسية شديدة أعمت بصرها مثلا، فأدت بها إلى شيء من
الانزلاق الذي لا تخشى عقباه على صعيد المجتمع طبعا
لأن خشية الله غائبة هنا".
والآن اسمحي لي أن أصحح لك ما فهمته من بعض ردودي وهو
أنني أنادي بعدم فصل كتب الكتاب (عقد الزواج) عن
العرس، فأنا أنادي بهذا؛ لأنني أكره الكذب والنفاق
أولا؛ وثانيا لأنني أريد أن يُفهم الإسلام أنه دين
التيسير فلا يُرهق الشاب بمطالب ما أنزل الله بها من
سلطان؛ وثالثا أن هذا الفصل يؤدي إلى دخول كثير من
الشباب بزوجاتهن – شرعا- بينما تبقى الفتاة أمام الناس
بكرا، فإذا حصل الطلاق يحق لها نصف المهر فقط وتحرم من
كامل المهر الذي هو حق لها بسبب دخول الشاب بها، فهذا
فيه هضم للحقوق وهو ليس من مقاصد ديننا أيضا؛ ورابعا
أن ما أراه هو الأنسب -وينادي به كثير ممن يوازنون بين
الفقه والواقع- أن يتزوج الشاب والفتاة وتكون علاقتهما
واضحة بحيث يتدبر الأهل والأولاد أمورهم، فيلتقي
العروسان في نهاية الأسبوع مثلا في بيت أهل أحدهما،
ريثما يستطيعان الوقوف على أقدامهما، والمشكلة أنه لا
أحد يقبل بهذا الحل إلا من رحم ربك، ولكن كم فيه من
التيسير على هؤلاء الشباب والفتيات التي تمور المغريات
من حولهم.
وليتك تعودين إلى مشكلة حازت اهتمام الفريق والقراء
بشكل كبير، وهي الزواج للبعض والجنس للجميع، فوالله
مشكلة الشباب والفتيات العازب هي مشكلة سيسألنا الله
جميعا عنها إن لم نيسر أمور الزواج كي لا يقع الشباب
في حمأة الفاحشة. وأما ما تقولينه بأن هذه الفتاة ضحية
لهذا العرف، فهل هذا مبرر يا ابنتي إذا وقعنا ضحايا
لعرف أو سذاجة أو غيرهما أن نجعل غيرنا ضحايا لنا؟!
لاحظي خطأك هنا أنك تستنتجين عكس ما ورد في المشكلة من
تأكيد الشاب أن أحدا قبله لم يمسها، فلماذا تبنين
مشاركتك على غير معطيات القصة؟ ألم أذكر له أنا أن ما
ورد في ردي كله بناء على معطياته، فأينا أكثر إصابة
للحل أنا أم أنت؟ وأنت تسألين: هل بقي شاب ساذج؟ فما
المقصود بالساذج هنا؟ أليس هو الذي يصدق كل ما يقال
له؟ أليست مهمتي كأم له -ولك ولكل سائل- أن أفتح عينيه
على ما خفي عنه بسبب سذاجته؟!
لقد تعاطفت أنت مع الفتاة، وهذا أعذرك فيه تماما؛ لأن
القصة محيرة، ولذلك كان عنوانها بيانات ناقصة وألغاز
محيرة، وكنت تستطيعين أنت أن تعذريني فتقولين أن
والدتي اختارت أن تجعل القصة بدون نهاية أو ما يسمى:
open end؛
ومع ذلك فلا يهمك أنك لم تفعلي لأنني أقدر فيك عواطفك
الجياشة وتعاطفك مع فتاة من نفس جنسك وإحساسك بمدى
الظلم الواقع على المرأة في بيئاتنا.
ولكن أرجو أن تتلافي هذا في مشاركة أخرى فتتذكري أن
تجعلي العقل دائمًا هو الحاكم بعيدا عن العاطفة
والتعاطف والإحساس، وهذا هو سبب إعجابي بمشاركتك كما
بينت لك في أول الرد من أن حبك لي لم يمنعك من توجيه
النقد، فأهلا وسهلا بك في مشاركات قادمة. |