الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) الاستبداد يبدأ من العائلة

 
 
 
 

إلى السادة القائمين على صفحة "مشاكل وحلول للشباب".. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أولا أود شكركم على ما تقدمونه لنا من نصح وإرشاد، وعلى اتساع صدوركم لاحتوائنا جميعا وتحليل مشاكلنا وحلها بشكل موضوعي وعملي؛ وهذا ما شجعني على إرسال مشكلتي أو بالأحرى مشكلاتي فأرجو منكم سعة الصدر والصبر وإعطائي الحل الناجع علها تخفف عني.

مشكلتي بدأت عندما رسبت في الثانوية العامة والتي كانت كالهزة لي ولجميع من حولي والأسباب بعد تدقيق مني كانت بعض التقصير مني وخوفي الشديد من الامتحانات وهذا بشهادة أساتذتي وأنه سيؤثر على المجموع، ولكن يبدو أن هذا الخوف دمر حياتي، والمشاكل التي كانت تحدث.

الوالد يعمل في الخليج وأمي كانت المسئولة عن كل شيء وبالرغم من أن والدتي كونها الأب والأم والأخت والصديقة فإن الوالد كان يراها مقصرة ويلومها باستمرار؛ وهذا ما كان له أيضا تأثير على بيتنا، وبخاصة أنا وكذلك عدم رؤيتنا للوالد سوى شهر واحد في السنة ومع وجود طبعه العصبي جدا هذا ما شارك في وجود حاجز بيني وبينه وازدياده مع الأيام ليصبح جدارا سميكا لا أول لطوله أو عرضه.

 رسوبي أدى إلى مقاطعة الوالد لي ومنعي من الجلوس معهم أو تناول الطعام معهم وجعل إخوتي بعيدين عني حتى أني أذكر كيف أنه قال لي إنه يتمنى أن يراني ميتة الآن على أن أقف أمامه راسبة وشبهني بالساقطات عديمات الشرف، قاطعت الطعام، وبدأت أحدث نفسي، وأتكلم معها، وعدت إلى فتح كتبي من جديد والألم يقتلني، أذكر كل كلمة كان يقولها، كل نظرة منه ملؤها الكره لي، ماذا حدث تمنيت الموت كثيرا أو قتل نفسي، ولكن الذي ردعني هو علمي أن هذا من الكبائر عند الله، استمر الحال لمدة أسبوع، ثم عاد للحديث معي، ولكن بالكثير من الجفاء حتى أنه لم يصدق أنني لم أكن أتناول الطعام في تلك الأيام.

عاد إلى الخليج وأنا غيرت المدرسة لكرهي أن أرى الأساتذة أنفسهم ونظراتهم التي توجه إلى الراسب، وأصبح الوالد يتصل وكل كلامه توبيخ لأمي ولي، ويذكر خجله وشعوره بالعار أمام أصدقائه لرسوبي وتهديده لقتلنا جميعا إذا رسبت من جديد، مضت تلك السنة، ونجحت ولكن بمجموع قليل، لم أستطع دخول الجامعة أو أي معهد فكان قرار الوالد هو دراسة اللغة الأجنبية وذلك القرار كان بعد تسلمه قيادة حياتي واتخاذ القرارات عني، سواء وافقني الأمر أم لا، وطبعا كانت دراسة اللغة أصعب شيء لكوني أكرهها من الصغر، أحضرَ لي الكتب وبرامج للحاسوب وصار عليَّ الدراسة مدة 18 ساعة في اليوم دون حراك وبإشرافه؛ لأنه آنذاك كان قد قدم استقالته وعاد إلى البلد، وكثيرا ما كان يصرخ في وجهي وعلى أنني فاشلة وأنني مقصرة بعد سنتين حصلت على شهادة من جامعة بريطانيا؛ وذلك بتقديم الامتحان في القنصلية، وكذلك حصلت على شهادة إدارة أعمال من مؤسسة بريطانية كنت قد قدمت امتحاناتها في معهد خاص في مدينتي، وبدأت البحث عن وظيفة والحمد الله قد وجدتها.

ومن خلال وصف مدير العمل بأن الوظيفة كلها باللغة وأنه لن يوجد لي ساعة فراغ فوافق الوالد لكونها من اختصاصي، ولكن بعد أيام أصبحت أجلس فترة الدوام كلها بدون عمل، وإنما أصبح عملي يقتصر على رد الهواتف وتحويلها للمدير، ورغم قول ذلك للوالد فإنه قال إن ذلك أفضل حتى يتسنى لي فرصة دراسة اللغة أكثر.

بعد هذا التفصيل عن حياتي أقول لكم إن مشكلتي في كرهي الشديد لوالدي وازدياد هذا الكره يوما بعد يوم لإجباري على فعل أشياء لا أريدها كالدراسة التي انتقاها لي، وعلى فكرة إن مشاكلنا قد زادت بعد عودته لكونه لا يعمل؛ وذلك بإرادة منه قوله إن جسده لا يساعده لكون عمله السابق يحتاج إلى مجهود بدني كبير، وهو الآن يصرف من المدخرات، هذه المشاكل كلها مفتعلة من لا شيء، فهو يقول كلاما قبيحا لي ولإخوتي ووالدتي بالأخص، ويقول إن ما نحن فيه من انحطاط وتدنٍ في المستوى بسببها هي، ربما لا يتخيل لكم هذا الكره لكن أصارحكم أنني قد دعوت على والدي منذ أيام قليلة لمشكلة قد افتعلها واتهمنا بها زورا بأن يعود إلى البيت ميتا في كفن ليتوقف عن أذاه ذلك، دعوت في الأذان وأنا ساجدة في صلاتي، بسببه أكره الرجال، وأخاف أن يأتني رجل مثل والدي، أفتقر إلى الحنان والعاطفة التي لم أجدها عند أبي فأخاف أن يكون حكمي في اختيار الزوج أي إذا لاح لي العطف من خلال كلام الخاطب فأصدقه وأقع في زواج يكون الزوج فيه غير ملائم لي، قلبي امتلأ بالحقد والكراهية، فكيف أتخلص منها أخاف أن أعامل أولادي في المستقبل كما عاملني والدي فأقتلهم.

كما أنا الآن مقتولة أصبحت لا أعرف من أنا أصبح كل شيء أسود من حولي لا حياة فيها ربما ستقولون إن اللغة أصبحت مهمة الآن، ولكن ليس في بلدي تعد اللغة من الميزات أو المهارات، ولكن الشهادة الجامعية فوق كل شيء، فالشخص عندنا يُقيّم بتلك الشهادة، وأنا أعاني من ذلك؛ لأنه عندما أقابل أحدا يسأل ما دراستي؟ فإذا بدأت باللغة وما فعلته سقطت من عينه ومن شد انتباهه لي، وعلى فكرة.. كنت قد عاودت فتح موضوع إعادة الثانوية بعد توظيفي فكان الرد الرفض ووصفي أنني أنانية أحب نفسي، وأريد تملك كل شيء فحين أنه يجب علي أن أعمل لأعيل العائلة لأنه لا مردود داخل إلى البيت، مع أن طلبي لا يؤثر أبدا على عملي حتى أن المدير قد اقترحه علي.

أنا لا أشعر بطعم المرتب الذي آخذه، بل على العكس أحسه أنه حرام علي كوني لا أعمل بالشكل الذي يرضيني، بعد كل هذا هل أنا مريضة نفسيا؟ أم أن كل ما جرى طبيعي بل على العكس أنا إنسانة شريرة وفاسقة، هكذا أنا، وسأموت هكذا لا أمل في الإصلاح ولا أمل في عيش حياة سعيدة، أرجوكم ساعدوني فقد وصلت إلى مشارف الهاوية هذا إذا لم أقع فيها منذ زمن، ولكم جزيل الشكر والاحترام على مساعدتي وجعلها الله في ميزان أعمالكم. ويحق لكم حذف ما شئتم من الرسالة إذا كنتم ترون أن فيها إساءة لي أو لصفحتكم، أرجو عدم التأخر بالرد أو تجاهل رسالتي وشكرا.

 
 
 

 
 
 
   

أهلا وسهلا بك، ولا يوجد أي قصد من طرفنا بإهمال أي رسالة أو التأخر بالرد عليها، كما لا توجد أي إساءة في رسالتك لأحد، بل على العكس أشكرك على أنك فتحت قلبك لنا وأخرجت كل ما فيه من أسى، واستطعت أن تعبري عن معاناتك التي أقدّر تماما وجودها وأتفهمها خاصة أنني رأيت الكثيرين من أمثال أبيك في الواقع، فهو باستبداده وديكتاتوريته لا يمثل إلا جزءا بسيطا من الديكتاتورية والتسلط وفرض الرأي بالقوة التي نعيشها كل يوم وفي كل مكان والتي بدأنا ندفع ضريبتها الآن علنا بعد أن كنا ندفعها سرا، وما الحرب التي تشنها أمريكا على العراق إلا جزء من هذا الثمن، وإن كان البعض يفسرها بالرغبة في السيطرة على منابع النفط وبعضهم الآخر يرى هدفها ضرب الإسلام من خلال ضرب القلب منه وهو الوطن العربي لتأمين الوجود الإسرائيلي، فهي في الحقيقة ثمرة طويلة لهزيمة منكرة نعيشها في المستوى التربوي والاجتماعي والنفسي والثقافي والفكري، ولا أراه مناسبا الدخول في التفاصيل كي لا أستطرد بعيدا عن مشكلتك التي تمثل أحد تجليات هذه الهزيمة.

 أبدأ من حيث بدأت من رسوبك بامتحان الثانوية العامة نتيجة التقصير منك إضافة إلى الخوف الذي تقولين إنه دمر حياتك، فيبدو أن سببه الرعب المعشش داخلك ليس من أبعاد نتيجة الثانوية على حياتك المستقبلية بقدر ما هو من آثار الهلع من هذا الوالد، وأذكر هنا قصة حدثت معي عندما كنت في الصف الأول الابتدائي، وكنت متفوقة بحمد الله إلى درجة كنت معها أستطيع التقدم لامتحان في الصفوف الأعلى وأحصل على المركز الأول، وكان لدي صديقة تحكي أحيانا عن ظلم والدها لها وكيف يضربها بالحزام العسكري إذا لم تأته بالعلامات التامة، وقد أخبرتني ذات يوم بأنها واثقة من نفسها بأنها ستحصل على المركز الأول كي لا يضربها والدها كالمعتاد، فقابلتها بابتسامة مطمئنة ومشجعة كي لا أجرح شعورها، رغم أنني أعرف من يستحق ذلك بيننا، فقد كانت تعيش في وهم كبير نتيجة الرعب المخيم داخلها، وما أزال أذكر البقع والكدمات الزرقاء التي صبغت جسمها في كل مكان إثر ضرب والدها لها.

 لذلك أستنتج من كل ما ذكرته عن والدك أنه إنسان مصاب بمرض نفسي غالبا ما يعود سببه إلى طفولة معذبة أو حرمان عاطفي مبكر فكل الدلائل في رسالتك تشير إلى شخصيته غير السوية، ولذلك أرجو أن تجعلي هذه العبارة قاعدة في حياتك: ضعي نفسك مكان الشخص قبل أن تحكمي عليه؛ وبالنسبة لوالدك يساعدك تفهمك هذا في التعامل معه، ولا يعني تفهم الظروف النفسية أو الاجتماعية لأي شخص تبرير أعماله أو القبول بالأمر الواقع بل المقصود هو إدراك وسائل وأساليب ومناحي التغيير الممكنة وغير الممكنة. فهل من الممكن إدخال شخص حكيم من أقربائك للتفاهم مع أب من هذا النوع؟! لن أناقش هذا الحل لأنني أعتقد أنه يصعب تغيير أشخاص كوالدك من الخارج دون إحداث تخريب في البنى التحتية -اقتباسا من الحرب الأمريكية- خاصة مع تهديده لوالدتك بالطلاق أي إن هذه الطريقة المعتمدة على مساعدة خارجية في إزالة المنكر قد تؤدي إلى منكر أكبر.

ما يدعوني إلى التفاؤل أنك -إن شاء الله- لن تكرري تصرفاته مع أولادك مستقبلا هو انتباهك إلى هذه الصفات في والدك، فالثقافة هي برأيي تبصر بالنفس وها أنت قد بدأت بذلك، كما أنها وعي بالمجتمع وها أنت تعرضين لنا مخاوفك على أولادك مستقبلا فالأسرة جزء من المجتمع، وأخيرا هي إنزال هذه المعارف على أرض السلوك؛ ولعل لجوءك إلى صفحتنا يمنحك شيئا من الثقافة؛ وهو ما يخفف من آثار تربيته الخاطئة على نفسك، لذلك أعد نفسي بمتابعة منك لمعرفة كيفية أخذك بنصائحي واقتناعك بها ومن ثم نتائجها، وما يهمني بالدرجة الأولى هو تغير سلوكك أنت وردود أفعالك تجاه تصرفات والدك.

 أعتقد أن عبد الرحمن الكواكبي -رحمه الله- عندما قال: "إن الاستبداد لا يواجه بالعنف، ولكن يواجه بالذكاء"، كان يقصد بكلمة الذكاء هنا: الحكمة والتوازن والمرونة في التعامل مع المستبد أيا كان وفي أي مستوى. ولأبدأ بالأمر الأول وهو الحكمة:

فأن تغيري والدك فهو شيء صعب جدا إن لم يكن مستحيلا بعد هذا العمر، وقد بينت في أحد ردودي أن الشباب أكثر قابلية للتغيير والتطوير من الكهول أو الشيوخ؛ وذلك لأن المتقدمين في السن يبدأ عندهم التصلب في الجسد، سواء في الشرايين أو في العظم أو في المفاصل، ويبدو أن هذا التصلب يمتد ليشمل الأدمغة والنفوس، لذلك كلما تقدم المرء في العمر أصبح من المتعذر أن يغير رأيه في أمر أو حكمه على شيء، وإذا قلنا أن تغيير والدك شيء غير ممكن -على الأقل حاليا- فما هو الممكن؟

إنه تغيير شخصيتك أنت، وأهم ما يتعلق بالشخصية هنا هو ردود الأفعال، بشكل تصبحين معه أكثر هدوءا وأقل اندفاعا، فانظري كيف هي ردود أفعالك قوية إلى درجة التدمير، فأنت تتمنين الموت لوالدك مع أنه رب نعمتك وولي أمرك، وأنا لا أقول هذا الكلام لأزيد من آلام نفسك، لكن لأطلب منك أن توقفي هذا الدمار في نفسيتك، فلا يصح ولا يجوز أن تدعي على والدك ولو ظلمك، فإن لم تستطيعي بره والإحسان إليه فعلى الأقل يجب أن تكفّي عن الدعاء عليه، واستبدلي بهذا أن تضغطي على نفسك وتدعي له بالصلاح والرشد وحسن العاقبة، واقرئي مرة أخرى كيف بدأت لك جملتي السابقة بعبارة (أن تضغطي على نفسك)، لأنني أعلم صعوبة الأمر عليك، لكنني أريدك أن تغيري شخصيتك أنت، والتغيير يبدأ بينك وبين نفسك أولا بالدعاء لوالدك لا الدعاء عليه. ومهما كان الإنسان شريرا فيجب ألا نفقد الأمل بأن نفخة الروح تحكم البشر كما تشدهم طينة الأرض، وهذا معنى قوله تعالى: (وهديناه النجدين) أي الشر والخير.

وإذا لم نستطع الدعاء للمستبد المسلم، فعلى الأقل يجب أن نطهر قلوبنا من الحقد والغل؛ لأن القلب المؤمن هو موضع نظر الله سبحانه، وكي يمتلئ القلب بالتسامح والحكمة فنستطيع التعامل مع أشخاص من هذا النوع دون أن يؤثر ذلك علينا وعلى تصرفاتنا، والقرار بعدم التسامح هو حكم نهائي على النفس باستمرار المعاناة.

ويحسن هنا أن أنصحك بالاطلاع على مشكلة التقاليد وظلم المرأة ( وردت في الجزء الثاني من الكتاب) لأنني ذكرت شيئا عن السلاح الناجع للتعامل مع آباء كأبيك، وهو سلاح المقاومة السلمية والمقاطعة بشكل مهذب جدا دون أن يثير ردود فعل غاضبة من جانبه، وهو ما سميته بالتوازن فلا تجعلي مقاطعتك تأخذ شكل العقوق بأي حال، بل أن تعتكفي في غرفتك ولا تتعاملي مع والدك إلا في أضيق الحدود، فلا تبدئيه بالكلام واجعلي ردودك عليه في الكلمات الأقل ولا تسمحي له أن يدخلك في أي نقاش أنت لا ترغبين به، بدون أن تظهري عدم الاحترام, وكذلك دون أن تعبري له عن هذا الاحترام، وبالمختصر المفيد اتبعي سياسة التجاهل الهادئ، فهو يريد أن يثبت وجوده بطريقته الخاطئة الظالمة فتجاهليها وكأنك لم تسمعي ما يوجهه لك أو لأحد من إخوتك أو لوالدتك من أي من الإهانات التي يتلفظ بها، وليتك تستطيعين إقناعهم بها بأن تنعدم ردود أفعالهم على تصرفاته، دون أن يقصّروا في حقه، بل يجب معاملته بالحسنى بأن تطاع أوامره العادلة بينما لا يتم أخذ أوامره الظالمة بعين الاعتبار ولا مناقشتها من طرفكم بل تجاهلها كليا، ولم يرد في رسالتك أن لديه كثيرا من الأوامر الظالمة، وإنما هو اعتاد أن يلقي اللوم على والدتك، فأخبريها أن تتخذ لها أذنا من طين وأخرى من عجين كما يقول المثل، وليرغي وليزبد دون أن يحرك أحدكم ساكنا، وإذا استطعت أن تلبسي وجهك قناعا من الشمع أمامه فافعلي أي لا تظهري تأثرك بما يقول، وكذلك لا تجعلي هذا التأثير يمتد إلى داخلك.

وقد يعترض بعض المتدينين على كلامي، لكنني أرد عليهم بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته"، والحكم أو القيادة أو الأبوة مسؤولية قبل أن يكون سلطة، والحديث الشريف الآخر: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت"، والضياع هنا ليس ماديا بقدر ما هو معنوي، وآن لنا أن نوقف مد هذا التسلط والاستبداد الذي يبدأ من القاعدة الشعبية -أي من الأسرة- لينتهي بالقمة الحاكمة مرورا بمؤسسات العمل، لعلنا نوقف معه سيل هذه النفوس الممزقة، فكيف لأمة أن تصنع مجدا وفيها كل هذه الشخصيات المشوهة نتيجة تربية أجيال متعاقبة على الطاعة وتنفيذ الأوامر دون اعتراض بحجة بر الوالدين أو طاعة أولياء الأمر؟! وما أعلمه أن بر الوالدين لا يبرر تعسفهما، وطاعة أولياء الأمر ليست مرادفة لظلمهم للشعوب, والله قد خلقنا أحرارا ولم يخلقنا عبيدا لأب متسلط أو لحاكم مستبد.

 أما المرونة فهي تكون بالتصرف المناسب في الموقف المناسب، وتقضي باختلاف الاستجابة مع اختلاف الظرف، أي عدم الشد دائما فقد يعود والدك لعقله في بعض الأحيان ويعرف أخطاءه ويحاول أن يصلحها، وهذا ممكن إذا التزمتم جميعا موقفا واحدا، فهنا يمكن أن تتغير الارتكاسات فيشجع على ذلك بقبول هذا التغيير ومما يساعد على هذا تذكر أن سبب تصرفاته الحالية يعود إلى ما رسخ في لا شعوره من رواسب الماضي وتراكمات الطفولة، وقد يحتاج معها لمن يساعده على إخراجها، ولا يكون هذا إلا عن طريق خبير نفسي أو صديق حكيم، وأعرف أن الأمر بمنتهى الصعوبة، ولكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة كما يقال.

وأن التغيير يبدأ من النفس ليمتد أثره للغير، ولا يكون إلا بالتحلي بالصبر التام، وما يعينك على اكتساب هذه الفضيلة أي الصبر هو اللجوء إلى الله سبحانه والإكثار من الصلاة وقراءة القرآن بشكل ورد يومي وذكر الله سبحانه والابتهال إليه والتضرع ليصلح حالك وحال والدك، وتذكري أنك أنت وإياه تمثلان أسرة واحدة أمام الناس فكل ما يصيبك من خير يعود عليه بالفائدة والعكس بالعكس، وهذه العبارة تناسب الكلام عن الجماهير والحكام أيضا؛ لأنه من الواضح وقوع الشعوب والأنظمة في مصيدة واحدة لأنهم يمثلون عائلة واحدة، فهل من معتبر؟

بالنسبة لآثار تعامل والدك معك كخوفك من زوج المستقبل فهو وارد جدا إن لم تغيري من شخصيتك، وأنا أعتقد أن تغيير الشخصية ليس بالأمر الصعب خاصة إذا بدأت فيه من الآن، ويكون عن طريق العلاج المعرفي بأن تدركي آثار هذه المشكلة في حياتك مستقبلا وتحاولي أن تتخلصي من آثارها النفسية من الآن كما بينت لك، وملء وقتك بكل مفيد ونافع بحيث لا يبقى لديك وقت للتفكير بمشكلتك هذه، وعن طريق العلاج بالإيمان كما سبق، ويزيد إيمانك بالعبادات الظاهرة مثل أداء النوافل وقيام الليل خاصة وإشغال نفسك بمساعدة خلق الله سبحانه وإظهار محبتهم من طرفك، والقيام بالعبادات الباطنة من ذكر وفكر وشكر، والجئي إلى الله وتضرعي فهو من يكشف الكروب ويشفي القلوب.

وتذكري أن موقفك من والدك هو علاج لقسوته، ولا يمنع هذا من الإحسان إليه بطرق أخرى قد تؤثر في نفسه، فالعفو عند المقدرة من شيم الكرام، وقد يحتاجك مستقبلا فكوني أول من يهب لنجدته، وأنت تقولين إنه يحتاج نقودك، فلا تبخلي عليه بشيء بل أعطيه إياها -كلها أو بعضها- خالصة من شوائب قلبك، دون أن تسمحي له أن يظنها خراجا أو جزية لأنه والدك، إنما بيني له -بطريقة غير مباشرة - أن هذا واجبك، وأنك تؤدين هذا الواجب حبا بالواجب وليس لأنه مفروض عليك.

 أما الأثر الآخر السيئ في نفسك فهو تقييمك الخاطئ لذاتك، وهذا واضح تماما في تقليلك من أهمية الشهادة التي حصلت عليها أو العمل الذي تقومين به، فهنا يحق لنا أن نضع العذر لوالدك رغم استبداده، ونشهد له بذكائه أنه تصرف ضمن نطاق الممكن -إذا لم يكن ضمن نظرة مستقبلية حكيمة- فأنت لم تستطيعي دخول أي فرع في الجامعة بسبب معدلك المنخفض، فاختار لك اللغة، وإذا كان أهل بلدك لم يعرفوا قيمتها بعدُ فهذا دليل جهلهم -معذرة منهم جميعا- لأن القومية التي تم التشدق بها خلال فترة طويلة في بلدك وغيره كان من الأفضل أن تفهم على أنها فترة مرحلية من تاريخ الأمة أي أن يكون التعصب ضد الاستعمار، وفور إخراجه من البلاد يجب أن يبدأ البحث عن مرحلة أخرى هي الاشتراكية التي تم التوقف عندها أيضا بينما كان يجب الانتهاء منها بمجرد الخلاص من الطبقية المستفحلة في المجتمع، وذلك من أجل اللحاق بركب العالمية لنستطيع أن نساير التطور الإنساني أما في بلدك وغيره من البلاد العربية فتم التقوقع ضمن هذه الأنماط الفكرية والقوالب الثقافية التي تجاوزتها الدول المتقدمة. بينما نحن ما زلنا نتغاضى عن الثروة التي وضعها الله بين أيدينا ألا وهي رسالة الإسلام العالمية، وصحيح أننا نردد في شعاراتنا: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، لكن مضمون هذه الرسالة هو التالي: وحدة.. حرية.. اشتراكية، ولا أثر لكلمة الإسلام- طبعا من الواجب التوضيح للإخوة القراء أن هذا الشعار ما زال متداولا في بلدك- وقد أثبت التاريخ المعاصر إخفاق كل هذه التيارات، وأنها ليست أكثر من شعارات طنانة وعبارات جوفاء فأين الحرية؟ وأين الوحدة؟ وأين الاشتراكية؟ ليس لنا إلا انتظار العالمية على الطريقة الأمريكية لعلها تكون آخر الغمة، وقد نقتنع بعدها بالعالمية على الطريقة الإسلامية!

المقترح الأخير بالنسبة لك أن تفعلي ما ترينه مناسبا، فإذا كنت ترين أن إعادة الثانوية تحمل لك آفاقا مستقبلية جيدة فلا تتأخري خاصة مع تشجيع مديرك لك، فقدمي أوراقك في السنة القادمة، وأعيديها بدون أن يعلم والدك، وأعتقد أنك تستطيعين إعادتها عن طريق الدراسة المنزلية وبذلك تستمرين في عملك وتتابعين دراستك، ولا أنصحك بتفويت فرصة عملك الحالي، ولا التقليل من أهميته وتذكري أن الساعة قد تعمل بدون العقارب الظاهرة، ولكنها لا تعمل بدون أدق اللوالب والنوابض الصغيرة التي لا يراها أحد، وبتكامل كل منها مع مثيله أو من هو أكبر منه يتم العمل الكلي على أحسن وجه.

نصيحتي الأخيرة والتي أتمنى أن تكتبيها بخط كبير وتضعيها أمامك: كوني هادئة أكثر لتفكري أفضل لتتصرفي بشكل أنسب، والحكمة التي أود أن تزيني بها جدار غرفتك ليقرأها والدك إذا دخل ذات مرة: (بينما يتردد شخص لئلا يقع في الخطأ يستغرق آخر في الأخطاء ليصبح متفوقا) والله يوفقك ونحن معك. وأنصحك بالإطلاع على هذه المشكلة:  الأب قاس وملتزم.. صناعة مجد القبيلة (موجودة في الجزء الثاني من الكتاب).

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |