الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) لماذا تنتقدون الصوفية؟ - مشاركتان

 
 
 
 

المشاركة الأولى:

السلام عليكم ورحمة الله، إلى السيدة الفاضلة الدكتورة ليلى تعقيبًا على ردكم على رسالة الأخ ( لماذا تنتقدون الصوفية؟)

أنا مسلم من حمص - سوريا، وأتابع ردودك بشغف لطابعها الإيماني ولجمال بيانها، فأنا أعشق اللغة العربية.. بارك الله فيك وحماك، وثبت على طريق الخير خطاك.

سؤالي يا دكتورة: إذا كان التصوف كما تقولين من تزكية للنفس وخلافه، وأنا أوافقك تمامًا.. فلماذا نسمي هذه الأشياء الطيبة والأخلاق الرفيعة المطلوبة منا شرعا بالتصوف؟ أي أن هذا الاصطلاح هو الذي أدى لكل هذه المشاكل بين الصوفية وغيرهم.. أليست هذه التزكية والأخلاق هي ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا هناك الطريقة النقشبندية؟ والطريقة الشاذلية؟ والطريقة الجيلانية؟ لماذا يذكر النقشبندي اسم الجلالة المفرد "الله" 5000 مرة باليوم؟ أين الدليل؟

كيف نعذر شخصًا مثل الحلاج عندما يقول: "ما في الجبة إلا الله"؟ أنا كمسلم لست ملزمًا أن أعذره؛ لأن "الحال جاءه" فهذا الكلام كفر.. وقيسي على ذلك الكثير من كلام ابن عربي في "الفتوحات المكية".

في أوائل التسعينيات انتسبت جهلا مني إلى الطريقة الشاذلية في حلب عندما كنت أدرس في جامعتها، وحضرت "حضرة"، وقام الشيخ الوقور العالم (من علماء حلب الأجلاء) بالقفز والنط والناس ممسكون بأيديهم على شكل حلقة ويهزون رءوسهم معه... إلى آخر ما هنالك.. فقلت في نفسي:

هل كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك؟ هل فعل ذلك أبو بكر أو عمر رضي الله عنهما؟ ألا نجعل من أنفسنا أضحوكة لو شاهدنا غير المسلم؟

بارك الله فيك يا دكتورة، ومعذرة إن كنت أخطأت فيما قلته، فأنا أوافقك على كل ما قلته من أن هناك سوء فهم شديد بخصوص التصوف ومعانيه، لكن لعلك تعذرين بعض المسلمين ممن لا يعرفون المعنى الحقيقي له. لا أدري إن كنت أهلا للحديث أو إن كان رأيي لا يعتد به، أردت فقط أن أشركك فيما كنت أشعر به. والسلام عليكم ورحمة الله.

المشاركة الثانية:

أستاذتي الفاضلة د. ليلى لقد قرأت العتاب الذي قدمه أحد الإخوة لك بخصوص آرائك عن الصوفية.. ويعلم الله أني كنت أعرف ميلك لهم من قراءة كلماتك وإجاباتك، وعجبت للأخ الكريم كيف لم ينتبه لذلك، ولكن هذا الذي كان..

 ولأن الموضوع هذا يشغل خاطري وذهني منذ أمد، وكنت أحب أن أخوض فيه، ووجدتها فرصة لأشارك أمي وأستاذتي الفاضلة ببعض خواطري حوله.. ولأبتدئ مشاركتي هذه أحب أن أسلط قليلا من الضوء على مسيرة حياتي القصيرة ليفهم المراد مما سأذكر.

ولدت لأبوين دمشقيـين صالحين، يتخـذان الإسلام منهجا لحياتهـما؛ فوالدي ملتزم بالفطرة، فـلم يتخرج على يد شيخ، ولم يسلك طريقة أو انتمى لجماعة في حياته.أما والدتي -جزاها الله عني خير الجزاء- فقد جعلت التصوف طريقة تعلقها وممارستها لهذا الدين، وهي بفضل الله عالمة وحجة بهذا الدين. ودأبت -حفظها الله- على أن تخرج مني بذرة طيبة؛ فكانت ترضعني من رحيق الإسلام، وتغذيني من روحانيّاته، وتغدق عليّ من آدابه وسلوكيّاته.. ولم أزل على ذلك حتى بلغت سنًا أصبح للمجتمع دور لصقل شخصيتي الإسلامية؛ وهي سن الدراسة، فالتحقت حينها بمدرسة يغلب على مدرسيها الالتزام، وهم وهابيـون من حيث الطريقة.

وكنت خلال مراحل دراستي تلك -وأنا أقيم بين أظهر مدينتين على وجه الأرض في بلاد الحرمين- أتشرب أسلوبهم وأعمل بعملهم، وأستقي العقيدة الخالصة من أفواههم. ولم ألبث طويلا حتى التحقت بجامع الحي لأزداد قربًا من هذا الدين، وشاء الله أن يكون مشايخه سلفيين (ولا يخفى عليك الفرق بين السلفية والوهابية).

وما زلت أتقلب بين المنزل والمدرسة والمسجد حتى بلغت سن الرشد.. عندها وجدت رجالا من أبناء هذه الأمة من أصحاب الفكر والتخطيط.. رجالا هاجروا من بلادهم يحملون همّ هذا الدين في قلوبهم.. رجالا وهبوا روحهم وأوقاتهم فداءً لهذه الأمة، يطلقون على منهجهم وطريقتهم اسم "الحركة الفكرية". وهي بالطبع ليست طريقة عبادة أو أسلوب حياة كما هي الحال بالصوفية والسلفية، ولكنها يغلب عليها طابع فريد في الدور الشمولي الذي تلعبه في بناء هذه الأمة.تعلمت منهم الكثير.. تعلمت أنني جزء من أمة عظيمة، ما يصيبها يصيبني، وإن أنا لم أحمل همها فلست فردا منها.. تعلمت منهم الهمة العالية لوضع حلول لهذه الأمة وبرنامجا زمنيا للنهوض بها من جديد.

وخلال تلك الفترة التقيت العديد من جماعة "الدعوة والإصلاح"، وعاشرتهم وآخيتهم، وكم أذهلني وأثلج صدري وجود هؤلاء في أمتنا، يجوبون الأرض يمنة ويسرة ينشرون الخير على خلق الله، يلقون بحبل النجاة لمن لم يصلهم صوت الحق، أخذوا على عاتقهم واجب الدعوة لهذا الدين لتحرير العباد من العباد ولربط عبادتهم ومعتقداتهم برب العباد.

 ولما دخلت الجامعة غادرت تلك البلاد. واستقر بي الحال في دولة إسلامية أخرى -الأردن- مع ما تعانيه هذه البلاد من نقص حاد بالعلم الشرعي والعلماء، وهو بالطبع أمر غريب لوجود هذه الدولة بين الشام والحجاز ومصر.. بلاد العلماء!!

 لم أشأ أن أكون وحيدا غريبا في خضم هذا المجتمع، ولأن الذئب يأكل من الغنم القاصية، فقد أحببت أن أكون ضمن جماعة تقويني على طاعة الله، أنهل من علمهم وأستزيد من خيراتهم، وكانوا من الصوفية (من بلاد حضرموت), وقد خبرتهم وعاصرتهم وعايشتهم، ولم أزل على حالي تلك إلى أن عدت من جديد لمسقط رأسي ومهد طفولتي في بلاد الحرمين.

 أماه.. وكما رأيت فإنني وخلال تلك السنين القصيرة تنقلت بين جماعات إسلامية عديدة، خبرت أسلوبهم وتعلمت من أفكارهم، وتتلمذت على أيديهم. وأنا أحمد الله ليل نهار أن كانت تلك خبرة في حياتي، وهي خبرة متواضعة بلا شك، ولكن تجربتي هذه صقلت شخصيتي ووسعت من مداركي واستنار بها قلبي، ورسمت خطوطا عريضة لمسيرة حياتي تحت مظلة هذا الدين.

فمن الصوفية تعلمت صفاء الروح وتزكية القلب والسمو عن سفاسف الأمور، تعلمت الزهد في هذه الحياة، تعلمت منهم حب الحبيب -صلى الله عليه وسلم- ولم أجد قوما يحبونه كما يفعلون. بيد أني أخذت على بعضهم شطحات ليس المقام هنا لأذكرها؛ ولأني أكلم الخبيرة فلست في حاجة مني لأوضحها؛ فقد كفيت يا أماه -في إجابتك لصاحب العتاب- ووفيت.

ولكني أشير إلى اختلاف بين أفراد بين الصوفية نفسهم؛ فصوفية الشام ليست كاليمن، ومصر ليست كالمغرب، ويغلب طابع عام على كل منها وإن كانت الخطوط العريضة بينهم متشابهة.وأصبحت الصوفية تعرف -أقول إن هذه سمعتها التي يتداولها العامة- بعزلتها عن العالمين، وبزهد أبنائها عن هذه الدنيا، ولاختصاصها بالفرد أكثر من المجتمع، والذنب لهذه السمعة ذنب الناس أولا للتعميم، وذنب الصوفيين ثانيا؛ لأنهم لم يتبرءوا ممن انتسبوا إليهم وجاروا على طريقتهم وافتروا عليها إثما مبينا. ومع هذا فقد بقيت الصوفية كما هي، شعارهم "من تصافى قلبه مع ربه"، شعار دأبوا على تزكيته والتمسك به.

ومن الوهابية تعلمت التمسك بعماد هذا الدين (العقيدة)، وأستميحك العذر لأنسب لهم الفضل بعد الله {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} بالمحافظة عليها من شوائب المبتدعين؛ فهم يضربون بيد من حديد كل من يتجرأ على الاقتراب صوبها والمساس بنقاوتها.

تعلمت أن غرس هذه العقيدة أساس هذا الدين وبدون هذا الغرس يصبح البنيان هشًا متصدعًا، فمن تمكن من ترسيخ العقيدة فلا يخاف بعدها لومة لائم. ولفرط جديتهم بالتمسك بالدفاع عنها، ولأنهم حسبوا أن كل من خالف طريقتهم يحمل بين جنبيه عقيدة أخرى -فضائية بتصورهم- وأنه فاسد مفسد؛ فلقد تحجرت قلوبهم، وتجمدت أفكارهم، وصعب عليهم حتى الإصغاء إلى من يعتقدون أنهم غرماؤهم في العقيدة، وصاروا يكفرون من يحيد عن العقيدة ولو مقدار شبر، حتى وصل -ببعضهم- الحال أن ينكروا من يخالف مذهبهم الفقهي الحنبلي.

ولذا صار الناس ينسبون التشدد للمذهب الحنبلي؛ لأن متبعيه متشددون -مع أن الشافعي كان أكثر تشددا من ابن حنبل- فنفر الناس منهم، وشوهوا سمعتهم بأيديهم، وتناسى العامة جهودهم واستبسالهم للذود عن أساس هذا الدين.ونجا السلفيون من هذا التحجر؛ فعقولهم تلين أكثر من أصحابهم الوهابيين، وإن كانت أساليبهم تتشابه كثيرا، ولكن التاريخ فصل بينهم.

بين هؤلاء وهؤلاء قضيت سنين حياتي أبحث عن الخير لنفسي، وأفتش عن الحقيقة التي كنت أحسبها ضائعة بعيدة، ولكني لجأت لعقلي الذي ميز الله به بني آدم، لجأت لعقلي لأنتقي من كل بستانٍ زهرة ًومن كل شجرةٍ فاكهة ًلأصل في النهاية لعقيدة السلفيين وطهارة قلوب وزكاة روح الصوفيين ودعوة أصحاب الدعوة وفكر وهم أصحاب الفكر.

ومع لذتي وفرحتي بما عايشته وخبرته، إلا أني لا أنكر معاناتي وأنا أتنقل يوميا من جو لآخر، يطعن كل واحد في فكر أخيه. كنت أشعر أن الناس في صراع على أن يكونوا هم تلك الفرقة الناجية التي أخبر المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عنها، وهم للأسف لا يعلمون أنهم يسيرون بخط واحد، وخلافاتهم إن وجدت لا تعـدو أن تكون خلافـات جغـرافية، وخلافات حضارية، وبعضها إشكاليات أسوأ ما يقال عنها إنها بدعة حسنة -مع تحفظ البعض على هذا الاصطلاح- وراح الصراع بينهم يزداد والدعوة لطريقتهم تنتشر.

ولو أن هؤلاء صوبوا جهودهم للدعوة للإسلام أولا لكان للإسلام شأن آخر في هذا الزمان.. راحوا يتسابقون على السلف الصالح ليضموهم إلى صفوفهم؛ فابن تيمية شيخ الإسلام بعيون السلفية، وهو بعيون بعض الصوفية لا يعدو عن كونه من عامة المسلمين، وزعم غيرهم أنه كان قائدا للحركة الصوفية بزمانه وعصره. ومع ابن الجوزي وابن القيم فعلوا مثل ذلك.

وأنا أرقب هؤلاء وهؤلاء والعجب والذهول يطغى عليّ.. ثم سألت نفسي يومًا: هل كان سيدنا محمد –صلى الله عليه وسلم- صوفيا، أم "سلفيا"، أم أنه كان مختصا بالدعوة كونه رسول هذه الأمة والدعوة أمانة في عنقه؟ الجواب بسيط لا يستعصي على العامة -وأنا منهم بلا شك- فضلا عن الخاصة.
الإسلام مزيج رائع يهتم بالروح، ويزكي النفس، ويحرص على المجتمع، ويأمر بالفكر والتفكر؛ فالحبيب المصطفى إذن كان سيد المفكرين وقائد السلفيين وأستاذ الصوفيين وحامل لواء الدعوة فوق هذا كله.. فلماذا إذن التفرق والتناحر بين هذا وذاك، والطريق واحد، والهدف مشترك، والخلاف زائل، والمقصد الله؟ أنا مسلم.. الله ربي، ومحمد أستاذي، ومن سار على نهجه أحبابي وخلاني.

أماه أضم صوتي إلى صوتك، وأدعم جهدك وأفكارك التي تحض على الخروج من عقدة الجماعات والطوائف والأحزاب والتحزب في خضم إرهاصات هذا العصر وما تمر به هذه الأمة من أزمة فكرية، ولأن التفرق في هذا الزمان لا يتناسب مع بوادر الصحوة الإسلامية التي نغذيها ونشعل فتيلها يوما بيوم.
أمي لقد وهبت نفسي لهذا الدين، وحملت هدف جمع شمل المسلمين؛ فأقرب وجهات نظرهم، وأدعوهم لأن يمزجوا أفكارهم ليصلوا عندها نحو الإسلام كما علمنا إياه سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام.

فاتني يا أستاذتي الفاضلة أن أبارك للأمة وجود أمثالك بين أفرادها؛ فانشري عطرك وأفكارك دائما، وأكملي المسيرة التي بدأتها لترفعي من وعي أبناء هذه الأمة. وحسبك أن تعلمي أنك تسدين ثغرًا من ثغور هذا الدين وأجرك عظيم عند الله. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزيك عن أمة محمدٍ خيرَ الجزاء، وأن يجعل من ذريتك منارات لهذه الأمة، وأن يجمعنا معًا على الحوض إن شاء الله.

أما زملاؤك في مصر وغيرها من بقاع الأرض، فتعجز الكلمات عن شكر صنيعهم وعن تقدير أفعالهم وجهودهم، فلهم مني أجمل تحية وأعلى تقدير، متمنيًا عليهم أن ينثروا علينا من خبراتهم ما ينير دربنا ويسهل علينا مسير حياتنا.

وختاما.. شكرا لك يا أماه على سعة صدرك ولتفضلك بقراءة مشاركتي هذه، راجيًا منك ألا تحرميني من توجيهاتك وإرشاداتك لي، وأن تقوّمي خطئي.. ربما يساعدكم في معرفة شخصيتي أكثر إذا كتبت لكم نبذة عن هويتي وشذرا من طريقة تفكيري. وأظن أن مشاركتي هذه تفي ببعض الغرض، وأضيف عليها أنني ابن الثالثة والعشرين، عزب، أنهيت للتو دراستي الجامعية من كلية الطب، وأنا منكب الآن للتحضير لامتحان معادلة شهادتي بنظيراتها الغربية تمهيدًا نحو مسيرة الاختصاص.
حفظت القرآن من صغري، ولي اطلاع لا بأس به بالعلوم الشرعية والأدبية والفكرية والسياسية، فضلا عن علوم الطب. نشأت في كنف عائلة محافظة ملتزمة في أرض الحجاز التي أسكنها حاليا. أقوم حاليا على بعض الشباب لتوجيههم مع التزامي بحضور مجالس أهل العلم، والتزامي بتوجيهات أساتذتي ومشايخي أنا أيضا.. فلا أعدو عن كوني فتى الإسلام الصغير.

 
 
 

 
 
 
   

أشكركما على اهتمامكما وعلى كلماتكما المشجعة، وقد رأيت أن أجمع مشاركتيكما في رد واحد؛ لأنهما وصلتا في وقت واحد تقريبًا، ولسهولة تناول الموضوع، وللاستفادة من هذا الاختلاف وتوظيفه الوجهة المناسبة إن شاء الله؛ فثمة فرق كبير بين طرح الأخ الأول والأخ الثاني، وهذا درس لنا هنا أن نتفهم جميع وجهات النظر على أساس أن لكل منا تجاربه ومشاربه في الحياة التي يكوّن من خلالها منطلقاته ووجهات نظره وآراءه وأفكاره؛ فتجربة الأخ الأول جعلته لا يتقبل الصوفية، بينما الأخ أو الابن الثاني نما في حضن الصوفية، وترعرع في أفيائها، ولم تكن مانعا له من تقبل أفكار أخرى تعتبر الصوفية بدعة ممقوتة.

وكذلك فإن بيئة الأخ الأول مختلفة عن بيئة الأخ الثاني؛ إذ إنه من المعروف أن أهل العاصمة في أي بلد أكثر تقبلا للآخر من أهل المدن الأخرى، وتشترك المدن الساحلية مع العاصمة في هذه الصفة.

طبعا فإن السفر والاحتكاك بالناس له تأثير كبير في اتساع المعارف والآفاق الشخصية؛ فقد يكون الشخص من الريف النائي، ويحوز السبق على كثيرين إذا توافرت له شروط مناسبة؛ ومن هذه الشروط: القدرة على التحليل والاستنتاج ورؤية الأمور من خلال منظار واسع، وهذا أمر يعود إلى الملكات والاستعدادات؛ ولكن لا يعني هذا أن هذه الصفات لا يمكن اكتسابها؛ فالعلم بالتعلم، ونأمل أن تكون هذه الصفحة مجالا للعلم والمعرفة يرضي الله سبحانه، وكلما زاد علم الإنسان عَلم أنه ما أوتي من العلم إلا قليلا، وعلى رأي فولتير: "كثير من المعلمين قالوا: ما هو الذي لا نعلمه؟ أما مونتياني فقد قال: ما هو الذي أعلمه؟".

إلى الأخ الأول:

ليس في مشاركتك أي خطأ، بل أشكرك عليها؛ لأنها تتيح لي التوسع في هذا الموضوع الجدلي، وأوافقك الرأي تمامًا أن تزكية النفس هي من صلب الدين، وقد أشار إليها الله سبحانه بقوله: {قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها}، وقال: {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى}، وقال: {فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى}.

لكن لماذا سميت هذه التزكية بالصوفية؟ فهذا شيء يطول شرحه، وبعيدًا عن لبس الصوف وخشونة العيش التي صبغت هذا المفهوم؛ فإن اختلاف المصطلحات بين بلد وآخر لا يغير من قيمة المفهوم الذي يشير إليه المصطلح؛ فهي أيضًا تسمى عند ابن تيمية "أعمال القلوب"، وتسمى عند غيره "علم السلوك"، وعند آخرين "التربية"؛ ولكن كي نتقبل أولا هذه المصطلحات يجب أن نعرف كيف نشأت، مع أنها لم تكن موجودة على زمن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الشكل الواضح، وألخص لك ما ذكره الدكتور البوطي في كتابه "الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإسلامية" في هذا الصدد؛ إذ إن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كان طريق تزكية النفس بالنسبة لهم أقل وعورة ممن جاء بعدهم، وذلك لسببين:

 أولهما: رؤيتهم للرسول عليه الصلاة والسلام وجلوسهم إليه وسماعهم لكلامه وعظاته؛ فقد كان لذلك أثر كبير في محبتهم له، وهو الأمر الذي يستوجب طاعتهم في كل ما يأمرهم به، وإيثارهم محبته على نوازع الشهوات، ومن ثم تجلت فيهم ظاهرة الطفرة التي لم تجدها فيمن بعدهم، وهي سرعة تحولهم من أحوالهم الجاهلية إلى الالتزام الكامل والثبات عليه.

 ثانيهما: بساطة الحياة التي كانت تحيط بهم؛ فلم تكن المغريات أمامهم كثيرة كما كانت فيمن جاء بعدهم بعد أن فتح الله الدنيا على المسلمين، ومن ثم فإن طريق التسامي بالنفس كان أسهل وأيسر.
لذلك بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وبعد الفتوحات الإسلامية انصرف كثير من المسلمين إلى استنباط طرق ليَسْموا بأنفسهم عن الدنيا ويحرروها من شهواتها الاستعلائية ونزعاتها الرعناء، وكانت طرقهم كلها لا تتعارض مع الكتاب والسنة، وفي مقدمة هؤلاء: الجنيد البغدادي والحارث المحاسبي.
فلما أخذ هؤلاء الربانيون أنفسهم بالسبل التربوية للتحقق بصفات تدخل كلها ضمن العبادات الباطنة مثل محبة الله والخوف منه والرضا عنه والتوكل عليه وأرشدوا الناس إليها؛ نشأ عن تفاوتهم في السبق والاهتمام بذلك والدوام عليه ما سموه بالمقامات والأحوال، وربما وصل أحدهم من خلال التدرج في هذه المراتب إلى ما أسموه بوحدة الشهود؛ إذ يفنى السالك بالمكوِّن عن الأكوان، وربما اندفع في غمرة ذلك بالنطق بكلمات لا تنضبط بموازين العقل مثل العبارة التي نقلتها أنت وهي لأبي يزيد البسطامي رحمه الله "ما في الجبة إلا الله"، وقول غيره -لعله الحلاج-: "سبحاني.. الله في قفطاني" وما شابهه.

 وقد اتفق العارفون على أن حال الصحو أفضل وأسلم، وهي الحال التي كان عليها رسول الله وأصحابه، ومع ذلك فلا جناح على من وقع بهذا كما يقول ابن تيمية في فتاواه: "إذ في مثل هذا المقام يقع السكر الذي يسقط التمييز، كما يحصل بسكر الخمر؛ فكذلك قد يحصل الفناء بحال خوف أو رجاء، كما يحصل بحال حب، فيغيب القلب عن شهود بعض الحقائق".
ولكن كما أنه لا جناح على من غاب عن الأكوان فصدر عنه هذا الكلام، فإنه لا يجوز الاقتداء بهم ولا حمل كلامهم محمل الصحة، بل ينظر إليها على أنها شطحات، ويؤاخذ من رددها تشبهًا أو أيدها عقلا.
أما تكاثر هذه الطرق وانحرافها فيعيده د. البوطي إلى أن هذه التزكية قد لحقها ما لحق بالعلوم الإسلامية الأخرى من أدواء البدع والزغل، ويشير إلى أهم الأسباب:

أولها: الزندقة وإضمار السوء والكيد للإسلام. وثانيها: الجهل. وثالثها: مراعاة حظوظ النفس. وهذا السبب الأخير أدى إلى تسلل فئة إلى رتبة الإرشاد هم بأمسّ الحاجة إلى من يرشدهم ويزكي نفوسهم؛ لأن مهمة الإرشاد والتربية ليست سهلة كمهمة التعليم؛ فالأولى تستهدف تقويم الوجدان الإنساني وتصعيده. والثانية ليست بأكثر من نقل العلوم إلى الأذهان، وشتان بين هذا وذاك.

إذن علينا أن نعذر الجاهلين بالتصوف والمتحاملين عليه، كما نعذر من يسلكونه إذا كانوا يتبعون طرقا لا تتعارض مع ضوابط الشرع ونصوص الكتاب والسنة، بل يجب التأكيد على ضرورة التزكية النفسية والتربية الوجدانية على يد مرشد عالم، وبما أنه من المتعذر وجوده في هذا الزمن -على ما أعتقد- لذلك أنصح كل شاب وفتاة مهتمين بما نصحت به السائل في مشكلة: "كل ابن آدم خطاء.. وخير الخطائين التوابون".

حيث يظهر أن الذكر من أهم وسائل هذه التزكية؛ ولكنني معك تماما في موضوع الرقص والهز المرافقين للذكر، وأفضل من يعتمد عليه في الرد عليهم هو الدكتور البوطي المعروف بصوفيته؛ إذ ذكر في كتابه "فقه السيرة" أن هؤلاء يستندون في دعاواهم بمشروعية الرقص والدوران في حلق الذكر على زيادة مختلقة في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، عندما تبرع أبو بكر رضي الله عنه بماله كله في سبيل الجهاد، فسأله الرسول الكريم: ماذا تركت لأهلك يا أبا بكر؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله. فأضافوا على هذا الحديث الصحيح أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر: يا أبا بكر إن الله راض عنك فهل أنت راض عنه؟ فاستفزه السرور والوجد وقام يرقص أمام رسول الله قائلا: كيف لا أرضى عن الله؟

وقد ذهب جمهور العلماء أن الرقص محرم إن كان مع التثني، واتفقوا على أنه مكروه إن كان بدون ذلك؛ فإدخال الرقص في ذكر الله تعالى إقحام لما هو مكروه أو محرم في عبادة مشروعة. أضف إلى ذلك ما يتلبس به حال هؤلاء الذاكرين من التفوه بأصوات ليست من ألفاظ الذكر في شيء إنما هي حمحمات وهمهمات تصاعد من حلوقهم؛ ليكون منها دوي متناسق معين ينسجم مع تواقيع المنشدين والمطربين؛ فتحدث بذلك مزيدًا من النشوة والطرب في النفوس.

ويستثني د. البوطي من عموم ما ذكر ما إذا خرج الذاكر عن طوره بأن سيطرت عليه حال لم يملك معها شعوره ولا زمام نفسه؛ فهنا يجب أن نفرق بين الوجد القاهر والتواجد المصطنع؛ وفي رأيي الشخصي أنه يجب ألا نضع كل هذه الجماعات في سلة واحدة، ومن الأفضل للذاكر أن يتبع الآية الكريمة: {واذكر ربك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين}، فذكر الله المستحب أن يكون سرا وليس أمام الناس كي يكون أدعى للإخلاص.

وللذاكر أن يذكر الله بأسمائه الحسنى أو باسم الذات، ولا إنكار في ذلك، وليس بحاجة لدليل؛ إذ يدخل ضمن مسمى البدعة الحسنة "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"، وإن كان هنا يصدق قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "درهم سبق ألف درهم"، فذكر الله مرة بقلب واع أفضل من ترداد أي من أسمائه ألف مرة على اللسان دون مرافقة الجنان.

 وحتى إذا كان ذكر الله على الملأ فأجدر بأصحاب المواجيد أن يخفوها عن الأعين إذا أرادوا فعلا أن يكونوا من أصحاب الأحوال مع الله؛ وقد أكرمني الله بعمرة وصلاة الجمعة في الحرم المكي منذ فترة، ومن السلبيات التي حدثت معي أنني لم أستطع التركيز والانتباه للخطبة؛ لأنها ما إن بدأت حتى بدأت معها الجالسة أمامي بالاهتزاز والارتجاج، فعلمت أنها من أهل الأحوال الظاهرة، وسألت نفسي حينها: ألم يئن لهذه الظواهر أن تختفي من بيننا؟؟

 مع ذلك واستيفاء للموضوع أرى أن أسوق رأي حجة الإسلام الإمام الغزالي الذي كان له مسيرة طويلة في التزكية والمجاهدة والخمول حتى استطاع أن يصل إلى الإخلاص، فعندما سئل عما يفعله بعض الصوفية لم ينكر عليهم ذلك، لكنه أورد آدابا في كتابه "إحياء علوم الدين" يطول شرحها هنا. ومن أجمل ما أورده قصة عن موسى عليه السلام أنه حدّث بني إسرائيل فتأثر بعضهم لدرجة أن أحدهم مزق ثوبه، فأوحى الله تعالى إلى موسى: "قل له لا تمزق لأجلي ثوبك ولكن مزق قلبك!".

وعندما يصل الأمر إلى سؤالك يا أخي الكريم: ألا نجعل أنفسنا أضحوكة أمام غير المسلم؟ فالجواب محفور في ذاكرتي يتراءى لي بصورة للجماعة "المولوية" -الذين يدورون إلى ما شاء الله دون أن يصابوا بالدوار- رأيتها عندما كنت طفلة في مجلة فرنسية أحضرها أخي معه من فرنسا، وأراها لأخي الكبير، وقرأ له التعليق المكتوب تحتها: "هذا هو الإسلام!".

أما الابن الكريم الثاني:

الذي أثرت فيّ رسالته لصدقها وعمق تحليلاتها ودلالاتها فلا أخفيك سرًا أنني أجد نفسي عاجزة أمام تدفق هذه المشاعر الصادقة التي طفحت بها رسالتك، وهو فخر للصفحة أن يكون بين متابعيها من أمثالك ؛ فإن فضل الله عليك عظيم بهذه النعم المتتالية: أبوان صالحان، تربية حسنة، وعقل راجح، وقلب كبير، وتجربة ثرية، وبصيرة وقادة، وطموح وثاب؛ فبارك الله بك وأكثر من أمثالك الذين يفهمون هذا الاختلاف فيوظفونه لاتحاد الكلمة وتآلف الصف، وفعلا يبدو أنك كما قلت: قطفت من كل بستان زهرة، لكن الباقة التي جمعتها قلّ مثيلها، وفاح عبيرها؛ فبوركت.

 فقط يجب علي أن أوضح ما ذُكر في رسالتك ورسالة الأخ الأول عن بعض العلماء من أمثال ابن عربي وابن تيمية؛ فقد أورد د. البوطي دفاعًا عن الاثنين في كتابه "السلفية.. مرحلة زمنية مباركة"، وبيّن أنه قد أدخل على كتبهما الكثير من الأفكار التي لا يمكن نسبتها إليهما، فأنصح بالرجوع إليه.
ولا يعني استشهادي بكتب د. البوطي أني أفضله على غيره من العلماء كما يظن البعض، لكني تعلمت كيف أنتقي الأفكار المناسبة من الأشخاص المناسبين، فأفصل دائمًا بين الفكرة والشخص، وليس من معصوم إلا النبي الهادي محمد صلى الله عليه وسلم.

 لا بد أن أقول أيضا: إنك عزفت على وتر مجروح في القلب، ولا حل برأيي للخروج من أزمة التفرق الذي نعيشه على صعيد الجماعات الإسلامية إلا تزكية النفس؛ إذ قل من يدرك حقيقةً ضرورتها؛ لأنها الطريق الوحيد للتخلص من رعونات النفس وشهواتها وحبها للظهور والاستعلاء والكبر والعجب والنفاق والرياء والشهرة وكل ما يدخل تحت مسمى المعاصي الباطنة، ومن أسوأ أنواع هذه المعاصي هو التعصب للرأي وليس التعصب للحق والانتصار للنفس بدل الانتصار لله.

 فالغاية من هذه التزكية هي ألا يرى المسلم لنفسه فضلا على أخيه المسلم، وأن يكون كما وصف الله القوم الذين يحبهم ويحبونه، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

 كما أؤكد على الاعتكاف الذي وصفه العالم النفسي أنطوني ستور بأنه يوفّر البصيرة ويساعد على التغيير، وقال عنه المفكر والمؤرخ جيبون: "المحادثة تثري الفهم، ولكن الاعتكاف مدرسة العبقرية"، وإذا كنت أطعِّم تأكيدي هذا بأقوال علماء غربيين؛ فذلك لأبين أن النقل يؤيد بالعقل، وأن تجاربنا الأصيلة أثبتت صحتها تجارب الأمم المعاصرة.. فهل من مستفيد؟

 يقول وليم ووردسورث: "برغم كوننا ترابًا فإن الروح فينا آخذة في النمو، شأننا شأن الهارمونيا في الموسيقى، فثمة براعة فنية تعمل على التوفيق بين العناصر المتنافرة فتجعلها تلتحم بعضها مع بعض في نسق واحد. وعندما نبعد عن ذواتنا الحقيقية لمسافات بعيدة جدا بالدنيا التي تدفعنا دفعًا فنسقط وقد صرنا مرضى بمشاغلها ومرهقين بملذاتها، فإننا نجد الاعتكاف عندئذ يكون عظيما وعذبا إلى أبعد حد".
أخيرًا أتمنى من كل من يرغب بالاستفادة أو الإفادة في مجال نبذ التفرق وتوحيد كلمة الجماعات أن يراسلني على عنواني الإلكتروني الذي يمكن طلبه من الصفحة، وأول المدعوين هما الأخوان المشاركان؛ إذ ربما يهيئ الله لنا فرصة التواصل الفعلي على الواقع الذي يفوق أثره التواصل عبر أثير الإنترنت، لعل في ذلك خطوة على طريق البناء الحقيقي للأمة.والسلام عليكم.

     
   
     
 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |