الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) سؤال عن الحب.. حكاية الأول والآخر

 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أشكر كل العاملين بالصفحة على الجهود والتوعية والدور الذي تقومون به في خدمة المجتمع والشباب، وأود من الدكتورة ليلى الإجابة إن تيسر ذلك. وسؤالي هو: متى تستطيع الفتاة معرفة أنها قادرة على خوض تجربة حب وارتباط ثانية بعد فشل التجربة الأولى؟ وهل اختلاف مواصفات الشاب الثاني عن الأول لها علاقة بعدم قدرة الفتاة على العطاء والمنح من المشاعر والحب كما في التجربة الأولى؟

 
 
 

 
 
 
   

جميل هذا السؤال! كنت أظن أني تحولت إلى مستشارة لأسئلة الحرب بعد أن سُلِّمت راية أسئلة الحب لغيري، لكن يبدو أن بعض الإخوة المتابعين يودون إرجاعي إلى الأيام الخوالي، فلا بأس بالتغيير، خاصة أن الحب لم يمنع رجلاً كعنترة أن يكون بطلاً في الحرب، بل على العكس كان حب عبلة دافعًا له لإظهار بطولاته أمامها، فهل تستعاد؟! هل تستعاد أيامنا في البطولة، كما في الحب، كما في الشرف، كما في الفضيلة؟!

 أصارحك بداية أن أول شيء خطر لي بعد قراءة سؤالك هو بيت شعر لنزار قباني يقول فيه لحبيبته التي تركته:

قدّر الله والتقيت بأخرى

 هكذا تطرد الغيوم الغيوما

قدّر الله والتقيت بأخرى

إن للخيول ربا رحيما!

وبعيدًا عن الحب الجنسي الذي كان أحد أقطابه هذا الشاعر قبل أن يصل لسن الشيخوخة، ويعرف متأخرًا جدًّا ماذا يعني حب الروح للروح، وبعيدا عن كثير من المساكين الذين لا يعلمون شيئًا من أسرار الروح تلك المنحة العظيمة من الله التي تجعل المرء يرتبط بآخر دون أن يعرف سببا لذلك... فيرى في محبوبه آية من آيات الله في الجمال، ويصبح الكون كله عازفا بأبدع ألحان الكمال، ويتحول الحبيب والمحبوب إلى طائرين يرفرفان بجناحيهما في جنات كجنة الخلد.. بعيدا عن هؤلاء وأولئك الجامدين المتجمدين... الباردين الثقيلين الذين لا يعرفون الفرق بين حب الروح وحب الجسد.. أقول: لعلك ممن ينطبق عليهم المثل: كل وعاء بالذي فيه ينضح؛ فالذي خلق معجونا بماء الحب لا يستطيع أن يعيش حياته بدون حب، فكلما ابتعد من تحت "الدلف" ذهب إلى تحت "المزراب" كما يقول المثل في بلاد الشام. وبما أننا نحاول أن نحقق شيئا من الوحدة بين البلاد العربية عبر هذه الصفحة، فلا مانع من شرح ما يعني الدلف وهو المكان الذي تخترق فيه مياه الأمطار السقف، وأما المزراب فهو الميزاب.

ولن يسمح لي المجال أن أطيل مقدمتي أكثر، خاصة أن سؤالك مختصر كالمريض الذي يسأل طبيبا متى يمكنني أن أكون معافى لأعود إلى الطعام العادي فقد سئمت من هذه الحمية!
فيهز الطبيب رأسه متصنعا الحكمة، ويقول: لا مجال لذلك؛ لأن داءك ليس له دواء إلا الحمية!

فبالله عليك يا ابنتي العزيزة من أين أتيت بهذا السؤال؟؟!! هل نحن في امتحان كتابي على الطريقة الأمريكية السريعة، والمطلوب الإجابة على السؤال بدون معرفة أبعاد العلاقة والظروف المرافقة؟ وكيف كان أثر الحب السابق؟ وهل هو الحب الأول أم الحب المائة؟ وما هي مواصفات الحبيب الأول، وما هي مواصفات العاشق الثاني؟ ثم مَنْ قال: إن الفتاة يسمح لها بأن تعطي العواطف وبأن تمنح الحب لمن هب ودب؟

أرجو أن تعودي إلى هذه المشاكل:

- نحر النفس على مذبح الأوهام

- الذئب الجائع.. والفتاة الواعية

- ملكوت السماوات أم أسفل الدركات؟

يا ابنتي، أشكر لك ثقتي بي، لكنني لا أذكر أبدًا في أي رد من ردودي أني شجعت الفتاة على منح عواطفها خارج إطار العلاقة الحلال، حتى في الخطبة لا يحل للخطيب والخطيبة أن يبعدا أكثر من الأمور المشروعة من النظرة المباحة والكلمة بالمعروف. أما كلام الحب فمن يضمن لي أنه يبقى كلاما دون أن يتحول تدريجيا إلى فعل؟

أرسل أحدهم إلى بريدي كاريكاتيرا من مصر عن إبليس -أخزاه الله- وفيه صورة شاب وفتاة جالسين على مقعد في حديقة، وإبليس ينصح زملاءه فيقول: "باقي جلسة.. وسوسة واحدة.. وبعدين مش محتاجين أكتر من متابعة!".

 لو كنا في زمن الحب العذري لصدقت أن الحب يبقى حبًّا، أما ونحن في زمن تحول الحب إلى شيء آخر لا صلة له بالحب من بعيد أو قريب، وإنما هو جملة من المشاعر الحسية، والرغبات الجنسية، والمصالح المادية، فمن يجلس معي لنندب الحب وأيامه الجميلة؟

 وقد تعرفت خلال حياتي على أمم وأقوام، وكان منهم الشراكس ومن عاداتهم أن الفتيات يتعاملن مع الشباب كإخوة لهم، ورأيت بأم عيني فعلا كيف يحافظ الشاب على الفتاة كما يحافظ على أخته، مع أن هناك بعض الأعراف التي لا تتفق مع الشرع الإسلامي أبدا كالرقص المزدوج في الأفراح، لكن من أهم العادات أن الشاب يجب أن يخطف حبيبته بمساعدة بعض معارفه التي يؤويها عنده حتى يوافق الأب بعد ممانعة وضغط فيجد الحبيبان لذة كبرى في الوصول إلى بعضهما تحت مقاومة الأهل.

وهناك بعض العائلات كان يتم فيها الزواج بالطريقة التقليدية بالطبع؛ ومفاد هذا الكلام أنه ربما قبل عشرين عاما فقط كنت أصدق أن هناك ما يسمى حبا أو علاقة عفيفة بين الشاب والفتاة، أما الآن فقد انتهت كل طقوس الحب المتعارف عليها فلم يعد الشاب يؤتمن على الفتاة لا عند الشراكس ولا غيرهم، وأصبح بيت الشعر:

نظرة فابتسامة فكلام                       فموعد فلقاء فغرام

أصبح هكذا في عصر السرعة: نظرة ثم غرام!

 وأصبح في عصر الإنترنت هكذا: شات ثم زنا إلكتروني!

على كل حال سأضع في اعتباري أن المشكلة ربما ليست مشكلتك بل مشكلة صديقة أو قريبة مثلا، فيمكنك أن تتابعي معي في سؤال توضحين فيه أبعاد القضية وحكاية الأول والآخر، فنحن شعب مغرم بالحكايات، وإذا كنا حكماء فقد نأخذ العبرة من الشيء الصغير لندفع به البلاء الكبير!

والحكمة التي تذكرنا بها كلمتك "مواصفات" أن التجارب والمعاناة تصقل شخصية الإنسان كما لا يفعل أي أمر آخر، ومعنى ذلك أن تطورا يحدث بالشخصية بعد التجربة إذا كان المرء قد استفاد منها فعلا؛ لذلك فإن مواصفات الشاب التي تلفت نظر الفتاة وهي بعمر 15 سنة لن تكون هي نفسها عندما تصبح بعمر 30 سنة، إلا إذا كانت تحصل مراهقة متأخرة في سن النضج، وكم هو أفضل أن نكون يافعين، ونتعلم من أن نصبح كهولا ونعرف!

وعندما كتبت قصة عن الحب أبدى الكثيرون إعجابهم بها حتى أن أحد الإخوة الأعزاء كتب رسالة لي عنوانها: "عندما يكتب القلم بمداد الحب"، وأما الذين لم تعجبهم فقد رأوا أنه عيب وقلة حياء أن تتعرض كاتبة مثلي للحب؛ لأنهم إلى الآن لم يستطيعوا أن يفهموا أن الحب والمشاعر شيء، والجنس وممارسته شيء آخر؛ فأدعو الله لهم أن ينزع حجاب الآبائية والتقليد والجمود عن عقولهم، وهو الحجاب الذي يشبه ما كانوا يضعونه للحصان أو ما شابهه على جانبي رأسه كي لا يجفل إذا رأى شيئا من الجانبين؛ لأنهم يريدون أن يحملوا أثقالهم عليه ويضربوا ظهره دون أن يتعلم مما يراه كيف يعترض على الظلم الواقع عليه، فمتى سنتحرر من رؤية ذروة الأنف فقط؟!

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |