الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) الزنا وتلبيس إبليس: التوبة والغش والغشاوة

 
 
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أنا أشكر الله أنه هيأ للشباب المسلم من يرشد حيرته مع هذه الدنيا الفانية، أما بعد..
أنا شاب مسلم أدّعي أنني ملتزم، وهذا الادّعاء حدث عندما عصيت الله من كبائر المعاصي وهي (الزنا)، فقد وقعت في فخ أرجو الله أن ينوِّر قلب كل مسلم شاب قبل أن يقع في هذا المستنقع؛ لأنه لا رافع لك من هذا المستنقع إلا الله، فالموضوع ليس هنا لأنني علمت أن ليس هناك من تكفير لهذه المعصية إلا التوبة.
وأنا والله عندما أتذكر ما حصل لا أحد يعلم كم هو شعور نفسي، ولا أحد يعلم بمذلتي إلا الله، وأنا أرجو الله أن يقبل توبتي بإذنه تعالى وإلا أصبحت فعلاً من الخاسرين في الدنيا والآخرة.. اللهم تقبّل مني آمين.. يا رب إنك الغفور الرحيم "إِنَّهُ لا يَيْئسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُون". هذا الذنب قد اقترفته، وأسأل الله تعالى قبول توبتي، ولكن ما يقتلني الآن أيضًا هو أنني أعرف فتاة ملتزمة من عائلة ملتزمة وطاهرة جدًّا لدرجة أنني لا أستطيع النظر إليها، ولكن الأهل بين بعضهم البعض أعني عائلتي وعائلة الفتاة أنه يوجد نصيب بيني وبينها وهم يتكلّمون بالموضوع.
وهذا ما لا يرضيني أن أخطب وأتزوج من فتاة طاهرة وأنا شخص زانٍ.. لا غافر لذنبي إلا الله، فما يقتلني الآن هل أنا أستحق هذه الفتاة أم لا؟ وإذا كنت أستحقها هل أصارحها أم أحفر لهذا السر النجس قبرا إلى يوم الدين؟!! مع العلم أنني أعتقد أنني لن أكون مرتاحًا لغش فتاة طاهرة كهذه.
أنا أتعرض مرارًا وتكرارًا إلى فتن لا يعلمها إلا الله؛ ولهذا سأعجِّل من الزواج والنكاح الذي يرضى به الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم-، وهذه مشكلتي هي قسمان: القسم الأول أعرضه على الله ليتقبل مني إنه هو الغفور الرحيم، والقسم الثاني أعرضه عليكم أثابكم الله أراحكم من الكرب.. آمين.

 
 
 

 
 
 
   

إن الحال التي أنت فيها يا بني هي من أبواب "تلبيس إبليس" على العُبَّاد، وهو ما فصَّل فيه العلامة ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الشهير؛ ولذلك أراني مضطرة أيها الابن الكريم أن أدخل في صلب القسم الأول من المشكلة رغم أنك تعرضه على الله جل وعلا، لكن بما أنك عرضته هنا، فلا يمكن أن أتجاوزه وأنتقل إلى القسم الثاني؛ لأنك إذا لم تغير من نظرتك إلى نفسك رغم إتيانك كبيرة من الكبائر، فربما لن تستطيع تقبّل الرد على الأمر الثاني؛ إذ لا يخفى عليك علاقة أحدهما بالآخر، أي العلاقة بين المعصية التي ارتكبتها وبين حيرتك في ارتباطك بهذه الفتاة أو غيرها، فأبدأ معك بحديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام الذي ورد في الصحيحين: "بينما كلب يطيف بركية -أي ببئر- كاد يقتله العطش؛ إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها -أي حذاءها- فسقته فغُفر لها به"، والبغي كما تعرف هي من اتخذت الزنا حرفة، ومع ذلك رحمها الله برحمتها ذلك الكلب وغفر لها ، فما بالك بشاب ضَعُفَ ذات مرة أمام نفسه ، ونسي أن الله سبحانه يراه ، فغلبته شهوته ساعة من زمن، فانقلب خاسرًا، يلوم نفسه ويشعر بخنجر ضميره الحي يكاد يذبحه، ألن يغفر الله له ؟!

نعم.. جدير بالمؤمن أن يرى ذنبه كالجبل يخاف أن يقع عليه، لكن هل يبقى طول عمره وأمام غيره مستشعرًا ذنبه، أم يعرف أنه ما أتى ذلك الذنب إلا كي يتوب إلى الله فيفرح الله بتوبته كما أقسم الله –عز وجل- في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني، واللهِ لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة، ومن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه أهرول"؟ فلماذا نكون عونًا للشيطان على أنفسنا بالحالتين: حالة المعصية وحالة التوبة؟

يتميز آدم عن الشيطان أنه عصى ربه فتاب فأنزله الله من الجنة إلى الأرض ليكون خليفته فيها، أما الشيطان فعصى ربه وأصرَّ على معصيته، فطرده الله من الجنة إلى جهنم وبئس المصير، فمعصية آدم رفعته أما معصية إبليس فأهلكته، فلماذا لا نكون كأبينا آدم –عليه السلام- إذا عصينا الله تعالى؟ لماذا لا نستفيد من المعصية فنقلبها على رأس إبليس الذي أغوانا، فنصبح جنودًا من جنود الله نُحذِّر أنفسنا وإخوتنا من كيده وتربصه بهم وبنا؟ اقرأ معي هذه الآية: "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ". فهل تظن أن أهل الجنة هم من لم يأتوا ذنبًا أبدًا؟ إنهم أتوا الذنب، بل فعلوا الفاحشة، ثم تذكروا الله سبحانه بعد أن أنساهم إياه الشيطان فاستغفروا لذنوبهم، فغفر الله لهم، وأبدلهم بسيئاتهم حسنات، وتغمدهم بعفوه وكرمه، وأدخلهم نعيم جنته.
يقول حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله: التوبة بشروطها مقبولة لا محالة، وشروطها الندم والإقلاع وعدم العودة، فإذا فعلت هذا، فتأكد أن حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- يصدق فيك: "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، أي أن مثلك مثل من لم يأتِ الفاحشة، فهل انتهينا من القسم الأول؟
إذا ساورك أي شك في ما أقول فأنت لا تزال غير مقتنع ليس بكلامي أنا، بل بكلام الله عز وجل ورسوله –صلى الله عليه وسلم- وأئمة العلم كالغزالي، فهل تعدني أن تكون مؤمنًا بالله سبحانه ورسوله –صلى الله عليه وسلم-، وتتجاوز هذه المحنة التي هي مما تكرهه النفس وتعافه، لكن ربما يجعل الله فيها خيرًا كثيرًا.. إذا أحسنت الفهم، وأَرَيْتَ ربك من نفسك العزم، ونويت على طرد الشيطان من قلبك بالحزم؟
لا يكون هذا إلا بنسيانك لما أتيته، أمام الناس خاصة، فإياك أن تحدِّث أحدًا بما فعلت، وإلا فإنك من المجاهرين الذين قال عنهم الرسول –عليه الصلاة والسلام-: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح، وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه".
وهذه المجاهرة إما بسبب المفاخرة بالذنب كما يفعل بعض من لا يخاف الله تعالى، أو من باب المصارحة كما تفكر أنت، فلا تفعل؛ لأن الله سبحانه يستر الذنب ويغفره ويسامح عليه، أما العبد فقد لا ينسى، بل على العكس تثور في نفسه الظنون فيشك في أخيه –الذي صارحه بذنبه- لأقل حركة يأتيها أو كلمة يبوح بها، فلماذا تريد أن تجعل للوساوس والهواجس طريقًا إلى قلب هذه الفتاة؟ ثم ما أدراك ما فعلت هي أو غيرها؟ نحن ليس لنا إلا الظاهر، ولقد نهينا أن نزكِّي على الله أحدًا، فذنوب كل منا لو أحصاها الله عليه لهوى بها في جهنم، ويكفي قول الرسول –عليه الصلاة والسلام-: "لا يُدْخِلُ أحدَكم الجنة عملُه"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"، فهذا كلام النبي المعصوم الطاهر المطهر -صلى الله عليه وسلم-، فما بالك بأي إنسان آخر؟ ولبعض الصوفية كلام معتبر أن من حسن التوبة وكمالها نسيان الذنب، وذلك بعد شدة الندم عليه، والاستغفار منه، والعزم الأكيد على عدم العودة إليه.
إن الله سبحانه هو الذي خلقنا، وهو الذي يعلم الضعف البشري الذي يلازمنا، وكيد الشيطان بنا؛ ولذلك قال تعالى: "وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا"، فكيف إذا كان في زمن كزمننا تحيطنا شياطين الإنس والجن من كل جهة، وتحفّ بنا الشهوات والملذات الحرام من كل جانب؟
ومع ذلك فالعاقل من يتذكر أن النصر صبر ساعة، وهو بذلك يغلب نفسه بدل أن تغلبه فيحفظها من تخطي حدود الله –عز وجل-، وينتصر على شهواته بأن يصرفها في الحلال إذا استطاع، وما عزمت عليه من طلب الزواج هو أغض للبصر، وأحفظ للفرج، وأسكن للشهوة، فما عليك إلا السعي لذلك، ولعلَّ الله سبحانه يرزقك المرأة الصالحة التي تقرّ بها عينك.
صلِّ ركعتين بنية التوبة، وادعُ بدعاء سيد الاستغفار، وتضرَّع إلى الله تعالى ليغفر ذنبك ويطهر قلبك، ثم ابحث في أمر هذه الفتاة فإن وجدتها مناسبة لك، فما عليك إلا بصلاة الاستخارة، وإذا تم الأمر فلا بد أننا نسعد بسماع أخبارك الطيبة.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |