|
المشاركة الأولى:
السلام عليكم ورحمة الله، إلى السيدة الفاضلة الدكتورة
ليلى تعقيبًا على ردكم على رسالة الأخ ( لماذا تنتقدون
الصوفية؟)
أنا مسلم من حمص - سوريا، وأتابع ردودك بشغف لطابعها
الإيماني ولجمال بيانها، فأنا أعشق اللغة العربية..
بارك الله فيك وحماك، وثبت على طريق الخير خطاك.
سؤالي يا دكتورة: إذا كان التصوف كما تقولين من تزكية
للنفس وخلافه، وأنا أوافقك تمامًا.. فلماذا نسمي هذه
الأشياء الطيبة والأخلاق الرفيعة المطلوبة منا شرعا
بالتصوف؟ أي أن هذا الاصطلاح هو الذي أدى لكل هذه
المشاكل بين الصوفية وغيرهم.. أليست هذه التزكية
والأخلاق هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟ لماذا هناك الطريقة النقشبندية؟ والطريقة
الشاذلية؟ والطريقة الجيلانية؟ لماذا يذكر النقشبندي
اسم الجلالة المفرد "الله" 5000 مرة باليوم؟ أين
الدليل؟
كيف نعذر شخصًا مثل الحلاج عندما يقول: "ما في الجبة
إلا الله"؟ أنا كمسلم لست ملزمًا أن أعذره؛ لأن "الحال
جاءه" فهذا الكلام كفر.. وقيسي على ذلك الكثير من كلام
ابن عربي في "الفتوحات المكية".
في أوائل التسعينيات انتسبت جهلا مني إلى الطريقة
الشاذلية في حلب عندما كنت أدرس في جامعتها، وحضرت
"حضرة"، وقام الشيخ الوقور العالم (من علماء حلب
الأجلاء) بالقفز والنط والناس ممسكون بأيديهم على شكل
حلقة ويهزون رءوسهم معه... إلى آخر ما هنالك.. فقلت في
نفسي:
هل كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك؟ هل فعل
ذلك أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما؟ ألا نجعل من
أنفسنا أضحوكة لو شاهدنا غير المسلم؟
بارك الله فيك يا دكتورة، ومعذرة إن كنت أخطأت فيما
قلته، فأنا أوافقك على كل ما قلته من أن هناك سوء فهم
شديد بخصوص التصوف ومعانيه، لكن لعلك تعذرين بعض
المسلمين ممن لا يعرفون المعنى الحقيقي له. لا أدري إن
كنت أهلا للحديث أو إن كان رأيي لا يعتد به، أردت فقط
أن أشركك فيما كنت أشعر به. والسلام عليكم ورحمة الله.
المشاركة الثانية:
أستاذتي الفاضلة د. ليلى لقد قرأت العتاب الذي قدمه
أحد الإخوة لك بخصوص آرائك عن الصوفية.. ويعلم الله
أني كنت أعرف ميلك لهم من قراءة كلماتك وإجاباتك،
وعجبت للأخ الكريم كيف لم ينتبه لذلك، ولكن هذا الذي
كان..
ولأن الموضوع هذا يشغل خاطري وذهني منذ أمد، وكنت أحب
أن أخوض فيه، ووجدتها فرصة لأشارك أمي وأستاذتي
الفاضلة ببعض خواطري حوله.. ولأبتدئ مشاركتي هذه أحب
أن أسلط قليلا من الضوء على مسيرة حياتي القصيرة ليفهم
المراد مما سأذكر.
ولدت لأبوين دمشقيـين صالحين، يتخـذان الإسلام منهجا
لحياتهـما؛ فوالدي ملتزم بالفطرة، فـلم يتخرج على يد
شيخ، ولم يسلك طريقة أو انتمى لجماعة في حياته.أما
والدتي -جزاها الله عني خير الجزاء- فقد جعلت التصوف
طريقة تعلقها وممارستها لهذا الدين، وهي بفضل الله
عالمة وحجة بهذا الدين. ودأبت -حفظها الله- على أن
تخرج مني بذرة طيبة؛ فكانت ترضعني من رحيق الإسلام،
وتغذيني من روحانيّاته، وتغدق عليّ من آدابه
وسلوكيّاته.. ولم أزل على ذلك حتى بلغت سنًا أصبح
للمجتمع دور لصقل شخصيتي الإسلامية؛ وهي سن الدراسة،
فالتحقت حينها بمدرسة يغلب على مدرسيها الالتزام، وهم
وهابيـون من حيث الطريقة.
وكنت خلال مراحل دراستي تلك -وأنا أقيم بين أظهر
مدينتين على وجه الأرض في بلاد الحرمين- أتشرب أسلوبهم
وأعمل بعملهم، وأستقي العقيدة الخالصة من أفواههم. ولم
ألبث طويلا حتى التحقت بجامع الحي لأزداد قربًا من هذا
الدين، وشاء الله أن يكون مشايخه سلفيين (ولا يخفى
عليك الفرق بين السلفية والوهابية).
وما زلت أتقلب بين المنزل والمدرسة والمسجد حتى بلغت
سن الرشد.. عندها وجدت رجالا من أبناء هذه الأمة من
أصحاب الفكر والتخطيط.. رجالا هاجروا من بلادهم يحملون
همّ هذا الدين في قلوبهم.. رجالا وهبوا روحهم وأوقاتهم
فداءً لهذه الأمة، يطلقون على منهجهم وطريقتهم اسم
"الحركة الفكرية". وهي بالطبع ليست طريقة عبادة أو
أسلوب حياة كما هي الحال بالصوفية والسلفية، ولكنها
يغلب عليها طابع فريد في الدور الشمولي الذي تلعبه في
بناء هذه الأمة.تعلمت منهم الكثير.. تعلمت أنني جزء من
أمة عظيمة، ما يصيبها يصيبني، وإن أنا لم أحمل همها
فلست فردا منها.. تعلمت منهم الهمة العالية لوضع حلول
لهذه الأمة وبرنامجا زمنيا للنهوض بها من جديد.
وخلال تلك الفترة التقيت العديد من جماعة "الدعوة
والإصلاح"، وعاشرتهم وآخيتهم، وكم أذهلني وأثلج صدري
وجود هؤلاء في أمتنا، يجوبون الأرض يمنة ويسرة ينشرون
الخير على خلق الله، يلقون بحبل النجاة لمن لم يصلهم
صوت الحق، أخذوا على عاتقهم واجب الدعوة لهذا الدين
لتحرير العباد من العباد ولربط عبادتهم ومعتقداتهم برب
العباد.
ولما دخلت الجامعة غادرت تلك البلاد. واستقر بي الحال
في دولة إسلامية أخرى -الأردن- مع ما تعانيه هذه
البلاد من نقص حاد بالعلم الشرعي والعلماء، وهو بالطبع
أمر غريب لوجود هذه الدولة بين الشام والحجاز ومصر..
بلاد العلماء!!
لم أشأ أن أكون وحيدا غريبا في خضم هذا المجتمع، ولأن
الذئب يأكل من الغنم القاصية، فقد أحببت أن أكون ضمن
جماعة تقويني على طاعة الله، أنهل من علمهم وأستزيد من
خيراتهم، وكانوا من الصوفية (من بلاد حضرموت), وقد
خبرتهم وعاصرتهم وعايشتهم، ولم أزل على حالي تلك إلى
أن عدت من جديد لمسقط رأسي ومهد طفولتي في بلاد
الحرمين.
أماه.. وكما رأيت فإنني وخلال تلك السنين القصيرة
تنقلت بين جماعات إسلامية عديدة، خبرت أسلوبهم وتعلمت
من أفكارهم، وتتلمذت على أيديهم. وأنا أحمد الله ليل
نهار أن كانت تلك خبرة في حياتي، وهي خبرة متواضعة بلا
شك، ولكن تجربتي هذه صقلت شخصيتي ووسعت من مداركي
واستنار بها قلبي، ورسمت خطوطا عريضة لمسيرة حياتي تحت
مظلة هذا الدين.
فمن الصوفية تعلمت صفاء الروح وتزكية القلب والسمو عن
سفاسف الأمور، تعلمت الزهد في هذه الحياة، تعلمت منهم
حب الحبيب -صلى الله عليه وسلم- ولم أجد قوما يحبونه
كما يفعلون. بيد أني أخذت على بعضهم شطحات ليس المقام
هنا لأذكرها؛ ولأني أكلم الخبيرة فلست في حاجة مني
لأوضحها؛ فقد كفيت يا أماه -في إجابتك لصاحب العتاب-
ووفيت.
ولكني أشير إلى اختلاف بين أفراد بين الصوفية نفسهم؛
فصوفية الشام ليست كاليمن، ومصر ليست كالمغرب، ويغلب
طابع عام على كل منها وإن كانت الخطوط العريضة بينهم
متشابهة.وأصبحت الصوفية تعرف -أقول إن هذه سمعتها التي
يتداولها العامة- بعزلتها عن العالمين، وبزهد أبنائها
عن هذه الدنيا، ولاختصاصها بالفرد أكثر من المجتمع،
والذنب لهذه السمعة ذنب الناس أولا للتعميم، وذنب
الصوفيين ثانيا؛ لأنهم لم يتبرءوا ممن انتسبوا إليهم
وجاروا على طريقتهم وافتروا عليها إثما مبينا. ومع هذا
فقد بقيت الصوفية كما هي، شعارهم "من تصافى قلبه مع
ربه"، شعار دأبوا على تزكيته والتمسك به.
ومن الوهابية تعلمت التمسك بعماد هذا الدين (العقيدة)،
وأستميحك العذر لأنسب لهم الفضل بعد الله {إنا نحن
نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} بالمحافظة عليها من
شوائب المبتدعين؛ فهم يضربون بيد من حديد كل من يتجرأ
على الاقتراب صوبها والمساس بنقاوتها.
تعلمت أن غرس هذه العقيدة أساس هذا الدين وبدون هذا
الغرس يصبح البنيان هشًا متصدعًا، فمن تمكن من ترسيخ
العقيدة فلا يخاف بعدها لومة لائم. ولفرط جديتهم
بالتمسك بالدفاع عنها، ولأنهم حسبوا أن كل من خالف
طريقتهم يحمل بين جنبيه عقيدة أخرى -فضائية بتصورهم-
وأنه فاسد مفسد؛ فلقد تحجرت قلوبهم، وتجمدت أفكارهم،
وصعب عليهم حتى الإصغاء إلى من يعتقدون أنهم غرماؤهم
في العقيدة، وصاروا يكفرون من يحيد عن العقيدة ولو
مقدار شبر، حتى وصل -ببعضهم- الحال أن ينكروا من يخالف
مذهبهم الفقهي الحنبلي.
ولذا صار الناس ينسبون التشدد للمذهب الحنبلي؛ لأن
متبعيه متشددون -مع أن الشافعي كان أكثر تشددا من ابن
حنبل- فنفر الناس منهم، وشوهوا سمعتهم بأيديهم، وتناسى
العامة جهودهم واستبسالهم للذود عن أساس هذا
الدين.ونجا السلفيون من هذا التحجر؛ فعقولهم تلين أكثر
من أصحابهم الوهابيين، وإن كانت أساليبهم تتشابه
كثيرا، ولكن التاريخ فصل بينهم.
بين هؤلاء وهؤلاء قضيت سنين حياتي أبحث عن الخير
لنفسي، وأفتش عن الحقيقة التي كنت أحسبها ضائعة بعيدة،
ولكني لجأت لعقلي الذي ميز الله به بني آدم، لجأت
لعقلي لأنتقي من كل بستانٍ زهرة ًومن كل شجرةٍ فاكهة
ًلأصل في النهاية لعقيدة السلفيين وطهارة قلوب وزكاة
روح الصوفيين ودعوة أصحاب الدعوة وفكر وهم أصحاب
الفكر.
ومع لذتي وفرحتي بما عايشته وخبرته، إلا أني لا أنكر
معاناتي وأنا أتنقل يوميا من جو لآخر، يطعن كل واحد في
فكر أخيه. كنت أشعر أن الناس في صراع على أن يكونوا هم
تلك الفرقة الناجية التي أخبر المصطفى -صلى الله عليه
وسلم- عنها، وهم للأسف لا يعلمون أنهم يسيرون بخط
واحد، وخلافاتهم إن وجدت لا تعـدو أن تكون خلافـات
جغـرافية، وخلافات حضارية، وبعضها إشكاليات أسوأ ما
يقال عنها إنها بدعة حسنة -مع تحفظ البعض على هذا
الاصطلاح- وراح الصراع بينهم يزداد والدعوة لطريقتهم
تنتشر.
ولو أن هؤلاء صوبوا جهودهم للدعوة للإسلام أولا لكان
للإسلام شأن آخر في هذا الزمان.. راحوا يتسابقون على
السلف الصالح ليضموهم إلى صفوفهم؛ فابن تيمية شيخ
الإسلام بعيون السلفية، وهو بعيون بعض الصوفية لا يعدو
عن كونه من عامة المسلمين، وزعم غيرهم أنه كان قائدا
للحركة الصوفية بزمانه وعصره. ومع ابن الجوزي وابن
القيم فعلوا مثل ذلك.
وأنا أرقب هؤلاء وهؤلاء والعجب والذهول يطغى عليّ.. ثم
سألت نفسي يومًا: هل كان سيدنا محمد –صلى الله عليه
وسلم- صوفيا، أم "سلفيا"، أم أنه كان مختصا بالدعوة
كونه رسول هذه الأمة والدعوة أمانة في عنقه؟ الجواب
بسيط لا يستعصي على العامة -وأنا منهم بلا شك- فضلا عن
الخاصة.
الإسلام مزيج رائع يهتم بالروح، ويزكي النفس، ويحرص
على المجتمع، ويأمر بالفكر والتفكر؛ فالحبيب المصطفى
إذن كان سيد المفكرين وقائد السلفيين وأستاذ الصوفيين
وحامل لواء الدعوة فوق هذا كله.. فلماذا إذن التفرق
والتناحر بين هذا وذاك، والطريق واحد، والهدف مشترك،
والخلاف زائل، والمقصد الله؟ أنا مسلم.. الله ربي،
ومحمد أستاذي، ومن سار على نهجه أحبابي وخلاني.
أماه أضم صوتي إلى صوتك، وأدعم جهدك وأفكارك التي تحض
على الخروج من عقدة الجماعات والطوائف والأحزاب
والتحزب في خضم إرهاصات هذا العصر وما تمر به هذه
الأمة من أزمة فكرية، ولأن التفرق في هذا الزمان لا
يتناسب مع بوادر الصحوة الإسلامية التي نغذيها ونشعل
فتيلها يوما بيوم.
أمي لقد وهبت نفسي لهذا الدين، وحملت هدف جمع شمل
المسلمين؛ فأقرب وجهات نظرهم، وأدعوهم لأن يمزجوا
أفكارهم ليصلوا عندها نحو الإسلام كما علمنا إياه سيد
الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام.
فاتني يا أستاذتي الفاضلة أن أبارك للأمة وجود أمثالك
بين أفرادها؛ فانشري عطرك وأفكارك دائما، وأكملي
المسيرة التي بدأتها لترفعي من وعي أبناء هذه الأمة.
وحسبك أن تعلمي أنك تسدين ثغرًا من ثغور هذا الدين
وأجرك عظيم عند الله. أسأل الله العظيم رب العرش
الكريم أن يجزيك عن أمة محمدٍ خيرَ الجزاء، وأن يجعل
من ذريتك منارات لهذه الأمة، وأن يجمعنا معًا على
الحوض إن شاء الله.
أما زملاؤك في مصر وغيرها من بقاع الأرض، فتعجز
الكلمات عن شكر صنيعهم وعن تقدير أفعالهم وجهودهم،
فلهم مني أجمل تحية وأعلى تقدير، متمنيًا عليهم أن
ينثروا علينا من خبراتهم ما ينير دربنا ويسهل علينا
مسير حياتنا.
وختاما.. شكرا لك يا أماه على سعة صدرك ولتفضلك بقراءة
مشاركتي هذه، راجيًا منك ألا تحرميني من توجيهاتك
وإرشاداتك لي، وأن تقوّمي خطئي.. ربما يساعدكم في
معرفة شخصيتي أكثر إذا كتبت لكم نبذة عن هويتي وشذرا
من طريقة تفكيري. وأظن أن مشاركتي هذه تفي ببعض الغرض،
وأضيف عليها أنني ابن الثالثة والعشرين، عزب، أنهيت
للتو دراستي الجامعية من كلية الطب، وأنا منكب الآن
للتحضير لامتحان معادلة شهادتي بنظيراتها الغربية
تمهيدًا نحو مسيرة الاختصاص.
حفظت القرآن من صغري، ولي اطلاع لا بأس به بالعلوم
الشرعية والأدبية والفكرية والسياسية، فضلا عن علوم
الطب. نشأت في كنف عائلة محافظة ملتزمة في أرض الحجاز
التي أسكنها حاليا. أقوم حاليا على بعض الشباب
لتوجيههم مع التزامي بحضور مجالس أهل العلم، والتزامي
بتوجيهات أساتذتي ومشايخي أنا أيضا.. فلا أعدو عن كوني
فتى الإسلام الصغير. |