الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) شكوى البنات من الآياء.. أريد أن أتعلم وأن أتزوج

 
9/7/2002
 
 
 
 
 

السؤال الأول:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة أقدمها للأساتذة العاملين في هذا الباب الذي له أكبر النفع في حل العديد من المشكلات التي يواجهها شباب هذه الأمة .
لقد ترددت في البداية في طرح مشكلتي عليكم، لكن صديقتي نصحتني بذلك؛ لأنني -كما تقول- لن يفهم تشخيص حالتي إلا أصحاب الاختصاص.
تكمن مشكلتي منذ 3 سنوات، فقد كنت متفوقة جدا في الثانوية العامة، وحققت معدل امتياز، وقد كان ذلك كله بفضل تشجيع والدي الذي كان يدعمني دائما ويعدني بإكمال دراستي الجامعية؛ حيث إن الدراسة كل حياتي.. ولم أنشغل بما تنشغل به الفتيات في مثل عمري من لهو ولعب وتبرج.. الخ.
بدأت الصدمة بعد أن أنهيت الثانوية؛ حيث لم أدخل الجامعة على الرغم من تأكدي أن والدي كان قادرا أن يفعل لي شيئا كالحصول على منحة أو إكمال دراستي.. لكنني صدمت حين وجدته غير مهتم فأصبت بإحباط شديد. ورغم إلحاحي فإن أبي لم يستجب لي، وكان ذلك بمثابة الصدمة لي؛ فهو يهتم فقط بدراسة أخوي الكبيرين الجامعية، ونسي أن هناك من تعاني ليل نهار من جراء الفراغ الكبير الذي عانيته.
هذا عوضا عن نظرات الناس لي بالدونية فبناتهم اللاتي كن كسولات سيتخرجن العام القادم وأنا من كانت متميزة والأولى في صفها دوما لا تفعل في حياتها شيئا، غير أني لم ألتفت لهذا الكلام؛ فأنا أعقل من ذلك، فبعد أن كنت فتاة لا تلهيها إلا الدراسة أصبحت لا أعرف كيف أقضي وقت فراغي الكبير في المنزل.
لكنني والله يشهد على ذلك لم أنجر إلى ما تنجر إليه الفتيات، فخرجت للعمل لأعول نفسي، غير أنني فوجئت بأن والدي يريد أن يكون راتبي كله للمنزل وليس لي لصغر سني، ولم أرفض بل رحبت؛ لأنني أحب العطاء، بل كنت فرحة جدا بأنني وجدت أخيرا ما أشغل به وقتي.
ولكن بعد سنتين فُصلت من العمل؛ لأن هناك من تحملن شهادات جامعية وعالية ويستحققن الوظيفة أكثر مني.. فلم أيأس بل توكلت على الله وبحثت عن عمل مرة أخرى ولكن لم أجد؛ إذ إن الجميع يريد شهادة فحاولت أن أدرس بالانتساب متحججة بمسؤولياتي الكثيرة، لكنها شهادة غير معترف بها!! فرجعت وعرفت أن بيت القصيد هو التطور وإكمال الدراسة.
ورجعت إلا إحباطي مرة أخرى من بعد العمل، وحاولت أن أناقش الوالد، وكلما أردت مناقشته قال لي: (لاحقا). لا أدري لماذا تغير موقف الوالد من مشجع إلى هادم؟ لا أدري لماذا لم يعطوني من جهدهم ووقتهم ؟ فأنا على قدر عال من الذكاء والحمد لله، كان ينتظرني مستقبل رائع لو أنني استطعت أن أكمل دراستي، حتى إنني كنت أطمح للدكتوراه!.
لماذا لم يخبروني من قبل أنهم لا يريدوني أن أكمل؟ على الأقل حتى لا أكون بكل هذا الأمل! وكنت قد هيأت نفسي لذلك؛ فأنا قنوعة جدا والحمد لله، لكن الهدم بعد شدة التشجيع جعلني محبطة.
غير أني مررت بمشاكل أخرى منها مشروع خطبة فاشل؛ لأن أبي رفضه لأنه أقل جمالا مني!! فتأثرت وبكيت ولا يأبه بي أحد! فأوكلت أمري لله.
إنني لست فتاة مراهقة، إنني أقدر واقعي وأحمد الله على كل شيء، كما أنني أكتب الشعر، ولي مواهب عديدة لم يشجعها أحد، ولكنني أيضا لم أعترض؛ فأنا أمارسها لأسعد نفسي فقط.
مؤخرا صرت لا أشعر بالسعادة أبدا، وأيضا ما يحصل في أرض فلسطين أحبطني بزيادة؛ فأنا لا أشعر أن هنالك أملا في هذه الحياة!! أبدا ليس لأنني من النوع اليائس، لا والله، ولكن بسبب كل ما حصل معي.
إن الموت بعزة وكرامة أشرف من الذل الذي تعرضت له منذ 3 سنوات، وأشرف من الوضع الذي يعيشه إخواننا هناك.
إنني أقرأ الكتب وأحاول قدر الإمكان شغل وقتي، لكنني أملك من الطاقة الكثير.. أين أذهب بها؟!
إن القراءة والكتابة وما إلى ذلك لا يملأ وقتي بما يستنفد هذه الطاقة.
أتمنى أن لا أكون قد أزعجتكم بما سبق، ولكنني بحاجة إلى حل أو نوع من حل على أقل تقدير

السؤال الثاني:

أنا امرأة في الثانية والأربعين من عمري، ولم أتزوج حتى الآن بسبب تعنت أبي شديد الثراء؛ الذي يعتقد أن كل من يطلب يدي طامع في ماله.
باختصار شديد: لجأت إلى العادة السرية منذ كنت في الثالثة والعشرين، وأشعر منذ البداية بالإثم والخزي، ولا أستطيع التوقف. اعتمرت، وحججت، وعاهدت الله ألا أعود، لكنني عدت ثانية.
أريد منكم أن تخبرونني: هل أنا مذنبة وعاصية وسأحترق في جهنم؟ هل ذنبي أن المجتمع أصبح يعتبرني "عانسا"، وانتهت صلاحيتي لأي شيء؟ هل ستصيبني هذه العادة بأمراض في المناعة وبأمراض نسائية كما تزعم محفظة القرآن في المسجد؟ صدقوني أنا لم أرتكب خطيئة أبدا، وأنا محجبة وأصلي وأصوم، لكنني معذبة، وروحي مثقلة.. أغيثوني جزاكم الله خيرا.

 
 
 

 
 
 
   

الحقوق الأساسية للإنسان في الإسلام خمسة: حق الحياة، وحق الحرية، وحق الكرامة، وحق التملك، وحق التعلم. ومن هذه الحقوق تتفرع الحقوق الأخرى.
وقد بين الفقهاء أن على الدولة المسلمة أن تضمن هذه الحقوق لأفرادها، وأن تكفل لهم حمايتهم من الظلم.
وما أعتقده حقا لا مراء فيه أنه لا يحق لإنسان كائن من كان أن يسلب إنسانا آخر هذه الحقوق، فكما لا يحق للوالد أن يقتل ولده أو أن يئد ابنته، فلا يحق له أن يستعبده ويسلبه حريته أو حريتها في الاختيار.
وكذلك لا يحق له أن يمنعه أو يمنعها من التعلم ما دام هذا الولد أو تلك البنت قادرين على ذلك بدون أن يكلفا والدهما ما ليس في وسعه، كما أنه لا يحق للوالد أن يفرق بين أولاده ذكورا وإناثا.
فقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلا كان عند النبي عليه الصلاة والسلام فجاء ابن له فقبّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنة له فأجلسها بين يديه، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام للرجل: "ألا سويت بينهما؟".
وروى النعمان بن بشير أنه أتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: إني نحلت ابني هذا- أي أعطيته- غلاما لي، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: أكل ولدك نحلتهم مثل هذا؟ قال: لا، فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام: فارتجعه. وفي رواية: "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم"، وفي رواية أخرى: "فلا تشهدني إذن؛ فإني لا أشهد على جور".
يقول الدكتور البوطي في تعليقه على هذا الحديث في فصل بقايا من العادات الجاهلية في كتابه عن المرأة: "عد ذلك رسول الله جورا، والجور محرم بالاتفاق. فإذا كان الدافع إلى هذا التمييز هو تفضيل الذكور على الإناث، فهو أحرى أن يكون محرما. والذي تجري عليه أعراف بعض الناس اليوم من محاباة الذكور في العطايا وإغفال الإناث هو من أخطر العادات المخالفة للشرع، والتي ترسخ النظرة الدونية فعلا للمرأة من حيث إنها امرأة".
 ما أؤكد عليه هو أن الإسلام دين الله الذي أنزله على محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله كما قال ربعي بن عامر لرستم كبير الفرس، لذلك فنحن نرفض أن نكون عبيدا إلا لله سبحانه، فلسنا عبيدا لشهوات أنفسنا، ولسنا عبيدا لآبائنا ولا لأمهاتنا، ولا لمعلمينا ولا لمعلماتنا، ومن هنا نرفض مقولة: من علمني حرفا كنت له عبدا، مع عدم نكراننا لفضل كل ذي فضل علينا لكن دون أن تمس كرامتنا الإنسانية التي نستمدها من قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم".
إلى الأختين معا ولغيرهما من نساء أمتي أقول:
إن الحقوق لا تُستجدى، ولا تُسرق خلسة، إنما الحقوق تنتزع انتزاعا، وأن أعيش حرة كريمة في نفسي خير لي من أن تسحقني أقدام أبي أو أخي أو غيرهما.
ورضي الله عن عمر بن الخطاب حين قال: "يعجبني الرجل إذا سيم خطة خسف أن يقول بملء فيه: لا"، أي أن الرجل الحر هو الذي يأبى الظلم والضيم، والمرأة الحرة كذلك، ونحن لا نريد لأخواتنا ولا لبناتنا أن يكن مهينات الجانب مهيضات الجناح لأنهن بذلك سيكن إماء ولسن حرات، والأمة لا تلد إلا العبيد، والعبيد لا يحققون النصر، ونحن ما زلنا نأمل أن يخرج من أصلاب رجالنا ومن أرحام نسائنا جيل حر يرفض العبودية إلا لله.
أختاي، من غير معونة الله لن تستطيعا فعل شيء فيجب عليكما أولا أن تلجآ إلى الله وتظهرا له من نفسيكما العبودية المحضة، فعندما أكون عبدة لله وحده أصل إلى حريتي الحقيقية، وعندما أظهر ضعفي أمام الله يمدني سبحانه بالقوة أمام خلقه، وكلما كنت ذليلة أكثر بين يدي الله كنت عظيمة في نظر غيري، فالخطوة الأولى هي اللجوء إلى الله كي يمدكما بالعون لمواجهة والديكما وهي ليست مواجهة سهلة، لكنها تصبح كذلك إذا تذكرتما الحكمة: "لا طاقة لمخلوق مع قدرة الخالق".
لا أدعوكما للتمرد على والديكما، ولكن أدعوكما لرفض الظلم، وإن لم نسع جميعا للتحرر على طريقة الإسلام الهادية المشرقة، فإن ببغاوات الغرب تبيض وتفرخ بيننا، وهم يريدون أن يحرروا المرأة على طريقة الغرب المذلة المحرقة، ولن يصلوا إلى ما يريدون إلا إذا استسلمنا، ونحن حفيدات خديجة وفاطمة وعائشة وأم سليم وخولة والخنساء ليس في قاموسنا كلمة الاستسلام، وإنما قاموسنا هو شريعة الإسلام.
إن الإسلام حرر المرأة كما لم يحررها دين سماوي ولا مبدأ أرضي، وما يفعله والداكما بعيد كل البعد عن روح الإسلام الحقيقية، فالجآ إلى الله سبحانه واستمدا من قوته كل عزيمة للمواجهة التي أنتما بصددها.
إلى الأخت الأولى أقول : ذكر الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله في كتابه التكافل الاجتماعي في الإسلام: "إن الإسلام يجعل حق العلم ثابتا للجميع بلا استثناء بين الرجل والمرأة، أو بين الغني والفقير، أو بين ابن الأمير وابن العامل، أو بين ابن المدينة وابن القرية، فالكل يشتركون في هذا الحق".
وكما بينت فإنه ليس للأب أن يفرق بين أولاده ذكورا وإناثا في الأعطيات، فليس له أن ينفق ماله على تعليم أولاده الذكور دون الإناث خاصة أننا في عصر يطلب من المرأة فيه مثلما يطلب من الرجل تماما.
لا أعرف أين وصلت بمشكلتك مع والدك؟ لكن ليس له حق في أن يرفض استمرارك بالعلم خاصة أنك متفوقة، لأنه بذلك يحرمك من شيء تحبينه وتسعدين به، كما يحرم أمتك من نفعك ومواهبك وهي في أشد الحاجة لأمثالك. فلا ترضي أبدا أن تدفني مواهبك ولو كلفك ذلك حياتك.
لا أعرف من أي بلد أنت؟ ولكنني أعتقد أنك تستطيعين الانتساب إلى الجامعة بأقل مصروف ممكن، وأضرب لك مثلا بأخت صديقتي هي أكبر مني سنا لكن قصتها مؤثرة ومعبرة، إذ رفض والدها استمرارها في الدراسة بحجة أن والدتها تحتاج من يساعدها في المنزل، فأخرجها من المدرسة رغم أنها لم تنه إلا الابتدائية.
ولكونها من المتفوقات فقد تركت هذه الحادثة في نفسها أبلغ الأثر وأسوأه، لكن الله قدر أن يكون أخوها الذي يكبرها مباشرة إنسانا متفتحا ومتفوقا أيضا، فشجعها على مواصلة دراستها في البيت، فدرست الإعدادية مع أختها التي تصغرها بثمان سنوات، وتقدمت إلى امتحان الشهادة الإعدادية فكان معدلها يفوق ثلاث مرات معدل أختها، مما دفعها إلى مواصلة كفاحها، فأكملت الثانوي في البيت وأنهت الثانوية العلمية بمعدل أتاح لها الانتساب إلى كلية التجارة.
وبالطبع رفض والدها أن تغترب رغم أن المسافة بين مدينتها والعاصمة لا تتجاوز الساعتين برا، ولكنها لم تستسلم، وكانت تذهب وقت الامتحان فقط، حتى حازت على البكالوريوس لتصبح أعظم معلمة ليس في مدينتها فحسب، بل على مستوى قطرها كله، وأصبح مستواها المادي من أفضل ما يكون لأنها تقوم بتدريس المواد الصعبة -والتي كانت لا تستسيغها- لطلاب الجامعة وطالباتها على شكل دروس خصوصية.
وأما ما جعل والدها يفهم أخيرا ما معنى أن تتعلم البنت في هذا العصر، أنه لم يجد أحدا من أولاده يقف إلى جانبه في مرضه ماديا ومعنويا غير هذه الابنة التي كان يعارض إكمال دراستها.
ذكرت لك هذه القصة لأنني لا أريدك أن تستسلمي، لو دفعت حياتك ثمنا لمبدئك ألا وهو حرية الاختيار، فإن من أصعب الأمور أن نعيش حياتنا بإملاء من غيرنا، وأن تكون اختياراتنا ليست نابعة من ذواتنا.
والدك أنت تعرفينه أكثر مني، فادرسي شخصيته جيدا، وبما أنك ذكية فلا تنقصك الحكمة، وأعرف صديقة لي هي أخت الأولى، فقد كان والدهما ممن يصعب إقناعه بشيء، فوجدت أن الوسيلة المثلى كي تكسبه إلى صفها أن تكلمه على انفراد وهناك تعمل كل قواها الروحية والفكرية لإقناعه، ونجحت في نيل موافقته على الذهاب في رحلة مع مدرستها وعمرها 15 عاما مع أنها أصغر أخواتها، وكانت سابقة منه لم يحز عليها أي من أخواتها.
إذن يجب أن تعملي فكرك كي تقنعي والدك بوجهة نظرك حسب شخصيته، وابدئي بأسلوب اللين والرفق والتودد فإن نفع فهو خير لك وله، وإن لم ينفع فاتبعي أسلوب المقاومة السلمية والمقاطعة بألا تجلسي معه على مائدة ولا تشاركيه في غرفة، وإذا سألك عن أحوالك فبإجابات مقتضبة، وقاطعي الجميع وانعزلي في غرفتك.
واغتنمي عزلتك في القرب من الله فليس لك سلاح إلا معونته سبحانه وتوفيقه، ولا تتناولي من طعام أهلك إلا كما يفعل العصفور كي لا يموت من الجوع، وعندما يراك تهزلين وتنحلين لا بد أن يشفق عليك، ولا أظنه بالأب القاسي إنما هو لا يدرك معنى حرمانك من تعليمك وماذا يحمله هذا الحرمان من ألم لك، فوجهي له هذه الرسالة.. رسالة المقاطعة المهذبة بدون أن تظني أن في هذا عقوقا له، فلك عليه حقوق كما له عليك، ولا تتناقض مطالبتك بحقك مع مفهوم بر الوالدين.
ورضي الله عن عمر بن الخطاب عندما جاءه رجل يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر الولد وأنبه على عقوقه لأبيه، فسأله الولد: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ فقال عمر: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، ويحسن اسمه ويعلمه الكتاب (أي القرآن)، فقال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئا من ذلك، أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جعلا (أي خنفساء)، ولم يعلمني من الكتاب حرفا واحدا. فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إلي تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.
قد يكون السبب فعلا هو أن نفقات التعليم مرهقة في بلدك، فهنا يمكنك أن تطلبي منه أن يعتبر هذه النفقات دينا عليك تردينها له بعد تخرجك، وإن كان في هذا ظلم لك لكن بعض الشر أهون من بعض، وإذا رفض فقد يكون من الأنسب أن تستديني من أحد أقربائك، أي افعلي المستحيل ولا تجعلي أحدا يسد الطريق في وجهك، وعليك أن تبني من لا شيء أي شيء، ولا تقبلي بأن يهدم لك أي أحد ما بنيته.
وما أعتقده أن الفتاة مطلوب منها في هذا العصر كما هو مطلوب من الشاب فلم يعد الإسلام هو الحاكم في علاقاتنا مع بعضنا البعض، وكم رأيت في الحياة من فتيات كن عالة على إخوتهن بعد وفاة والدهن؛ ما جعل زوجة الأخ تتحكم بهن وتحيل حياتهن شقاء، كذلك كم رأيت نساء لولا علمهن وشهاداتهن لبقين خانعات في بيوت أزواج لا يعرفون الله ولا يتقونه في النساء.
ربما لو لم تكوني متفوقة ولم تذكري حبك للعلم لما اهتممت بأمرك ولما شغلتني مشكلتك، ولكن إذا لم تُستخرج طاقات المتفوقين ويستفاد من إبداعاتهم فهل يستخرج تخلف الأغبياء ويستفاد من حماقاتهم؟!
إذن ناقشيه بالحكمة فإن لم ينفع فتوكلي على الله وافعلي ما نصحتك به الحياة هي كما قال شكسبير على لسان هاملت: "إما نكون أو لا نكون" إما نكون أحرارا أو نكون عبيدا، إما نرضى بالذل أو نرفض الظلم، ولله در الشاعر الذي قال:
ولجنةٌ بالذل لا نرض بها **** وجهنم بالعز أطيب منزل

وإلى الأخت الثانية والتي بلغت من العمر 42 سنة بدون زواج أقول:
يا أختي الغالية، ساءني تحكم والدك بك بالطبع، لكن ما ساءني أكثر هو منحك لنظرة الناس إليك كل هذه الأهمية، فمن هم هؤلاء الناس لتدعيهم يؤثرون بك سواء موظفة البنك أو غيرها؟
إن قيمتك الذاتية وتقديرك لنفسك تستمدينهما من نظرتك أنت لنفسك وليس من نظرة الآخرين لها، فعندما أكون معتزة بنفسي واثقة بها لا يهمني ماذا يقول الآخرون عني، وثقتي بنفسي واعتزازي بها أستمدهما من ثقتي بالله واعتزازي بدينه، وأنه سبحانه لا يمكن أن يتخلى عني.
لذلك أظهري لربك الطاعة الحقيقية واحفظيه في السر يحفظك في العلانية، فحاولي جهدك أن تبتعدي عن هذه العادة السيئة وأتمنى لو قرأت ردي على أختين عندهما نفس المشكلة وهي: حائرات بين نار الرغبة وتأنيب الضمير .
أعرف أن ما سأقوله لك يصعب فعله لأنه يحتاج إرادة عالية ومثابرة دائمة، لكن يجب أن تحاولي:
إن الجسد والروح أحدهما من تراب والأخرى من نور، فالتراب يشدنا إلى الأسفل بينما الروح تجذبنا للأعلى، فنمي في نفسك طاقاتك الروحية، وهذا يحتاج إلى مجاهدة للنفس بالبعد عن المعصية وتقرب من الله بالطاعة، وأؤكد على ما ذكرته أن الجنس ليس إلا فعلا كاملا بين شخصين بالغين وإلا فهو نوع من الشذوذ يجب أن ترفضيه من نفسك إلا إذا غلبتك، فعودي إلى ربك تائبة وأتبعي الحسنة السيئة تمحها.
لا أريد أن أعطيك محاضرة دينية فقط أذكرك بالآية الكريمة:" وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَن يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا".
والدك لا يحق له أن يمنعك من الزواج، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإذا وجدت شخصا مناسبا سواء تقدم لك هو بنفسه أو كنت أنت من يرسل في خطبته، وهذا ليس عيبا إنما هو سنة أكرم نساء العالمين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فأفهمي والدك أنك تريدين الزواج من هذا الشخص بموافقته فإذا رفض بحجة أنه يطمع في مالك، فأخبري والدك أنك مستعدة للتنازل عن كل إرثك منه إذ لا علاقة له بما كان من كسب يمينك وعرق جبينك.. وحديث: "أنت ومالك لأبيك" ضعيف ولم يأخذ به أحد من الفقهاء.
وليت والدك الكريم يعلم أن الذي يخشى على ابنته من الزوج الطامع بمالها لا يعالج هذا الخوف بحرمانها من حقها في ماله أو في الزواج، وإنما يعالج ذلك بتحري أخلاق الخاطبين، والبحث عن الزوج التقي الأمين.
فإذا استمر والدك في الرفض فلك أن تختاري طريقة المقاومة السلمية التي ذكرتها للأخت الأولى أو ما نصحتك به الأخت المشاركة من السعودية جزاها الله خيرا، في أن تلجئي إلى القاضي ليكون هو ولي أمرك.
وهذا يقاس على ما ورد في الحديث أن فتاة جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: إن أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، فجعل الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء.
وما يهمني هنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعلق على جملتها الأخيرة ومعلوم أن السنة التي يجب اتباعها هي ما صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام من قول أو فعل أو إقرار، وسكوته هنا عليه الصلاة والسلام كسكوته على من صلى ركعتي سنة الفجر بعد الفرض.
ومع ذلك أعتقد أن طريقة المقاومة السلمية أجدى نفعا وأرضى نتائج، ولكن عليك أن تتأكدي من خلق من اخترته ودينه، واختاري التقي الذي إذا أحبك أكرمك وإذا كرهك لم يظلمك كما نصح الحسن البصري رحمه الله.
وإذا لم يقدر لك الله ابن الحلال فاعلمي أن في قدر الله حكمة خافية، واشغلي وقتك بما ينفعك، وليست كلمة آنسة أو عانسة بأصعب من كلمة مطلقة، وأعرف مطلقات تجاوزن أزمات الطلاق بسلام نفسي تام، وكذلك عازبات تعالين عن نظرة المجتمع لهن، فزيدي إيمانك بالله وهو حسبك ونعم الوكيل.
وتضرعي إليه سبحانه بهذا الدعاء:
"اللهم بارك لي فيما قدر لي حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، واجعل غناي في نفسي، واجعل رغبتي فيما عندك. اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب"، وكوني مع الله ولا تبالي، والسلام عليك.

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |