الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) أفيدونا: ما سبب واقعنا المتخبط؟

 
14/7/2002
 
 
 
 
 

المشكلة هي أني أرى كل المشاكل التي يواجهها الشباب من خلال الموقع عبارة عن مشاكل حب وغرام، ومشاكل اختلاط في التفكير وتقدير حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الشاب أو الشابة.
أعاود السؤال: ما هذا التخبط الذي يعيشه الشباب في خضم كل المتغيرات التي يواجهها المجتمع المسلم والمجتمع العربي؟ ما سبب تفاهة التفكير ودونية الأهداف حتى من قبل الرجال منهم والنساء وليس الشباب فقط؟ هل هذا مدبر ومخطط له أم أننا لا نفهم واقعنا بالصورة المطلوبة، أم أنني أنا المتخلف وسط إخواني من الشباب؟ وهل لتلك الأهداف المتدنية المستوى حل؟ وهل يشغل الشاب مشاكل المجتمع المسلم ثم يعيها جيدا ثم يفكر في كيفية حلها؟ أفيدونا أفادكم الله، وجزاكم الله خيرا.

 
 
 

 
 
 
   

يا صديقنا العزيز، إذا نزعنا من هذا الكائن الحي الذي هو الإنسان صورة اللحم والدم الظاهرة في الجسد نرى أن الكيان الإنساني يتكون من العقل والقلب، وهما ما يميزانه عن باقي الكائنات الحية الأخرى، فبهما تتحقق إنسانية الإنسان، ولولاهما لما كان للإنسان تطوره التاريخي، ولما كان أساسا أهلا لحمل الأمانة التي هي خلافة الله سبحانه في الأرض.
إذن ما دام لدى الإنسان عقل يفكر وقلب ينبض فلن تخلو حياته من مشاكل، ومما يؤكد على حتمية ظهور المشاكل.. ما سميته أنت بالمتغيرات، فلو أن حياة المرء منا ثابتة على حال واحدة لما ظهرت المشاكل ولاعتاد الإنسان على طريقة معينة في الحياة، ولكن الحياة تكره السكون وتتناقض مع الجمود. وبما أن الشباب فيه سر الحركة وطاقة الحيوية ودفقة التجدد فإن مشاكل الشباب أكثر منها في أي عمر آخر.أما التخبط الذي تتكلم عنه فليس من الإنصاف أن نشير للشباب بإصبع الاتهام ونقول إنهم المسؤولون عن هذا التخبط، فهل وجد الشباب أمامهم الطريق ممهدا لفهم هذه الحياة المعقدة كما يجب، ومع ذلك اختاروا الطرق الفرعية الملتوية؟ أم هل رأوا أمامهم القدوة الذي يدلهم على الطريق الصحيح في حلكة هذا الليل المظلم فأداروا له ظهورهم وشرقوا وغربوا كما يحلو لهم؟ أم هل تمت حمايتهم من الغزو الفكري والثقافي القادم من الغرب، الذي يعلي قيم المتعة والمادة على حساب قيم الحق والخير والفضيلة، ومع ذلك استمروا في جهلهم وضلالهم؟
هذا الوضع الذي لا يحلو لك هو نتيجة سنوات طويلة من التخلف والجهل الذي زرعه الاستعمار في بلادنا، إضافة إلى انتشار الأفكار المعاصرة الهدّامة في جيل الآباء وما زال هدمها مستمرا في الأبناء، زد على ذلك قيام بعض الديكتاتوريات هنا وهناك كان هدفها سحق شعوبها واستعبادها، وهو ما أدى ببعض الحركات الإسلامية إلى التصرف بطريقة رد الفعل وهي الطريقة التي أثبت التاريخ فشلها في مسار كل الحركات الإصلاحية، وهذا ما زاد في تعنت تلك السلطات الديكتاتورية وأدى إلى تراخي المسلمين وتكاسلهم وإهمالهم للوظائف التي كان من الواجب عليهم ألا يتخلوا عنها، إلى غير ذلك من أسباب لا تعدّ ولا تحصى.
فماذا عساي أن أقص عليك في هذه العجالة من مآسي أمتنا؟
وهل يزول تأثير هذه المآسي بين عشية وضحاها؟
إذا كانت الشجاعة تتطلب منا مواجهة أنفسنا بأخطائنا، وهو ما يسمى بالنقد الذاتي، فيجب أن يكون هذا النقد موضوعيا، فلا نحكم على النتائج بدون النظر في الأسباب، ولا نتهم الأبناء بما جنت أيدي الآباء، ولا نعمم الأحكام فنقول إن مشاكل الشباب كلها تفاهات في التفكير ودناءات في الأهداف، مع أن أغلبها ليس كذلك.
فهل إذا فكر الشاب في الزواج يكون هدفه دنيئا؟ وهل إذا اشتكى أنه عرضة للمثيرات من كل حدب وصوب يكون كاذبا؟
وهل إذا سألت الفتاة عن مشكلة عاطفية تؤرقها تكون هذه الفتاة تافهة؟
أليس هذا الشاب وتلك الفتاة مخلوقين من كثافة التراب كما أنهما معجونين بماء الروح؟ هل تريد من الناس أن يتحولوا إلى ملائكة؟ أم تريد أن ينسى الشاب مشكلته الملحّة ليحل مشاكل مجتمعه؟
أين دور القادة والحكام والوزراء والمثقفون والمصلحين إذن؟
وإذا كان من لطائف تراثنا أن صلاة المتزوج أفضل من صلاة العازب؛ لأن نفس المتزوج أكثر استقرارا.. فلماذا تريد أن تقلب الأمور؟ كيف بالله عليك يستطيع شاب أنهى دراسته الجامعية ولم يجد عملا يكفي به نفسه.. أن يفكر في حل مشكلات غيره بينما مشكلته جاثمة على قلبه كالصخر؟؟!!
ثم إن المشاكل التي تأتينا على أنواع مختلفة وليست كلها حبا وغراما أو شهوة وانتقاما! هناك مشاكل على مستوى الفرد نتيجة خلل في تربيته ومعاناة في طفولته، أو نتيجة عدم تدريبه على التفكير السليم أو حتى لأن الله سبحانه لم يهيئ له من عقله ما يساعده على حل مشكلته.
ومشاكل أخرى على مستوى الأسرة، وهذه قلما تخلو منها أسرة صغرت أو كبرت لاختلاف الأمزجة والطباع والعادات والبيئات، إضافة إلى سوء الاختيار ونقص الوعي وهلم جرا.. والأقل منها مما يرد إلينا: مشاكل على مستوى المجتمع، وهذه لا بد منها لاختلاف المصالح وتنوع الرؤى، وهو من سنن الحياة المبنية على التنوع والتعدد.
فماذا يفعل أصحاب هذه المشاكل؟ ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: "إنما الأمور ثلاثة: "أمر تبين لك رشده فاتبعه، وأمر تبين لك غيه فاجتنبه، وأمر اختلف عليه فرده إلى عالم"؟ فهل تتخيل الكمّ الهائل من الأمور المختلف عليها في عصرنا هذا؟ تعال معي واحسُب إذا سمحت: لنفرض أنه عندما ظهرت المذاهب الفقهية الأربعة كان عدد المسلمين 50 مليونا – مع أنهم كانوا أقل من ذلك بكثير على ما أعتقد – والآن عدد المسلمين 1200 مليون، فإذا حسبنا بطريقة النسبة والتناسب لوجب أن يكون لدينا 120 مذهبا فقهيا على الأقل! هذا إذا كانت المسائل فقهية في الدين، فكيف إذا كانت المشاكل نتيجة غياب الدين كما هو حالنا الآن؟!
قلت ذات مرة: ما دام الانفصال موجودا بين الفكر والثقافة من جهة وبين الأخلاق والسلوك من جهة أخرى فالمشاكل لها أول وليس لها آخر. وأضيف هنا: ما دام هناك خصام بين المثقفين المصلحين وبين الحكام المتسلطين فلا حل لمشاكلنا.
نأتي إلى سؤالك: هل هذا أمر مدبر ومخطط له؟ جوابه: نعم يا سيدي الكريم، خطط له منذ زمن بعيد، فيكفي بالمأساة التي لحقت المسلمين في هدم الخلافة الإسلامية ضربة قاصمة، ويكفي بإسرائيل خنجرا في خاصرة العالم العربي المسلم خطة هادمة، ويكفي بخلق عقدة في نفوسنا كتفوق الغربي علينا هزيمة لازمة!
هل تعلم ماذا فعل الاستعمار في بلادنا؟
سأعطيك بعض الأمثلة:
عندما احتلت بريطانيا العراق كان نسبة الذين يشربون الخمر 1%، وعندما غادرته أصبحت النسبة 25%.
عندما دخل المستعمر الفرنسي بلاد الشام كسوريا ولبنان كان عدد الطوائف المسلمة لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، وعندما خرج منه كان العدد أضعاف ذلك!
طبعا قد لا يخطر في بالك مدى انحراف هذه الطوائف. لكن كمثال هناك طائفة يحق - عندها - للأخ أن ينكح زوجة أخيه متى يشاء! وهناك طائفة أخرى يختلي الرجال والنساء عراة في ليلة معينة ويقع كل واحد على واحدة في الظلام وقد تكون ابنته أو أخته أو أمه!
هل تريد أن أذكر لك ماذا فعل نابليون بونابرت عندما دخل مصر؟
هل تصدق أن أحد رواد حركة الإصلاح الديني في مصر نفسها في ذلك الوقت أو بعده بقليل أنكر ظاهرة الوحي نتيجة أفكار نابليون بعرض كل شيء على العلم قبل التصديق به؟
هل تعرف كم عدد المساجد التي حُولت كنائس في عهد الاستعمار الفرنسي عند احتلاله لبلاد المغرب العربي؟
هل تعرف أن أكثر الإخوة الجزائريين في ذلك العهد لم يكونوا يتقنون اللغة العربية لغة القرآن كما يتقنون الفرنسية؟
وبما أنك من بلد الكنانة فهل يخفى عليك ما حمله الإنكليز إلى بلدك من عادات وأفكار ما زال أثرها إلى الآن؟
هل تراك لم تر فيلما من أفلام الأسود والأبيض التي أنتجت في ذلك العهد؟ أم لم تقع يدك على قصة من قصص الجيب التي كانت تنشر تحت اسم روايات اليوم؟
وإذا لم تكن تعرفها لصغر سنك فما عليك إلا أن ترحل إلى الشواطئ لترى المناظر الفاضحة، أو ادخل أي ملهى لترى ما يضرك ولا يسرك!
ثم هل تعلم ماذا فعل أعداء الأديان كي ينتصر الشر في العالم على الخير ليكملوا المؤامرة التي بدأها إبليس على آدم عليه السلام؟
لقد كانوا كالأخطبوط: رأسه وعقله المدبر في مكان ولكن أذرعه وأرجله في كل مكان؛ فنشروا أفكار فرويد في الجنس، وأفكار دارون في أصل الإنسان واصطفاء الأنواع، وأفكار لينين في الإلحاد والشيوعية، وأفكار ماركس في الحتميات التاريخية، وأفكار سارتر في الوجودية، وأفكار بسمارك في القومية، وأفكار ميكيافيلي في السياسية…
إلى آخر ذلك من الأفكار الهدامة التي انتشر تأثيرها من الغرب إلينا بحكم أن الضعيف يقلّد القوي، وامتدت السرطانات الفكرية في الجسم العربي الإسلامي بأسرع مما يتصور، وما ذاك إلا بسبب إصابتنا أساسا بداء فقد المناعة المكتسب (الإيدز) الثقافي والفكري والحضاري. وسبب ابتلائنا به هو أن الله سبحانه حين فضلنا على الناس أجمعين ومنّ علينا نحن العرب فأنزل القرآن بلغتنا وجعلنا حملة لواء رسالته.. نبذنا القرآن وراء ظهورنا واشترينا به ثمنا قليلا، وتنكرنا للنعمة، وركنا إلى الدنيا فأصبحت حالتنا كما ترى، وهذا ليس مؤامرة ولكن قصور منا.
إذن حالنا هذا مخطط له، ولكنه لا يخرج عن السنة الإلهية: "ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير". وهذا الحال إما أن نشجعه نحن ببقائنا عليه واستساغتنا له، أو أن نرفض ذلك ونبدأ بتقوية مناعتنا دينيا ودنيويا وإيمانيا وعقليا، ولا مبرر لوجود حال بين الحالين. أي أن من يندب ويشجب ويستنكر الحال دون أن يبدأ بإصلاح نفسه ثم إصلاح غيره فهو من المذبذبين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وقد قال الله سبحانه: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
إذا كنت مهتما بالنقد الذاتي فأرجو أن تعود إلى مشاركتي في الاستشارات الدعوية : الناس مشغولون بكأس العالم .. في النقد الذاتي .. مشاركة ، ففيها تكملة قد تفيدك لتعرف بحق أين هي أخطاؤنا القاتلة التي ما زلنا نصرّ عليها، وكيف أن تلك المبادئ الهدامة التي أثبتت عدم صلاحيتها ما زالت تنتشر بيننا كانتشار النار في الهشيم.
على كل حال أعتقد أنه رغم حلكة الليل التي نعيش فيها فإن أنوار فجر قريب توشك بالبزوغ، ولا بد بعد كل غروب من شروق جديد، ولا يمكن أن نسمح لليأس أن يدخل نفوسنا: "إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" ولا ننسى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "الخير فيّ وفي أمتي إلى يوم القيامة"، وقوله: "أمتي كالمطر لا يعرف أوله خير أم آخره".
ولعل شيئا واحدا هو ما يجعلني متفائلة وهو وجود هذه الأداة بين أيدينا، ألا وهي الإنترنت، فرغم مساوئها يجب أن لا ننكر أنها تساعدنا في تواصلنا على الحق، بل علينا أن نشكر الله سبحانه الذي سخرها لنا، إذ إنني أعتقد أن صفحتنا هذه بالذات هي في كثير من الأحيان بمثابة نجدة وإغاثة لإخوتنا الشباب وأخواتنا الشابات، الذين لا يوجد من يُصغي لهم لا في أسرهم ولا في مدارسهم ولا في جامعاتهم ولا في أعمالهم ولا في المساجد ولا في غيرها، فيكفي أن يجدوا فينا الأذن الصاغية والقلب المحبّ والعقل المنفتح "ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون".
وبما أن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام أوصانا فقال: "من لم يشكر الناس لم يشكر الله" أجد من الواجب أن أشكر مؤسس هذه الصفحة الأخ الدكتور أحمد عبد الله الذي كان أسبقنا إلى الخير، واستطاع أن يضع حجرا مهما في صرح هذا الموقع فجزاه الله خيرا عنا وعن الجميع.
أختم بكلمة أخيرة:
أيها الصديق العزيز، ليس عيبا أن يشعر الشاب أن لديه مشكلة، ولكن الخطأ أن يظن أن لا مشكلة لديه فلا ينتبه لأخطائه الشخصية، ولذلك أصارحك أنني استغربت أن تكون حاصلا على البكالوريوس وتنتقد غيرك من الشباب بينما رسالتك حافلة بالأخطاء اللغوية والإملائية.
أرجو أن تكون رسالتك القادمة إلينا أوضح في معانيها، وأصوب في لغتها، وأكثر تركيزًا في موضوعها، وأهلاً بك دائمًا.

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |