الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) كيف أحب الله وأتزوج وأتحمل الحر؟

 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. جزاكم الله خيرا على جهودكم الجبارة في توجيهنا وإرشادنا..
يدور في خاطري سؤال دائم: إذا كان الله خلقنا وكرمنا وأنعم علينا بنعم كثيرة، ويريد الخير لنا ويحبنا.. فلماذا نشقى في هذه الدنيا ونتعب ونحمل الهموم والمصائب والمفاجآت،
وقد أخبرنا الله في القرآن أنه "كل من عند الله" الخير وغير الخير.. فكيف نحب الله، وديننا-كما نسمع- قائم على الحب؟

السؤال الثاني:

ما نراه في مجتمعاتنا العربية من عدم نجاح الفتيات في مجالاتهن بنسبة عالية؛ فمنهن -وليس كلهن- بنسبة كبيرة غير ناجحات في بيوتهن من تربية أولاد وإدارة المنزل، وخاصة هذه الأيام فيما ما نراه من ازدياد نسب الطلاق في مجتمعاتنا؛ فالشاب عندنا بالذات يكافح ويدرس ويتعلم ويعمل ويصبر طويلا إلى أن يصل إلى السن المناسبة للزواج، ولكن الفتاة تجد كل هذا على طبق من ذهب، وتريد المزيد، وفي النهاية تكون غير ناجحة في كل شيء!! أليس هذا ظلما للشباب الذين يتحملون آلام الغربة من أجل إسعاد زوجاتهم وأطفالهم، أنا لا أتهجم على الجنس الآخر، ولكن أرجوهن أن يكن في حال أفضل؛ فهن صناع الأجيال، وبدونهن يضيع المجتمع.

 السؤال الثالث:

 بدأ لدينا فصل الصيف، وبدأ العري بشكل خيالي.. فتن تحاصرنا بشكل عجيب.. أحس أنني أدخل الكلية بقلب، وأخرج بقلب آخر من كثرة الفتن اليوم؛ مثلا كنت أنا وصديقي نتناقش، وبعدنا عن الناس، وجلسنا في أحد الممرات المنعزلة على الكرسي لتناقش بهدوء، وكان يوجد طلاب قليلون هنا، وعلى بعد 20 مترا منا من نفس الممر كان زميلان (بنت وشاب) جالسين على الكرسي، ولكن لاحظنا أمورا غريبة تجري بينهما، وبكل وقاحة وضع يده على رجلها، ثم انتقلا للزاوية الأخرى كي لا يراهما أحد، الحقيقة فار دمي، ولصقت بهما قصدا، ولم أتركهما لوحدهما.. وللأسف عند اقترابي تبين لي أن الفتاة محجبة!!

 طبعا بلدي علماني لا يشجع على الدين، وتوجد طوائف مختلفة غير السنة، ومنهم من لا يعرفون شيئا عن الدين؛ فلو كانوا منهم لما تأثرت، لكن كيف لفتاة محجبة تتصرف بهذه الوقاحة؟! أفٍّ لها!!

مع التحيات، وأرجوكم أن تدعو لي ولأصدقائي ولشباب الإسلام أن يحفظ الله ديننا، ويبعد عنا الفتن..أرجوكم ألا تهملوا رسالتي؛ فهي تمثل مشكلة حقيقية في مجتمعاتنا العربية.

 
 
 

 
 
 
   

جميل هو أسلوبك في هذا الرسالة؛ فأنت تكتب على طريقة "خير الكلام ما قل ودل"؛ فالمشاكل لديك واضحة، وأنا معك فيما استنتجته أن رسالتك تمثل مشكلة حقيقية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، لكن علي أن أكون صريحة معك، فأقول: كثير من المشاكل حلها بأيدينا نحن، وأهم ما يقال هنا هو تغيير طريقة التفكير، وتغيير طريقة السلوك؛ بحيث لا تكون نابعة من ردود أفعال فقط، بل يجب أن تكون سلوكياتنا تابعة لمنهج عام يعتمد على تحليل الأسباب وربطها بالنتائج، ويبدأ بتقبل الذات كي يتقبل الآخرين. وفي هذا التقبل يستفيد من أخطاء الآخرين فيتجنبها، ويحاول أن يقي نفسه ومجتمعه من أسبابها من أجل عدم تكرارها، وكي أشرح لك بالتفصيل معنى كلامي هذا دعني أبدأ بالإجابة على أسئلتك واحدا إثر واحد:

سؤالك الأول : كيف نحب الله؟ فأنت تقول: إن الله أنعم علينا بنعم كثيرة، وهذا وحده إذا تفكرت فيه جيدا فلن تجد مفرا من أن تحب الله؛ فهل فكرت في هذه النعم؟ وماذا يعني فقدها؟

 المشكلة يا بني أننا عطلنا عقولنا؛ فلم نعد ننظر لا في الوحي المسطور ولا في الوحي المنظور: الأول هو القرآن الذي نقرؤه -إذا قرأناه- بقلب غافل وعقل شارد، والثاني هو هذا الكون الذي سخره الله لنا بسماواته وأرضه وكواكبه وجباله وسهوله وبحاره وأنهاره وأشجاره، وهذا الجسم الذي هو آية من آيات الله في حسن خلقه وبديع تصميمه وتكامل أجهزته وتناسق أعضائه.. فكيف يحب الله من هو غافل عن عطايا الله؟

كي تحب الله يجب أن تتفكر بنعمه، وفي نفس الوقت يجب ألا تشغلك النعمة عن المنعم، فأسألك: ألا تحب والدتك؟ ألا تحب والدك؟ إذا لم يكن لفضلهما عليك فلا أقل من أن يكون بسبب حبهما الكبير لك، أتراك لا تشعر بمحبتهما لك وكرمهما معك ورحمتهما بك.. فكيف إذن يكون حالك مع الله الذي أنعم عليك بأبوين محبين رحيمين كريمين؟!

 لا يكفي يا بني أن نقول: إن الله أنعم علينا بنعم كثيرة دون أن يكون لنا بعض الوقت كل يوم نفكر في آلاء الله ومننه العظيمة، وقد ورد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قرأ هذه الآية: { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران: 190، 191)، فقال عليه الصلاة والسلام: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر". والسؤال: كم منا يقرؤها وهو ليس بذاهل عنها؟ كم منا يتفكر في نعم الله حق التفكر؟

السبب لهذا النقص في التفكير أن الدنيا أخذتنا بعيدا عن الله؛ فقد قالها المسيح عليه السلام: "لا يستطيع المرء أن يخدم سيدين في نفس الوقت"، وأكدها القرآن الحكيم: {مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الأحزاب: 4)، وهذا معناه أنك إما أن تحب الله، وإما أن تحب الدنيا، ولا أقصد بحب الدنيا هنا حب الحياة؛ فالحياة نفسها نعمة من نعم الله عليك، وطبعا هذه مصيدة يقع بها كثيرون، فكيف لا أحب الدنيا، ولكن أحب الحياة؟

 لا أحب الدنيا أي لا أتعلق بها، وأعرف أنها دار غرور، وعلي أن أزكي نفسي فأكون من الزاهدين بها بحيث تكون هي وكلّ نعميها في يدي وليس في قلبي، فلا مانع من الاستمتاع بالطيبات، والله سبحانه كريم لا يحب من يعرض عن مائدته بحجة الزهد، لكن علي أن أتذكر أن هذه المائدة عطية من الله سبحانه إن شاء وسعها وإن شاء ضيقها، فإذا وسعها شكرت، وإن ضيقها صبرت؛ ولا أريد أن أكلمك على طريقة الصوفية كما فعل أحدهم إذ نعى على صديقه هذا التصرف، أي تصرف الشكر إذا أعطي والصبر إذا حُرم، فقال: "هكذا تفعل كلاب بلخ، ولكن عليك أن تشكر الله في الحالين"، فهذا مقام يتجاوز القدرة البشرية العادية، وإنما علينا أن نتذكر قول الله سبحانه: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} (لقمان: 17).

أما أن أحب الحياة فلأنها جميلة برغم كل تقلباتها وحزنها وأساها.. فهل يعرف طعم اللذة من لم يتذوق معنى الألم؟ إن الحياة تجربة تغني من إنسانية الإنسان وترفعه في طريق الكمال إذا عرف كيف يستفيد من الشدائد والمصائب والمحن بأن يقترب من الله سبحانه، ويعرف أن لله حكمة خافية في كل أمر؛ فيسلم أمره إلى الله؛ لأنه يعلم أن الذي خلقه لم يكن لينساه، وأن الذي خلق في أنفسنا الشهوة، ومنح إبليس علينا القوة، وقدر علينا هذا الكم من المصاعب.. إنه في نفس الوقت رحيم بنا.. بل أرحم بنا من الأم بولدها، كيف وهو القائل: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ}؟
ودعني أقص عليك هذه القصة التي حصلت معي، وكنت أصغر منك سنا، وقد حضرت الوفاة والدي رحمه الله، وكنت البنت الصغرى له؛ فعندما دخل في النزع لم تستطع أي من أخواتي البقاء فخرجن كلهن، ولم يبق إلا أخوان لي من الذكور: أحدهما ممسك بقدميه، والآخر على يساره، ووقفت أنا على يمينه أمسك يده، وكنا نلقنه عبارة "لا إله إلا الله"، وهذا منظر لا أنساه طوال عمري كله؛ فقد كنت في بداية تديني، يملأ قلبي الحماس الذي يملأ قلب الشاب أو الشابة في تلك الفترة. وكان رحمه الله يغرغر، فلا أستطيع أن أتبين إن كان ينطق بالشهادة أم لا؟ فمن شدة حرقة قلبي قلت له: قل: لا إله إلا الله، ففتح عينيه ونظر إلي -رحمه الله- نظرة عتب قاسية، وكأنه يقول: أنا أقولها ولكنك لا تسمعينها، ونبهني أخي أنه لا يجوز أن أقول له: "قل"، بل يكفي أن أذكر الشهادة فيتذكرها، وبعد فترة قصيرة قال: كفوا فقد بردت قدمه، فنظرت إلى صدره وقد علته الحشرجة، وكأن الروح جمعت كلها في الحنجرة، ولما فاضت إلى بارئها تركت يده وهرعت خارجة من الغرفة إلى ساحة البيت، وأردت أن أصرخ، وأقول: "لا"، كأنني غير مصدقة، فخرج من فمي الحرف الأول وهو اللام، ولكن قبل أن أكمل صرختي شعرت بماهيات لطيفة حولي تمسك بي وتهدئني وتمنعني من إكمال كلمة الاعتراض.

وعرفت من يومها معنى تلك الآية، وكيف أن الله حفظني بكرمه وجوده من أن أعترض على قضائه؛ فكيف لا أحب الله، وأنا أتذكر قربه مني وعدم تخليه عني في الضراء؟! كيف لا أحبه سبحانه، وقد أنعم علي بكل نعمه في السراء؟!

هكذا يا بني الكريم يجب أن تتذكر الله، وكيف أنه أنعم عليك بنعمٍ وفي نفس الوقت قدر عليك أقدارا كي تنضج وتكبر وتعلو مرتبتك عنده سبحانه بصبرك وشكرك وفكرك وذكرك له في كل ساعة وآن. وأمثل لك هذا بمثل حلقة متماسكة؛ حيث إن عملك بالطاعة وبعدك عن المعصية يقربك من الله فيحبك الله، وتشعر أنت بهذا الحب عندما يعصمك الله في مواقف كثيرة؛ فتحب الله أكثر، وتطيعه أكثر، وهكذا حتى تصبح ممن قال الله عنهم "يحبهم ويحبونه".

أما سؤالك الثاني عن الفتيات وعدم إدراكهن لمعنى الحياة الزوجية؛ فقد بينت أن هذا الخلل له أسبابه في ردي على مشكلة " زواج المغتربين.. مشهد من مأساة متكررة"، وأشعر أن صرختك هنا ناجمة عن حزنك على مجتمعك، وليس نتيجة ثأر شخصي، ولكن مع هذا فإن الشاب ليس دائما على درجة عالية من الوعي. فالطلاق الذي ينتج هنا سببه نقص وعي أحد الطرفين أو كليهما؛ فأنت تعرف نظرة الشباب التقليدية للفتيات، وهي أن أغلبهم يريدها ملكة جمال بعيون زرقاء أو خضراء وشعر أشقر طويل وقامة ممشوقة وخصر نحيل وما إلى ذلك. أما لو كان واعيا حقا لاهتم بالبحث عمن تكون أما صالحة لأولاده، ولا مانع من أن يكون الجمال شرطا؛ فالله قال لرسوله عليه الصلاة والسلام: {لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} (الأحزاب: 52).

 وقد عرضت امرأة عليه نفسها فصعد فيها نظره وسكت (أي لم تعجبه)، لكن في نفس الوقت يجب أن لا يعيق الجمال الشاب من البحث والتدقيق فيمن ستكون شريكة حياته، وذلك في معرفة أصلها ومنبتها ودينها وخلقها وثقافتها أيضا، ولا أقصد بالثقافة الشهادة؛ فكم من حمَلة شهادات ليسوا أحسن ممن وصفهم الله سبحانه فقال: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}، لكن أقصد بالثقافة التبصر بالنفس والوعي بالمجتمع. فالشاب المتبصر بنفسه يعرف ما ينقصه؛ فيحاول أن يبحث عن فتاة تكمله، وكذلك إذا كان يحمل هم الأمة حقا؛ فبالطبع لن تعجبه الفتاة الفارغة من كل مضمون، ولو كانت تقارع بجمالها الشمس والقمر. ثم أعتقد أن المشهد المعتاد من أن الشاب يطلب منه كل شيء، والفتاة قطة مغمضة تنتظر عريس الغفلة قد أصبح شيئا من مخلفات العهد الغابر في كثير من البلاد العربية.. فلماذا تتمسكون بهذا التقليد في بلدكم العزيز؟

خذ مثلا مصر، فمنذ عهود يشترك العريسان في تأسيس البيت، بل إن الشاب يطلب منه المهر والشقة مثلا، والفتاة يطلب منها أن تعد الجهاز المتمثل بالثياب وتوابعها، وكذلك يجب أن تشارك في فرش البيت من غرفة النوم أو غيرها، ويكتب هذا في العقد.. فلماذا لا يحصل هذا لديكم؟

 المهر من حق الزوجة شرعا، وعلى الشاب أن يعد المسكن، لكن في هذا الزمن الصعب إذا أرادت الفتاة أن تتزوج ولا تبقى ملكة متوجة على عرش العنوسة؛ فعليها أن تساهم في شيء كبير، وهذا ليس عيبا إذا تم بالاتفاق بين الطرفين، ولا مانع أن يكتب كل شيء في العقد بحيث لا يظلم طرف الطرف الآخر في حال انتهاء الزواج بالطلاق، وهذا العرف ليس عرفا سيئا.. بل هو مستمد من الشرع، وذلك واضح في الآية: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} (النساء: 4)، فلماذا لا يعتبر ما تقدمه الفتاة من جهاز أو أدوات أو فرش داخلا ضمن مسمى المهر الذي تتنازل عنه عن طيب خاطر؟ أي كأنها تقدم جزءا من المهر لزوجها ليشتري به شيئا من لوازم الحياة الزوجية، ويمكنها أن تسجل هذا في العقد لضمان حقوقها مستقبلا.
نأتي إلى السؤال الثالث ،وفصل الصيف، ومسرحيات العري، فأقدر تماما وضع الشاب الملتزم -خاصة في بلد مثل بلدك- الذي يرى الفتن من حوله فهو كالقابض على الجمر من النار، لكن ألا يمكن أن يخفف الشاب من الشعور بالغربة في هذا الجو؟

هنا أذكر ردين لي قد يكونان مناسبين لك: " يحدث بين الطلبة والطالبات: هواجس ملتزم"، و" الغربة كربة.. واللجوء إلى الله مفتاح الفرج "؛ وهما موجودين في الجزء الثاني من كتاب أسئلة محرجة وأجوبة صريحة, لأنك فعلا بحاجة إلى اللجوء إلى الله سبحانه لتشكو له تغير قلبك؛ إذ تكون على حال عندما تدخل الكلية وعلى حال أخرى عندما تخرج؛ فهذا وحده كفيل -إن أحسنت اللجوء إلى الله سبحانه- أن يرفع في درجاتك الإيمانية؛ فهو الذي خلقك، وهو الذي يعرف ضعفك، وهو القادر على أن يمدك بالقوة؛ لتكون مثالا للمسلم الذي يغير المنكر لكن ليس بطريقة أن يلتصق بالعصاة منفعلا؛ لأنهم سيجدون مكانا آخر لمعاصيهم، مع أني أقدر سبب انفعالك، وهو أن الفتاة محجبة؛ فهذه بالتأكيد ليست محجبة عن اقتناع، بل هي مجبرة على هذا الحجاب، أو أنها وضعته في سن اندفاع قبل الجامعة، وبعد الجامعة وجدت نفسها في جو فاسد ساعدها على إظهار مواهبها المدفونة، وقد لا تستطيع أن تواجه مجتمعها بخلع الحجاب، فتستمر عليه دون أن يردعها؛ لأنها بالأساس لا يوجد حجاب التقوى داخلها، وهذا ما نبهت إليه في ردي على استشارة في صفحة "كيف نربي أبناءنا"، وهو: " ابنتي ترفض الحجاب....ليست مشكلة الموجودة في الجزء الثالث من كتاب أسئلة محرجة وأجوبة صريحة, إذ بينت للسائلة أنه كان من المفروض تهيئة ابنتها نفسيا لتقبل الحجاب كي تبنى في داخلها قناعة به؛ فتستطيع التمسك به في جو موبوء بالفساد.

ثم إن الجامعة مكان للدراسة والعلم، وقد تكون مكانا للدعوة إذا ساعد الوضع العام، لكنني لا أظنه كذلك في بلدك؛ فهنا عليك أن ترحم العصاة، وتحمد الله أنه لم يجعلك منهم، وقد قال الله تعالى: {كَذَلِكَ كُنْتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ} (النساء: 94)، فلولا نعمة الله علينا بالإيمان والهدى والرشاد، لكنا أنا وأنت في زمرة العصاة.

أرجو أن أكون قد أجبتك على أسئلتك، وتذكر أنه لا بد من التجربة كي ننضج، ومن الأفضل -ولا شك- أن يكون النضج على نار هادئة، وإذا داخل تلك النار معصية من آن لآخر سواء كانت نتيجة ضعف أو زلل؛ فإن المعصية هي التي تذكرنا بأننا بشر ولسنا آلهة ولا ملائكة؛ إذ تردنا إلى موقع العبودية، كما قال عليه الصلاة والسلام: "لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون فيستغفرون، فيغفر لهم". حيث لا أجمل من أن يجلس المرء مستصغرا نفسه أمام الله، طالبا منه المغفرة، سائلا إياه القوة، راجيا منه الرشاد، وكما يقول ابن عطاء رحمه الله: "خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجود فاقتك"، فحافظ على صلتك بالله بأن تكون له عبدا طائعا مخبتا؛ فيكون لك ربا حافظا ومعينا، والسلام عليك.

     
   
     
 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |