الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) العواطف المثلية المشبوبة

 
20/2/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذه استشارة حول موضوع "الحب ليس بين الجنسين" بل هو حب بمعنى آخر، وليست غايته مادية أبدا، بل يشبه التعلق الشديد من الطفل بأمه.
أنا مدرّسة لمواد التربية الإسلامية في إحدى مدارس الثانوي الشرعي، هذه المدرسة تدرّس العلوم الشرعية بتفصيل أكبر مما عليه الحال في المدارس الحكومية . وقد انتشرت ظاهرة محبّة الطالبة لمدرّستها انتشارا كبيرا وبشكل عنيف أيضا، لا أقصد أن العنف وصل إلى مرحلة المشاجرات المؤذية، ولكن العنف العاطفي، فإذا لم تر الطالبة مدرّستها التي تحبها فإنها "تتعكر" ولا تحسب هذا اليوم من عمرها.
وتحب الطالبة مدرّستها بشكل جنوني، أي أن المدرّسة لا تفارق خيالها، ولا تستطيع الطالبة الابتعاد
عنها، وإذا انقطعت العلاقة بينهما تقع الفتاة فريسة للاكتئاب النفسي.
والحقيقة أنني واقعة في مثل هذه المشكلة، ولا أعرف كيف أتصرّف؛ فأنا من جهة أخشى إن شددت على الطالبات أن يؤدي ذلك إلى مشاكل نفسية عندهن، وأخشى إن أبقيت العلاقة قائمة أن أكون مدمّرة لشخصية هذه الطالبة التي يجب أن أعطيها مجالا لتنمو مستقلة ومتفرّدة لا أن تكون نسخة مني. وكذلك أخشى أن تقع هذه الفتاة في "الشرك" حين أكون أنا الماثلة في ذهنها دائما وليس الله عز وجل.
وفي الواقع لقد تحدّثت إلى واحدة ممن يعانين هذه المشكلة من الطالبات، وأبلغتها بقراري قطع العلاقة معها، وبيّنت لها مبرراتي التي ذكرتها لكم، مع العلم أن هذه الفتاة قد جاوزت العشرين عاما، ولا تزال متعلّقة بي كثيرا. لقد رفضتْ وبعنف هذا القرار، واعتبرته حكما عليها بالإعدام، ولكنني صممت على اتخاذ هذا الموقف.
والآن أخشى أن أكون قد أخطأت في هذا التصرّف، وأخشى كذلك أن تكون العاقبة غير جيّدة.. فماذا أفعل ؟ أرجو أن ترشدوني إلى الطريقة المثلى للتعامل مع هذه الظاهرة، وإن كان بالإمكان تفاديها فكيف ؟
وجزاكم الله عنا كلَّ خير.

 
 
 

 
 
 
   

أشكرك على فتحك لهذا الملف الصعب، فقليل جدا من المعلمات من ينتبهن لهذا الفخ المنصوب لهن؛ إذ يمنعهن حب النفس والإعجاب بها وحب الشهرة والجاه من تحري الخطأ في هذه العلاقة بين المعلمة والطالبة, كما أن كثيرا من الفتيات من يخرجن عواطفهن بهذا الشكل الخاطئ لأنه ليس لها منفذ آخر.

وأصارحك يا أختي أن المشكلة ليست في القلوب والعواطف فقط، ولو كانت كذلك فما أحلاها وما أروعها لأنها تكون داخلة تحت بند المحبة والأخوة في الله، لكن ما تصفينه بعيد كل البعد عن ذلك، فليس تصرف هؤلاء الفتيات نابعا عن حب في الله بقدر ما هو ناجم عن فراغ عاطفي هائل في سن تكون العواطف فيه متأججة إلى الحد الأقصى, والواقع الأكثر إيلاما هو عندما تختفي خلف هذه المشاعر رغبات جنسية مكبوتة وإن أخذت هذا الشكل العاطفي.
ولو أحببت أن تري مصداق كلامي فاسمحي لواحدة من هؤلاء التلميذات بأن تعبر لك عن حبها برسالة، ويمكنك أن تقرئي الكمّ الهائل من العواطف وتعابير الغزل كما لو أن الرسالة من شاب لفتاة. وأنا أقول هذا من واقع التجربة والخبرة وليس من فراغ؛ فقد قدر لي أن أدخل السلك التعليمي وكان لي صديقة معلمة تمتاز إلى جانب تدينها وأخلاقها بجمال لافت للنظر, فباحت لي بمشكلتها مع بعض طالباتها اللواتي يعجبن بها إعجابا مبتذلا, ففي المدرسة يقفن على أبواب الفصول منتظرات مرورها ليسمعنها كلمات الحب والإعجاب, وكانت إحداهن تلاحقها في البيت بالمعاكسات الهاتفية والرسائل الغرامية, وأطلعتني على تلك الرسائل فإذا بها من عاشق إلى معشوقه, وبدون ذكر اسم المرسل طبعا, وهو ما أوقع صديقتي في حرج كبير مع أهلها الذين ظنوا أن لابنتهم علاقة غرامية مع أحدهم.
سبب هذا الحب الجنوني – على حد تعبيرك-  هو الكبت الذي تعاني منها الفتاة في هذه السن التي تتصاعد فيها العواطف والغرائز إلى أعلى مستوى. والمقصود بهذا الكبت هو إنكار الفطرة التي فطرها الله في عباده من حب الذكر للأنثى وميل الأنثى للذكر.

وإنه لشيء يثير الشفقة وضع المراهق والمراهقة اللذين يشعران بعاطفة تجاه شخص ما من الجنس الآخر, ثم يأتي من يخبرهما أن شعورهما بالحب حرام, وأنا أذكر ما ورد عن بعض الفقهاء – أ, الفقيهات- , فقسم الحب إلى حب مشروع وهو الحب بين الزوجين أو حب الأهل أو حب الولد, وأما غير ذلك فهو حب غير مشروع, فمن أين جاء بهذا الكلام؟ والحب ما هو إلا شعور قسري لا إرادة للإنسان فيه فكيف يحاسبه الله عليه؟ نعم من الأفضل ألا يقع الفتى أو الفتاة في الحب كي لا يشغلا عما هو أهم, لكن هل نقول لمن وقع في الحب أن شعورك هو الحرام أم نقول له إن تصرفاتك الخاطئة التي يقودك إليها هذا الشعور هي الحرام؟

 تكثر هذه الحالات في المجتمعات التي تعتبر الاختلاط حراما حتى لو تم بشروطه وضوابطه، وخاصة إذا كانت الفتاة تنظر إلى الجنس على أنه إثم يجب التطهر منه، كما ترى الحب نوعا من الجنس لا أقل ولا أكثر.. فأين تفرغ الفتاة شحناتها العاطفية ورغباتها الجسدية؟ لا بد أن تجد أنثى مثلها سواء كانت معلمة أو صديقة لتغدق عليها عواطفها لكن بشكل خاطئ. وإذا استطاعت التنفيس عن غرائزها حتى ولو بالعناق والقبل فلن تتأخر. والطامة الكبرى تحصل عندما يتم التعبير عن هذا "الحب في الله!"، بشيء العنف العاطفي كما وصفته أنت, وهو أشد درجات الغلو في العاطفة ولا ينجم إلا من الضغط أي الكبت الذي يولد هذا الانفجار العنيف.

وعلى كل حال وتجنبا للتعميم الخاطئ فإن للحب في سن المراهقة تفسير نفسي وهو: ميل الفتاة لمن تعتبره مثلها الأعلى. وكثيرا ما يتم عدم التفريق بين كون هذا المثل الأعلى رجلا أو امرأة، لكنني أعتقد أن استمرار هذه الحالة من الشذوذ العاطفي إلى ما بعد سن العشرين يتضمن خطرا كبيرا؛ لأنه في هذه السن تسيطر الرغبة على الفتاة أكثر من العاطفة, لذلك أرى أن الحل الأنسب في رأيي لهذه الفتاة التي تتكلمين عنها هو الزواج السريع, ولعل حبها المشتعل هذا يصبح أثرا بعد عين، وسرابا بعد ماء عندما يظهر فارس الأحلام المنتظر.
بالطبع يُخشى من ردود فعلها الخاطئة على إصرارك في قطع العلاقة؛ فقد تتجه إلى طريق آخر غير طريق الدين وهناك ستجد من تفرغ عواطفها وغرائزها لديه سواء بشكل طبيعي أو شاذ. وربمل يمكنك أن تلجئي لشخص متفهم من أهلها ليساعدك؛ إذ يصعب أن يصغي إليك عقلها بعد أن شغلتِ عواطفها، فلن ترى فيك إلا الحبيبة التي يجب عليها أن تتقبل منك أي شيء ما عدا أن تطلبي منها أن تعود إلى رشدها، لكنني أخشى أن أغلب هؤلاء الفتيات لا يدرسن الدين برغبتهن، بل إما بسبب المعدل المنخفض، أو هن مدفوعات من قبل الأهل؛ وفي هذه الحالة يصعب التفاهم مع الأهل لمحاولة حل المشكلة, ولذلك أنصحك باللجوء إلى معلمة أخرى، لكن بشرط أن تكون قادرة على تفهم حرج هذه العلاقة، ونفسية هذه الفتاة المريضة، ومناقشتها منطقيا بأن من يستحق الحب الكامل هو الله سبحانه وليس بشرا ضعيفا.
أما بالنسبة للطالبات الأخريات فحاولي أن تعلميهن مبدأ التسامي، وهو التنفيس عن العواطف والغرائز بجهد روحي أو عقلي أو قلبي أو جسدي، يستنفد هذه القوة المدّخرة، ويخرج هذه الطاقة المحبوسة، بالالتجاء إلى الله سبحانه، والاستغراق في العبادة، وبشغل أنفسهن بكل ما يفيد دينا ودنيا، بالتفرغ للدراسة والمطالعة، أو بممارسة فن محبب كرسم المناظر الطبيعية أو نظم الشعر، أو إفراغ الجهد الجسدي بالرياضة والتربية البدنية.
وهذا التسامي هو مسكن مؤقت للعاطفة والشهوة، لكنه مسكّن قوي له كبير النفع والتأثير. كذلك حاولي ربطهن بالعقيدة الربانية الصحيحة، وربيهن على مراقبة الله في السر والعلن، وابدئي بدروس العلم التي تهتم بالأخلاق والآداب خارج أوقات الدراسة ولو مرة واحدة في عطلة نهاية الأسبوع، لأنني أعتقد أن المنهاج الذي يدرس في هذه المدارس الشرعية يصول ويجول فقهيا وعقائديا, ولكنه ليس على المستوى نفسه أخلاقيا وأدبيا.

ضعي لهن برنامجا يوميا يقوي الوازع الديني لديهن، يمارسن فيه الشعائر الدينية المختلفة من صلاة للنوافل وخاصة قيام الليل والتهجد والناس نيام، والمواظبة على قراءة جزء من القرآن يوميا، والاستمرار على صيام المندوب والتطوع، وذكر الله بشكل يومي بالأذكار الواردة والمعروفة صباحا ومساء، وقراءة أخبار الصحابة والصالحين، ومطالعة الكتب التي تجمع بين الفكر والقلب، لعلهن يحسنّ فهم دينهن بالشكل الصحيح.
ولا حرج مبدئيا أن تتابعي هذا البرنامج بنفسك، لكن يجب أن تكوني قدوة لهن في كل شيء في العبادة والأخلاق والمعاملة؛ لعلهن بعد ذلك يتحولن إلى طلب رضا الله في النهاية ولو كانت غايتهن رضاك في البداية، فلا بد في هذه السن من التعلق بأحد، وأن يتعلقن بك وأنت رمز ديني في نظرهن، خير من الانحراف لا سمح الله.
وفقك الله وتابعينا بأخبارك، ولعلك تتكرمين علينا وتعلمينا بالنتائج.

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |