|
يسعدني أن تتواصلي معنا في عرض مشكلتك وأنت على درجة جيدة من الوعي كما يبدو من
رسالتك، وقد سبق لي في ردودي على بعض مشاكل مشابهة أن بينت عدم إنكاري لوجود الحب
عن طريق الإنترنت في حال الوصول إلى النضج الفكري والروحي والعمري، وخاصة إذا وجدت
تجربة ارتباط سابقة فاشلة؛ فليس من وسيلة للنضج كالمعاناة التي أشبهها بالبوتقة
التي تصهر الحديد، فتزيده عطاء ومضاء، وليس من مصدر للتطور أفضل من الصدمات واهتزاز
المشاعر، خاصة إذا اعتبر المرء الصدمة تحدياً له للاستمرار والنماء ولم ينظر إليها
–كما يفعل الكثيرون- على أنها ظلم واقع عليه، ليس له من حيلة سوى الرضوخ إليها
والتمزق تحت آثارها.
ولكنني أصارحك يا ابنتي العزيزة أنني لا أجد كلامي هذا
ينطبق على مشكلتك هنا، وذلك لأن مجتمعك الذي تعيشين
فيه لا يزود الفتاة والشاب إلا بأقل القليل من
الخبرات؛ فالأسر منغلقة على نفسها، كما أن كل جنس
–سواء كان ذكرا أو أنثى- منغلق على نفسه، بسبب عدم
السماح بالاختلاط بين الجنسين ضمن ضوابطه المشروعة،
والأنكى من ذلك هذه التقاليد التعيسة –كما ذكرتِ- عن
خطبتك الأولى، وكيف أن والدك كان لا يسمح لخطيبك
برؤيتك رغم أن القران قد تم عقده، فأي إجحاف بالدين
هذا؟ وأي إسفاف بالإنسانية؟
كيف يتخيلون أن الزواج هو مجرد الجماع وتفريغ الماء
المهين في رحم الزوجة؟! إلى متى يبقى الوضع في مجتمعك
بهذا الشكل، وعدد العوانس في ازدياد، وعدد المطلقات في
ازدياد أكبر؟ أين والدك من قول رسول الله عليه الصلاة
والسلام: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"، وأين
مجتمعك من قول الله تعالى: "ومن آياته أن خلق لكم من
أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة"؟
وكيف يؤدم بين الخطيبين وهما لا يعرفان بعضهما بعضا
رغم عقد القران؟ وأي مودة ورحمة وسكينة ستنشأ بينهما
بعد هذه الطريقة من الزواج المخالفة لكل شرائع الدين
وأعراف البشرية؟!
لذلك مع اعترافي بأن تجربتك السابقة قد تكون ساهمت في
نضجك، ومع تأكيدي أنك لست طائشة، لكنني لست واثقة من
خبرتك في الحياة، خاصة مع قولك: "إني عرفت الكثير من
قصص الحب، وأعلم ملابساتها، وأعلم عواقبها جيدا، وقد
كنت بحمد الله في منأى عن هذه العلاقات طيلة أيام
دراستي.. ومعاملاتي مع الجنس الآخر قليلة وبحدود"؛ لأن
معنى كلامك هذا أنها أول تجربة حب تمرين بها؛ فهنا
تكون خمر الحب أشد إسكارا وتغييبا للعقل، فخمر حبك قد
وضعتِها في زجاجة منذ سنوات طويلة، ورميت بها في قبو
بعيد عن ناظريك، فلما لاح هذا الرجل في أفقك استعدت
زجاجة الخمر المعتق، ورشفت منها، فأذهلتك الرشفة
الواحدة عن الواقع والحقيقة، وأعجبتك نشوة الخمر، فقمت
يا حبيبتي الغالية بالتجرع رشفة بعد رشفة؛ لتزدادي
ذهولا وإعجابا بهذا الرجل.
وبغض النظر عن مدى صدقه في كلامه أسألك: هل فاتك أن
تدركي أن الإنترنت أو الهاتف يحجبان عنك كل شيء إلا
الكلام؟ أنت لا تعرفين شكله ولا وجهه ولا طوله ولا
عرضه، ولا إذا ما كان مشوها أو مسخا أو قزما أو
عملاقا، ناهيك عن الصفات الشخصية الأخرى الأهم والتي
لا تظهر إلا عياناً!! ولله در من قال:
أخا السماحة ألا تدنو فتبصرنا قد
حدثوك فما راءٍ كمن سمعا
ثم هل تراك سألت نفسك: لماذا لم يتزوج هذا الإنسان
الملتزم رغم أن عمره 39 عاما، وأنت تعلمين أن
الملتزمين أكثر الناس حرصا على الزواج المبكر؟ فهل هو
متزوج؟ وكم لديه من الأولاد، أم أن هذا الأمر ليس
مهمّا لديك؛ لأن من سمات مجتمعك تعدد الزوجات؟ فهل
تعلمين أن أغلب المجتمعات العربية الأخرى تقرن التعدد
بموافقة الزوجة الأولى، أم أن قصة الحب الأسطورية -كما
تصفينها- قد حلقت بك إلى أفق السماوات فأنساك الخيالُ
الحالم السؤالَ عن الحال القائم، أم أن حبيبك يطرح
الزواج العرفي كحل دائم؟
تعالي الآن لنحدد أسباب علاقة الحب الخيالية هذه؛
فأول هذه الأسباب هو أنك متعطشة لتجربة حب، سواء كان
هذا التعطش بوعي منك أو لا وعي؛ فأنت وحيدة في بيت
أهلك تعيشين في فراغ عاطفي في مجتمع لا يفهم معنى
الصداقة بين فتاة وأخرى؛ فكيف سيتفهم إمكانية وجود
صداقة بين شاب وفتاة؟ ومن مشاكل مجتمعك الواضحة هي أن
العلاقات إما سطحية أو قائمة على مصالح؛ إذ يندر وجود
صداقات حميمية ناجمة عن ارتباط وتعلق بمبادئ، بل ما
تزال النزعة القبلية مسيطرة، وهذا ما يؤكده كلامك أن
عائلتك ترفض زواجك من خارج الأسرة أو القبيلة. وانظري
كيف أطلقت لفظة "أجنبي" على هذا الرجل دون أن تنتبهي؛
فهذه اللفظة في مجتمعك تدل -مع الأسف- على العربي أو
المسلم غير الخليجي كما تدل على غيره؛ وكثيرا ما
تجعلني بعض التقاليد الجاهلية والأعراف الغبية أتساءل:
هل يقرأ أصحاب هذه التقاليد والأعراف القرآن ولو مرة
في العمر؟ هل قرءوا آية "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"؟
هل سمعوا بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "لا فضل
لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى"؟
ثاني الأسباب هو ضغوط مجتمعك الذي ينظر إلى من تجاوزت
الخامسة والعشرين من العمر على أنها عانس، إضافة إلى
أنك تحملين لقب مطلقة؛ أي أنت مجرمة في نظر قومك بذنب
لم ترتكبيه، بل كان سببه والدك وتعنته والعادات
وآثامها؛ ولكن سؤالي: لماذا تثبتين هذه النظرة الخاطئة
في زوايا عقلك؟ ولماذا لا تتجاوزينها وقد بلغت سن
النضج؟ ولماذا تتقوقعين حولها وقد ساعدك القدر بأن
حملت شهادة عالية، وحصلت على عمل ممتاز؟
يحسن كذلك أن أبين لك سبب سيطرة هذا الحب عليك، وخاصة
مع وصفك له بأنك لم تقرئي عن مثله في كتب العشق
وروايات الغرام؛ فالسبب أن الخيال لديه قدرة على تضخيم
وتفعيل ما يستحيل في الواقع، وكلما كان الحبيب ممنوعا
كان حبه أشد تمكنا، وقديما قيل: "وأحب شيء إلى الإنسان
ما مُنعا"، فكيف إذا كان الحبيب تمنعه التقاليد
ويغيّبه المكان البعيد؟!
يجدر أيضا أن نتفحص معاً تتمة العوائق التي تحول دون
تكليل هذا الحب الخيالي بالزواج؛ فإذا غضضنا الطرف عن
قوانين بلدك التي لا تبيح لخليجية أن تتزوج بغير خليجي
حتى لو كان مقيما -فكيف إذا كان خارج المكان كله؟- فهل
نستطيع أن نغض الطرف عن كونك أفضل منه من الناحية
المادية والمركز الاجتماعي؟ هذا ما يخل -على الأغلب-
بشرط الكفاءة؛ فالمرأة لا يمكن أن تخضع لرجل تشعر أنها
أفضل منه، والرجل لا يجد السعادة مع امرأة يدرك أنه
أقل منها، ولا أدري أين هي الجوانب الممتازة التي
تتكلمين عنها في شخصية هذا الشاب، وهو أقل منك من
الناحية المادية والاجتماعية؟ فهل يكفي أن يكون الشاب
متكلما أو خطيبا مفوها أو داعية إلى الله ليكون صالحا
للزواج؟
أذكرك أن إحدى الصحابيات سألت الرسول عليه الصلاة
والسلام عن بعض من تقدم لها للزواج، فوصف لها أحدهم
قائلا: "أما معاوية فصعلوك لا مال له"، فهذا نبينا
أفضل البشر والذي سما بروحه فوق كل ما هو دنيوي من مال
وجاه وغيرهما، يؤكد أن المال مهم لإنجاح الزواج، ولا
يتعارض ذلك مع حديثه صلى الله عليه وسلم عن وضع الدين
والخلق بالدرجة الأولى، وإن قد كان زوّج أحد الصحابة
بما معه من القرآن؛ فقد كان ذلك في مناسبة لا تتفق مع
حالتك.
أنت طبيبة يا عزيزتي، ولدينا في بلاد الشام ينادون من
يدخل الطب منذ السنة الأولى بكلمة "حكيم"، فأين حكمتك
أيتها الطبيبة؟ كيف تحكمين على أي شخص أنه هو المناسب
لك من خلال معرفة لا يسندها شيء إلا خواطر من وحي
الفضاء الإلكتروني؟ وعلى فرض أنه ينهار بمجرد أن يعلم
برفض أهلك له؛ فكيف تقبلين أن ترتبطي بشخص ضعيف إلى
هذه الدرجة؟ وكيف يصل إلى حافة الانهيار من اقترب عمره
من الأربعين الذي هو سن الحكمة كما نزل في القرآن
الكريم؟! فماذا ترك للأطفال والمراهقين؟!
أخشى ما أخشاه أن يكون متقنا للتمثيل، واستطاع أن
يصطاد قلبك البريء ببعض الكلمات المعسولة بعد أن درس
شخصيتك من خلال الإنترنت والشات، ولما وجد أنك مناسبة
لقضاء ديونه ومشاركته أعباءه المادية لم يتأخر في نسج
خيوط الحب المزيف حولك، وبقدر ما كانت متاعبك وهمومك
مسيطرة عليك، بقدر ما وجدت في هذا الحب شلالا متدفقا
تغسلين فيها أحزان وحدتك وآلام معاناتك؛ لكن يا ويح
قلبي ماذا تفعلين إذا أظهرت لك الأيام أن هذا الشلال
المتدفق ليس إلا سرابا زائفا؟
صدقيني لو كانت علاقتك به وجها لوجه، وعرفتِه مباشرة
لما حبذت لك زواجا تَفضُلين فيه شريك حياتك؛ لأن من
شروط القوامة شعور المرأة أن الرجل يَفضُلها سواء من
الناحية الاجتماعية أو الثقافية أو المادية، خاصة في
هذا الزمن المغرق في المادة؛ فهلا نظرت بعين الحكمة
إلى زواج كهذا لا يسنده اعتراف من أهل، ولا مباركة من
عقل!
أحذرك أخيرا من طريقة الزواج العرفي التي يوحي بها
إليك كي تكون مكالماتكما حلالا؛ لأنها في البداية
ستكون من أجل المكالمات، لكن من يضمن لك ألا تكون
النهاية بالزنا الإلكتروني؟ فضلا عن أنني أستغرب
بالطبع كيف يسمى هذا زواجا؟! أم أن فضاء الإنترنت
الرحب الذي تسبحان فيه معا أوحى لكما بتسميات وأعراف
جديدة تتناسب مع وهم الخيال أكثر بكثير من ملائمتها
لأي شيء آخر؟!
ولا أدري كيف غاب عن عقل هذا الداعية أن البيوت لا
تؤتى من ظهورها بل تؤتى من أبوابها؟ فهل وجود الأبواب
مقفلة مبرر له أن يقفز من فوق الأسطح؟ وهل نسي أن
الغاية لا تبرر الوسيلة في شرعنا؟ هذا ما يجعلني أنبهك
ألا تصغي لنداء قلبك الضعيف، وكم من مرة ذكرت أن على
الأنثى أن تحذر على قلبها ومن قلبها ألا يوردها
المهالك، وتذكري قول أحد الأئمة: "السلامة لا يعدلها
شيء"، فاحرصي على خروجك سالمة من هذه التجربة، ولا
يكون ذلك إلا بقطع علاقتك به نهائيا، واشغلي نفسك
بأمور أخرى، وتأكدي أن حياتنا نصنعها بأنفسنا، وليس
أسهل من تبخر حب الإنترنت؛ إذ إن وهم الخيال لا يصمد
لحظة أمام صدق الواقع، والقصور المبنية في الهواء
تتهدم بسرعة عجيبة.
ستجدين ولا شك بعض آلام الفراق، لكن يسهل السيطرة
عليها بالعقل والانشغال، إضافة إلى لجوئك إلى الله
سبحانه ليعوضك بصبرك خيرا، وليكون رفيقا لك في وحدتك
يملأ فراغك الروحي، وكذلك إيجاد بعض صداقات ممن حولك
يملأ فراغك العاطفي؛: "إذا كان الهدف هو تعويض افتقاد
الحب والعواطف فليس الإنترنت هو أفضل مكان نحصل منه
على ما ننشده من حب". فإنني أضيف إليها: إن تجربة الحب
الإلكتروني قد تكون مفيدة للتعويض عند بعض الأشخاص
الذين نمت أرواحهم لشدة معاناتهم.. أو ما أسميهم
بالناضجين الصادقين، ولكنني لا أراها طريقة مناسبة
للزواج في حالتك بسبب وجود العوائق الراسخة من بُعد
المسافة واختلاف البيئة وفوارق أخرى. ومع ذلك أرجو أن
تثقي أننا معك، ونسعد بمتابعة منك. |