|
أسعدني مشاركتَا الابنة الخليجية والابن الفاضل, وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على
تجاوب الإخوة القراء مع الصفحة؛ الأمر الذي نتمناه دائما؛ لأنه يظهر أن الإنترنت
نعمة كبيرة من الله؛ إذ إنها أداة للتواصل والقرب لم نعهده في أي أداة سابقة؛ فيكفي
أنها رفعت الحدود والحواجز المصطنعة بيننا نحن الذين نتكلم العربية وندين بالإسلام،
بعد إذ فرقنا الغزو الاستعماري والثقافي, وبعد أن ثبتت محنة التفرق بنغمة أخرى؛ ألا
وهي القومية والجنسية, وكل منهما هو الوجه الآخر للقبلية والعصبية التي نهى عنها
الإسلام؛ فالعرب لم يكونوا يوما ما أمة ذات حضارة إلا بالإسلام؛ ذلك الدين الذي
ألغى الفوارق والامتيازات, ورحم الله ابن خلدون الذي أفرد في مقدمته فصلا بأن العرب
قوم لا يصلحهم إلا الدين. إذن فالإنترنت نعمة، لكنها قد تتحول إلى نقمة عندما
يستعيض المرء بالتكنولوجيا والعلاقات على الإنترنت عن العلاقات الإنسانية الحقيقية؛
فيعيش في واقع افتراضي له سلبياته التي تبدت في المشكلة التي نحن بصددها.
وطبعا هذه المشكلة أكثر ظهورا على ما أعتقد في بلد
الأخت السائلة؛ حيث تُفتقد العلاقات الصادقة الحميمية,
ويعيش المرء بين مطرقة وسندان لا يخفيان على كل مبصر:
مطرقة الكبت الظاهرة، وأقصد بها المبالغة في فصل
الرجال عن النساء مما لم يكن موجودا في عهد النبوة؛
مما يحدو ببعضهم أن يعتبر وجه المرأة عورة، وصوتها
عورة، واسمها عورة، إلى درجة يمنع منها الخاطب قبل
العقد وبعده من رؤية وجه خطيبته، كما ذكرت في مشكلتها,
وسندان الإباحية الخفية، وأعني به ما تبيحه الفضائيات
الخليعة، ومواقع الإنترنت الإباحية، وقضاء الإجازات في
الخارج؛ حيث يتاح للمرء ما هو ممنوع عنه في بلده حلالا
كان أو حراما؛ فالكبت يُشوه الفطرة، ويزيد من الحساسية
بين الجنسين, والإباحية تهوي بالإنسان إلى مستوى
الغرائز البهيمية.
ومع شكري الجزيل للابنة الخليجية أرجو أن تكون قد
فهمت من مقدمتي هذه أن رسالة صاحبة المشكلة مفسرة،
وليست بحاجة إلى توضيح, خاصة أن ردي السابق انتقد
كثيرا من العادات في مجتمعي الابنتين السائلة
والمشاركة، وليس فقط موضوع اختلاف الجنسية، ومع ذلك
أدعو الأخت المشاركة إلى قراءة بعض ردودي التي ناقشت
فيها موضوع اختلاف الجنسيات (هي موجودة في الأجزاء
الأولى من الكتاب).
ومع إدراكي أن المجتمعات الخليجية تختلف في انفتاحها
على الآخر, لكنها كلها تتفق في منع الخليجية من الزواج
من غير الخليجي, ولست من ولاة الأمر يا ابنتي العزيزة
حتى أغير لك قانون بلدك كي تتزوجي أنت أو غيرك ممن
تريدين وتحبين. ومع ذلك أذكر أنني في مشاركتي:"الأمرالواقع
..وإنتهاء الصلاحية : مشاركة"نصحت
الأخت التي كان والدها يمنعها من الزواج وقد بلغت 42
من العمر بحجة أن من يتقدمون إليها طامعون في مالها,
نصحتها بأن تتنازل لأبيها عن مالها الذي سترثه منه؛
فهل تستطيعين أنت أن تتنازلي عن جنسيتك لمن أصدر هذه
القوانين التي لا تعجبك؟
لا أقول هذا انطلاقا من اقتناعي بهذه القوانين، لكن
أستطيع أن أتفهم مبرراتها؛ مثل الخوف من أن تذهب أموال
الخليجيين إلى غير الخليجيين, ولو كنت خليجية فربما
سعيت إلى تغييرها, وما عليك أنت والفتيات اللواتي
تتكلمين عنهن أنهن يحببن غير الخليجيين ولا يجدن الحل
إلا بالنسيان.. إلا أن يتصرفن ليغيرن هذه القوانين إذا
كنتن ترينها جائرة؛ فهذه المرأة المصرية قد ثارت
وثابرت حتى نالت حق الخلع, مع أنه موجود في شرعنا منذ
عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
لذلك فأنا لا أختلف معك هنا, بل أنصحك بإعادة قراءة
ردي؛ لتري أنني كتبت 20 سطرا على الأقل مما يتفق معك.
أما الخلاف فهو أن التعارف في المشكلة الأصلية تم في
فضاء الإنترنت الرحب -ومن هنا تم اشتقاق اسم المشكلة-
حيث يميل الخيال إلى التحليق بصاحبه؛ فإذا لم يكن
متقنا للطيران (أي لم تكن روحه وثابة شمّامة ناضجة),
فالنتيجة مؤلمة، ولو قرأت كثيرا من المشاكل التي سببها
هذا الموضوع لرأيت بنفسك مصير تلك القصور القائمة على
غير أساس العقل والواقع.
أما الحب فأنا شخصيا أول من يشجع الزواج القائم على
الحب والتفاهم, وكم بينتُ في ردودي أن الزواج الناجح
هو الذي يعتمد على الواقعية والرومانسية، أما إن كان
قائمًا على الحب وحده؛ فإنّ وقود العاطفة ينتهي بسرعة
إن لم يكن له خزان من العقل, والعاقل من اتعظ بغيره يا
آنستي العزيزة, وكلي أمل أن تلتقي بمن يناسب أن يكون
شريك حياتك، وترقي معه نحو الأفضل, وهذا حق من حقوقك
فتمسكي به، لكن لا تنسي أن تخلطي أوراق الحماس مع
أوراق الحكمة كي تكوني رابحة.
أما الابن المشارك، فأشكرك على عواطفك التي نعتز بها
جميعا, وإن كنا نحاول في هذه الصفحة رفع بعض التراكمات
التي ترسبت في وجدان الأمة وعقلها بحكم ظروف كثيرة؛
فإننا لا نستطيع فعل شيء للمشايخ الجامدين, إلا بأن
ندعو الله لنا ولهم بأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه
ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه, وقد قلت عبارة
سابقا وما زلت أكررها: إن الذي يخوض مجال الإصلاح
الاجتماعي والتغيير يعرض نفسه لسهام الأصدقاء قبل نار
الأعداء؛ وقد يكون الحق مع فولتير عندما قال: "احفظني
يا رب من أصدقائي، وسأحافظ على نفسي من أعدائي".
ومع شكري الشديد لإطرائك اسمح لي أن أعترض على كلامك
أننا نحن الكبار لا نعرف ما هو الحب, وربما يشفع لك
أنك وضعت كلمة "قد"، وهي إذا سبقت الفعل المضارع تكون
للتقليل؛ لذلك أطمئنك أننا نحن الكبار نعرف الحب -خاصة
أننا كنا صغارا-، وإلا فكيف لنا أن نحل مشاكل الشباب
العاطفية؟! أنا أدرك تماما أن علاج مشكلات الناس لا
يقدر عليه إلا من حل مشكلات نفسه، وداوى عللها
بالحقائق الدينية والعقلية التي يطرحها. أما من ثبّت
نفسه في أبراج عاجية، ثم بدأ ينظِّر للناس دون أن يمس
بجراح قلبه جراح قلوبهم، ودون أن تحدوه معاناته
السابقة لتبصُّر معاناتهم اللاحقة؛ فإن شخصا كهذا ليس
له أن يداوي جرحًا أو يخفف ألمًا أو يهون مصابًا.
وأما عن كلامك عن الشخص الذي أحبته صاحبة المشكلة أنه
نصاب؛ فلا نستطيع الجزم بذلك، وإن كنت أشكرك على
تحذيرك لها ولغيرها من الوقوع في الفخاخ المنصوبة
والمحشوة بالكلام المعسول والعواطف المزيفة. وقد يكون
كلامك أفضل ردّ للابنة الخليجية المشاركة أيضا؛ لأنه
قد يكون غير الخليجي طامعًا في الخليجية. فرغم أن
القانون لا يمنحُه الجنسية بزواجه منها, لكنه يحصل على
إقامة دائمة، وهذا قد يكون مطمحًا لكثير من الشباب غير
الخليجيين الذين تفوتهم فرص العمل في بلادهم, وعلى هذا
فالحرص واجب، والحب الحقيقي لا يمكن إثباته بالكلام.
وقد يكون الطامع أحيانا هو الفتاة الخليجية التي ترى
أن غير الخليجي سيتيح لها ما تفقده في بيئة أهلها،
وأنا أقول هذا الكلام بناء على احتكاكي ببعض المجتمعات
الخليجية لفترة طويلة نسبيا. وبناء على معرفتي بالحب
نفسه، وأنه كثيرا ما لا يكون حبًّا، إنما هو مصلحة
مادية أو رغبة جنسية كما هو حال أكثر حكايات الحب هذه
الأيام.
وهنا نأتي إلى اعتراضك على الحب الذي يحصل بدون رؤية؛
فأرجو منك أن تعود لإجاباتي (موجودة في الأجزاء
السابقة للكتاب)لأنني بينت إمكانية وجود الحب عن طريق
السمع, الذي يحدث -لا للعميان فقط- بل للناضجين روحيا,
وكذلك إمكانية وجود حب الإنترنت بدون سمع أو بصر,
والشواهد كثيرة، وآخرها حالة أخ مصري أحب أختًا
فلسطينية، وتم لقاؤهما في الأردن حيث كانت الخطبة,
ورغم أنهما في عمر الورد فإنني أعرف الشاب، وأتوقع أنه
التقى ومحبوبته على الحب الخالد الذي لا تحده حدود،
ولا تمنعه الحواجز؛ ألا وهو حب الله ورسوله ودينه,
وهذا شيء أراه مدعاة للأمل أن اجتماع المسلمين على حبل
الله المتين يلوح في الأفق بإذن الله، رغم كل الصعوبات
الآنية والمرحلية.
ولا أنكر أن الزواج عن طريق الإنترنت له صعوباته
الكثيرة من حيث العيش المشترك، والتأقلم مع البيئة
الجديدة إلى غير ذلك, ولكن كما قال الشاعر: "من يركب
اليم لا يخشى من الغرق". كما أن وجود أمثالك أيها
الابن الشاب مدعاة للفخر.. فقلما نجد من يفرق بين
عواطفه ومشاعره من جهة وغرائزه ورغباته من جهة أخرى.
وأهلا بكما وبمشاركاتكما أنتما وكل رواد الصفحة
الكرام. |