الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) وهاك يدي فقيدهما بالحب

 
 
 
 

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أفضل خلق الله أجمعين وبعد..
إنني ممتن جدا لما تقدمونه في هذا الموقع من خدمات للإسلام والمسلمين وأسأل الله العلي القدير أن يجازيكم عنا أفضل الجزاء.

أنا شاب مسلم ناجح في عملي والحمد لله، من أسرة محافظة جدا، دأبت على تعلم القرآن الكريم من سنين والحمد لله، وأسأل الله ألا يكون ما أسلفت للسمعة والرياء لأنني لم أكن ملتزما بتعاليم القرآن والسنة.

قصتي يا إخوتي بدأت من عدة سنين حين تعرفت على فتاة غير محجبة، تصغرني ببضع سنين، كنت أدرس لها أحيانا في لغة غير العربية، تحت غطاء ما يدعى بالصداقة، وخلال السنوات الأولى لم أكن آبه بها كثيرا لأنني كنت أتجرع حينها مرارة علاقة طاهرة مع فتاة كانت مثالا في الخلق، لكنها اختفت عني فجأة، وكنت حينها مرهف الحس رقيقا، أتذوق طعم كل شيء حتى حلاوة الألم...

المهم: أصبت بكآبة وحزن استمرا طويلا.. خلال هذه الفترة كانت تهاتفني تلك الفتاة غير المحجبة، وتسألني عن حالي وأسألها عن دراستها في الكلية، وكانت ذات روح مرحة، ولاحظت أنها معجبة بي كثيرا، أما أنا فللأسف الشديد فقد استغللت هذه النقطة، ولا أدري هل أنا قلت لنفسي أم نفسي قالت لي: وداعا يا زمن الطهر والنقاء.. وجاء يوم وأخبرتها بأنني أميل إليها، فرحت كثيرا وقالت لي: ستتزوجني؟ كنت مترددا، فقلت لها: ذلك أمر سابق لأوانه، وما زال أمامنا المتسع من الوقت، وبدأت أقابلها وأقابلها حتى عرفت أنني تمكنت من قلبها، وفي لحظة ضعف قبلتها، في لحظة نسيت أن الله يراني.. المهم أننا بدأنا نتقابل ويحدث نفس الشيء إلى أن أصابتني موجة من كآبة وضيق صدر؛ لأنني كنت منافقا، أصلي وأفعل الحرام، وآه لو تعلمون ماذا يقول الناس عني، حتى إن كثيرا منهم يقولون لوالدي: ليت لنا ولدا مثل ولدك. وهذا ما قطعني إربا وأشعرني أنني مراءٍ ومنافق.

وفي لحظة من يقظة الضمير ذهبت إليها وأخبرتها بأنه يجب أن ينتهي كل شيء، توقعت بأن يمر الأمر عاديا، وفوجئت بردة فعلها، فبكت وبكت وسألتني: لماذا تفعل ذلك معي؟ أجبتها بأنها غير محجبة ولا يمكن لأهلي أن يوافقوا عليها، المهم أنني تخلقت عذرا لأهرب، وقالت لي جملة لا أنساها: بنات الناس لسن لعبة، وأضافت تقتلني: لقد كنت مثلي في كل شيء. وأنا لا أصدق ما يحدث الآن بعد تلك المقابلة، لم نر بعضنا منذ أسبوعين كانت تعاني خلالهما، بعدها بعثت لي برسالة تريد أن تراني، في البداية ترددت، ثم ذهبت فلم أصدق عيني، لقد وجدتها محجبة، نعم، وقالت إنه يعز عليها كل شيء إلا أن أتركها.

في البداية فرحت، ثم ما لبث الشك يلعب بأعصابي، قلت: لقد تحجبت من أجلي لا من أجل الله، فذهبت لأول مرة أسأل عن عائلتها فلم أسمع إلا خيرا، بل لقد تعدى الأمر ذلك، فلقد التحقت بأحد المساجد تدرس القرآن، لكنها مصرة على محادثتي بالهاتف، وهي الآن تنتظرني لخطبتها، لكن ما يقتلني هو إحساسي بالتناقض، أحس أحيانا خاصة عندما أتذكر تلك المعاصي أن زواجنا لن ينجح، وأحيانا أحس بأنها إنسانة رائعة خصوصا بعد التزامها، مع العلم أنني وهي نكثر من صلاة الاستخارة، لكن أحيانا أقول في نفسي: ما بني على باطل فهو كذلك.

 ماذا أفعل يا إخوتي في الله؟ هل أتزوجها مع علمي بما حدث، أم أتركها تواجه قدرها ولا أكون آثما على ذلك؟ بالله عليكم لجأت إليكم بعد الله.

 
 
 

 
 
 
   

كنت أتمنى لو فصلت أكثر في موضوع الحرام الذي تتحدث عنه، فهل توقف الأمر عند القبلات؟ أم أنه تخطى حدود الأسلاك الشائكة ؟ أنت تعلم ولا شك أن الفرق كبير بين من يحوم حول الحمى وبين من يقع فيه، وأنا لا أحبذ أن أستنتج ما لم توضحه فأظن سوءا، لكنني أجد من السذاجة هنا أن أتكهن أن الأمر لم يتجاوز القبلات رغم استمرار العلاقة مدة أربع سنوات، وخاصة مع عبارتك: أصلي وأفعل الحرام، ومع عبارة الفتاة: بنات الناس لسن لعبة.

على كل حال تعال لنتأمل معا هذه العلاقة التي بدأت بغطاء ما يسمى بالصداقة -على حد قولك- إذ إنني شخصيا لا أوافق على هذه الكلمة بين شاب وفتاة في سن الرغبة المتأججة، وقد لا يوافقني البعض عليها في أي سن، وقد يحبذها غيرهم في كل سن، ولكن بالنسبة لي أرى أن هذه الكلمة الرائعة والتي هي الصداقة شُوهت كما شوهت الكلمة الرائعة الأخرى ألا وهي الحب. بل إن الصداقة أروع وأمتن وأكثر استقرارا وأشد رسوخا من الحب نفسه، خاصة أنها مشتقة من كلمة في منتهى السمو ألا وهي "الصدق".

والسؤال الذي أطرحه كالعادة: أين هو الصدق في حياتنا الحالية؟ أين هو صدق العلاقة بين الشاب والفتاة في قصتك يا أخي الكريم؟

لن أخوض معك في حكايتك عن مرارة العلاقة التي تجرعتها نتيجة معرفتك بتلك الفتاة التي تقول عنها إنها في غاية الطهر إلا لأسألك: ماذا عن هذه الفتاة غير المحجبة؟ ألم تكن هي أيضا في غاية الطهر قبل أن تلوثها أنت بعد أن قلت لنفسك أو قالت لك نفسك -إذ لا فرق بينك أنت ونفسك- وداعا يا زمن الطهر والنقاء؟

 أم أن الطهر برأيك يتمثل في الحجاب الذي يغطي الرأس فقط؟

أليس الحجاب هو حجاب العفة والشرف والنبل الذي يجب أن يسربل الفكر والوجدان والسلوك؟ فلماذا تخليت عن حجابك أنت؟

ألم ترفع حجاب الشرف عندما استغللت -وهي اللفظة التي استخدمتها أنت- عواطف تلك الفتاة وحبها لك؟ ما معنى إخبارك لها بأنك تميل إليها؟ وما معنى كلامك أنك بدأت تقابلها وتقابلها حتى تأكدت أنك تمكنت من قلبها؟

معناه أنك كنت تغزل -مع كلمات الغزل التي تُسمعها إياها- حولها خيوط شباكك لتضمن وقوعها فريسة سهلة في يدك دون أن تشعر هي في أي هاوية من التلوث والخطيئة ترديها.
لكن انظر إلى الحفرة التي حفرتها لها فوقعت معها فيها.. ألم تترد معها أنت في نفس الهاوية؟!

نعم إنها فتاة ذكية ومرحة، بل ولمّاحة، خاصة أنها تدرس في كلية مرموقة، فقد أعادت إلى صدرك نفس الطلقة النارية التي وجهتها لها فقالت: لقد كنت مثلي في كل شيء.. لكنها لشدة تعلقها بك أضافت: أنا لا أصدق ما يحدث الآن.

 أما ما لا أصدقه أنا فهو المحاكمة العقلية التي تحاجّ بها نفسك في أمر هذه الفتاة، فأنت ناجح في عملك وحاصل على شهادة ممتازة، وتقول: وما الشكوى لمثلي عادة. وهذا كله دليل عقل راجح، لكن لماذا تخلى عنك هذا العقل عندما سمعت الفتاة التي أحبتك وأسلمت نفسها لك في لحظة ضعف تحت حكم الحب القاهر -سواء توقف الأمر على القبلات أم تعداها كما أسلفتُ- تقول لك: يعز علي كل شيء إلا أن تتركني، فتأتيك الشكوك: لقد تحجبت من أجلي وليس من أجل الله! فأسألك يا أخي الكريم: افرض أنها تحجبت لأجلك لأنها تريدك أن تكون زوجها، أفليست طاعة الزوج من طاعة الله؟ أليس هذا الأمر الذي التزمت به قبل الزواج دليلا على أنها مستعدة لإرضائك بعد الزواج بأن تفعل أي شيء؟

وهل تظن أن الحجاب سهل على نفس الفتاة التي لم تعتده في بيئتها خاصة إذا وصلت لسن فتاتك؟
وها هي قد التحقت بمدارس القرآن الكريم، وهذا دليل آخر على رغبتها أن تكون ملتزمة مثلك وأهلا لك لتفخر بها أمام أهلك، فما الذي -بالله عليك- تريده أكثر من ذلك؟
ولماذا لا تعينها على سلوك طريق التوبة فيكون لك من الأجر مثل ما لها؟ وأين الباطل الذي تتكلم عنه؟ لقد أصبح الباطل الحرام -وهو علاقتكما غير الشرعية مهما كانت- مستعدا للخضوع إلى الحق وهو علاقتكما في إطار الزواج الحلال، فلماذا تترك الباطل يسري في علاقتكما على هواه، ثم إذا أتاك معلنا توبته مذعنا ليكون أحق الحق تدير له ظهرك قائلا: لقد كنت باطلا وستظل باطلا ما حييت؟!

لماذا تريدها أن تحتمل لوحدها صدمة يقظة ضميرك التي جاءت على ما يبدو متأخرة دون أن يدفعك هذا الضمير الحي لإصلاح خطئك الذي استمر سنوات؟

لماذا تفكر أن تتركها مع علمك بما حدث وأنت المسؤول الأول عما حدث؟

لقد قلتُ كثيرا إن الرجل لا يغوي المرأة الطبيعية -أي التي بقيت على أصل فطرة الأنثى- إلا في حالة واحدة وهي عندما تحب المرأة، وقصتك هذه تشهد على قولي، فأنا أعرف ماذا يعني أن تحب المرأة، أما أنت فلا تعرف لأنك رجل، وشتان بين المرأة إذا أحبت وبين الرجل مهما كان مرهف الحس رقيقا!

 فالمرأة تبيع نفسها في سوق الرقيق -أي في سوق العبودية الخاص بالحب- كالجارية تحت أقدام من تحب، أما الرجل -أقصد أيضا الرجل الذي بقي على أصل فطرة الذكر دون أن تشوه- فهو المتمرد دائما على حكم الحب، وحتى إذا ما وقع في الحب لا يقع بإرادته أبدا لأنه يعلم أن الحب قيدٌ ما بعده قيد، وليس من طبيعة الرجل حب القيود، وكثيرا ما تأتي محاولاته للخلاص متأخرة جدا، بعكس المرأة التي تستعذب قيد الحب فتستسلم له طائعة، كما قالت تلك الفتاة لحبيبها:

وإني لهواك مخلصة ..             

ولعينيك فداهما عمري

وهاك يدي فقيدهما..           

بالحب، وليدم أسـري

أخي الكريم، تأكد أن الله سبحانه يرزق الإنسان على قدر نيته خيرا بخير أو شرا بشر، وأنا أشعر بحيرتك، لكنها ليست حيرة ناجمة عن إدراك عقلي صحيح، بل هي ناتجة عن شكوك ووساوس وأحاسيس خاطئة.

واعلم أنني لو وجدت في رسالتك أي شيء يدل أن هذه الفتاة قد نسجت حبال مكرها حولك لكنت نصحتك أن تتروى وتبحث وتتمهل، كما نصحت ذلك الأخ في مشكلة: "حتى حين.. ابتعد عنها تعرفها على حقيقتها"، موجودة في الجزء الثاني من الكتاب, لكنني لا أرى أي شيء مماثل هنا، فهذه الفتاة التي تصفها لنا على درجة عالية من الذكاء، كما أنها لا تعاني أي صعوبات مع أهلها، بل فهمت أن بيئتها متحررة -ولو كان تحررا خاطئا- إضافة إلى أن شخصيتك ودرجة ثقافتك مختلفة عن ذاك الأخ السائل، فهنا لا أنصحك أن تتأخر في الزواج منها أكثر من ذلك، خاصة أنك تقول: سألت عن أهلها ولم تعلم إلا خيرا، لكن فقط أنصحك أن تتفاهم معها بالنسبة لقدرتها على التأقلم مع بيئتك المحافظة التي قد تختلف كثيرا عن تقاليد بيئتها المتحررة.

وما أراه الحل المناسب هنا أن يكون الطابع لحياتكما المستقبلية ليست التقاليد الغربية أو الشرقية، إنما هو الطابع الإسلامي الحر، الذي لا يخضع إلا للقرآن والسنة، والذي يمتاز بالحكمة والمرونة حسب البيئة التي يوجد فيها دون أن يؤثر ذلك على الثوابت المقدسة.

 وعلى كل حال فالخيار عائد لك، ولكن تذكر أن يقظة الضمير تكون أكثر نفعا عندما يتم من خلالها إصلاح الخطأ، وليس أشد وقعا على المؤمن من عذاب ضميره إذا تخلى عنه الإنسان مرة إبان صحوه، لأن ألم الضمير الحي لا يسكنه أقوى المخدرات، ولا يسكنه شيء إلا إماتته، ولا أظنك ترغب في نهاية كهذه، خاصة بعد أن وصفت لنا معاناتك الناجمة عن ظن الناس الحسن بك بينما كنت تفعل الحرام. فهذا إن دل على شيء فهو يدل على مدى الصدق الذي تتميز به، ولعلها صفة من صفاتك الفاضلة الأخرى التي لم تظهرها لنا جعلت تلك الفتاة ترغب بك بهذا الشكل، فتذكر أنها هي أيضا أحسنت الظن بك وإلا لما أسلمت لك قلبها وكان ما أخذته منها تبعا لحكم ذلك القلب.

وفقك الله.. وبما أن رسالتك هي أول رسالة تصلني من بلدك الحبيب، لأنني أهوى المغرب العربي، كما أهوى المشرق العربي، فأرجو أن تتابع معنا، وخاصة أننا نفتخر بأن يكون قراؤنا ومشاركونا وسائلونا من كل بلادنا العربية، لنعلم ما يجري من تغيرات اجتماعية في بلادنا الإسلامية بعد أن وضع الاستعمار حدودا بيننا وبين إخوتنا في كل مكان، وثبتها بعض المصابين بهوس العظمة هنا وهناك، ولكنهم نسوا أو تناسوا أن الإسلام قد رفع هذه الحدود منذ أمد بعيد عندما أعلن القرآن الكريم: {إنما المؤمنون إخوة}، وبعد أن قال رسوله عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"، وجاء عصر الإنترنت ليؤكد أنه لم يعد ثمة حدود بين البشر.

وفقك الله وفي انتظار أخبارك السعيدة، والسلام عليك.

     
   
 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |