الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) لا أنام.. رب اغفر لي

 
13/8/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم، أنا فتاة نشأت في أسرة مفككة، وأبي وأمي منفصلان، وكنت على وشك الارتباط بشاب ولكن لم يتم الموضوع بسبب ذلك .

وفي هذه الفترة كنت بعيدة عن الله وعن ديني؛ وإذا بي في يوم عاد لي عقلي وصوابي، وعلمت أن الله موجود، وتبت عن كل ما فعلت من أخطاء في حق نفسي والتزمت بأصول ديني. ولكن المشكلة أني دائما أشعر بالذنب لما فعلت في نفسي، وأشعر أن الله لن يغفر لي ذنوبي.. فلا أعلم ماذا أفعل لكي أتخلص من هذا الشعور؛ فأنا لا أنام .

 
 
 

 
 
 
   

أتعرفين يا ابنتي الغالية ماذا خطر في بالي بمجرد قراءتي لرسالتك؟ إنه بيت من الشعر "وإن من الشعر لحكمة" كما قال –عليه الصلاة والسلام-، هذا البيت يقول:

عندي يقين أن رحمة خالقي **** ستكون أكبر من ذنوب حياتي

هذا البيت من الشعر وضعه الأستاذ كمال المصري–زميلنا في الاستشارات الدعوية - على مكتبه كشعار في حياته، وكتب في رسالته التي أهداني إياها مشكورا: "هكذا أحب أن أتعامل مع خالقي سبحانه، وهكذا رأيت منهج القرآن الكريم: "غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطَّوْل"، 3 ترغيبات وترهيب واحد، مغفرة الذنب، قبول التوبة، المن والعطاء؛ لأن الطَّوْل تعني المن والعطاء، وبينها شديد العقاب".
أما أنا يا ابنتي فرغم ذنوبي التي ربما بلغت عنان السماء، ورجحت على زنة الجبال، وغلبت زبد البحار فلا يخطر لي عندما أذكر ذنوبي إلا ذلك الأعرابي الذي قيل له عندما برَّح به الداء: "نخشى عليك الموت عافاك الله"، فسألهم: "إذا مت فإلى أين أذهب؟" قالوا: "إلى الله"، فقال: "فما كراهتي أن يُذهب بي إلى من لم أرَ الخير إلا منه؟!".

فكيف يا ابنتي لا تقدرين الله حق قدره؟ هو الذي أعادك إلى حظيرة الطاعة؟ فكيف لا يغفر لك ذنوبك وهو القائل سبحانه: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ}، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}؟ كيف وهو القائل في الحديث القدسي: "أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي كما شاء"؟ كيف وهو القائل: "ورحمتي سبقت غضبي"؟ كيف وهو القائل: "وأنا أرحم بكم من الأم بولدها"؟

لا يا ابنتي.. إياك أن تدعي للشيطان بابا يدخل منه إلى قلبك؛ فيؤيسك من رحمة ربك: {إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}. ألم يقل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام: "لو لم تذنبوا لخلق الله خلقا يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم"؟ لأنه لو لم نذنب لظننا أننا أصبحنا ملائكة، ولظننا أننا تمردنا على بشريتنا، فكيف نظهر ضعفنا لخالقنا ونحن لا نشعر أننا بشر؟ ألم يقل عليه الصلاة والسلام: "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"؟ هل فهمت القول: كل ابن آدم؟ وهذا معنى ما يقوله الشافعي -رضي الله عنه-: "ليس من مسلم يطيع الله ولا يعصيه، وليس من مسلم يعصي الله ولا يطيعه.. فمن غلبت طاعته على معاصيه كان عدلا".

ورحم الله ابن عطاء السكندري إذ يقول: "رُب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا"؛ فالمعصية إذا كانت سببًا للعودة إلى الله وأداة للتذلل له ربما رفعت صاحبها أكثر ممن لم يعصه، بل على العكس قد تقود الطاعة إلى الهلاك إذا رافقها الكبر والعجب بالنفس.
وأذكر لك لتطمئني ما كتبه العالم الرباني حجة الإسلام الإمام "أبو حامد الغزالي" في كتابه الإحياء تحت فصل: "التوبة إذا استجمعت شرائطها فهي مقبولة لا محالة"، وذكر مثالا لمن يتوهم أن التوبة تصح ولا تقبل كمن يتوهم أن الشمس تطلع والظلام لا يزول، والثوب يُغسل بالصابون والوسخ لا يزول. وذكر حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام-: "لو عملتم الخطايا حتى تبلغ السماء ثم ندمتم لتاب الله عليكم".
وأما شروطها فهي مبيَّنة في هذا القول: "الذنوب هي الداء والاستغفار هو الدواء، وأن تتوب فلا تعود هو الشفاء".

إذن من شروط التوبة الإقلاع عن الذنب والندم وعدم العودة، فإذا كنت كذلك فلمَ القلق؟ اغتنمي توبتك وعودتك إلى الله بأن تعرفيه حق المعرفة سبحانه، واقتربي منه واسأليه الإخلاص لوجهه الكريم وأحبيه؛ لأنه هو الذي أنعم عليك بالرجوع إليه، ولعل معرفتك بالذنوب تساعدك أن تأخذي بيد غيرك فلا يقع بها، وابتهلي بهذا الدعاء: "اللهم إنا نسألك توبة سابقة منك إلينا لتكون توبتنا تابعة إليك منا، وهب لنا التلقي منك كتلقي آدم منك الكلمات ليكون قدوة لولده في التوبة والأعمال الصالحات، وباعد بيننا وبين العناد والإصرار والشبه بإبليس رأس الغواة، واجعل سيئاتنا سيئات من أحببت، ولا تجعل حسناتنا حسنات من أبغضت؛ فالإحسان لا ينفع مع البغض منك والإساءة لا تضر مع الحب منك.

اللهم إنا نسألك لسانا رطبا بذكرك وقلبا منعما بشكرك، وبدنا هينا لينا لطاعتك، وأعطنا مع ذلك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، كما أخبر به رسولك صلى الله عليه وسلم.
رب هاأنا أَمَتُك إن تعذبني بجميع ما علمت من عذابك فأنا حقيقة به، وإن ترحمني مع عظم إجرامي فأنت أولى بذلك وأحق من أكرم به، فليس كرمك مخصوصا بمن أطاعك وأقبل عليك.. بل هو مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك، وليس من الكرم ألا تحسن إلا لمن أحسن إليك وأنت المفضال الغني.. بل من الكرم أن تحسن لمن أساء إليك وأنت الرحيم العلي، كيف وقد أمرتنا أن نحسن إلى من أساء إلينا فأنت أولى بذلك منا، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين".
ابقي معنا يا ابنتي، واعتبرينا هنا أهلك، ويسعدنا أن تتواصلي معنا، ولعلك ترجعين إلى الردود على المشاكل التالية:

ملكوت السماوات أم أسفل الدركات
كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون

ففيها ما يفيدك إن شاء الله، والسلام عليكم.

     
   
     

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |