|
الأخت الكريمة، نشكر لك اهتمامك وتبرعك بعرض مشكلتك الشخصية، وبما أنك راضية بقضاء
الله وقدره فلا داعي لأن نبدي أسفنا على ما جرى معك، بل نهنئك على نفسك الراضية،
وهذه فائدة التجارب.. أنها تصقل النفس، وتنمي العقل حتى لو كانت قاسية، وبما أن كل
ما جرى قد كُتب في اللوح المحفوظ كما تفضلت وقلت، وأنه كما قال عليه الصلاة والسلام
في ختام حديث طويل: "… رُفعت الأقلام وجفت الصحف"، فأفضل ما يفعله المرء ألا يبكي
على اللبن المسكوب "وكل ما قد فات فات، وكل ما هو آت آت، وكل ما لا يميتني من هذا
أو ذاك فهو يقويني" كما تقول الحكمة.
لي بعض الملاحظات على مشاركتك الجيدة هذه، أرجو أن تكون عونا لك كما كنتِ عونا لنا
وللأخ السائل صاحب المشكلة الأساسية:
أولا: عندما قمتُ بالرد على الأخ السائل منذ ما يقارب ثلاثة أشهر، ورد في سؤاله أن
زواجه بعد ثلاثة شهور، فربما قد تزوج الآن، فأمنياتنا له بالسعادة، وهو لم يتابعنا
كأكثر السائلين الأعزاء الذين نشعر عندما تصلنا متابعة من أحدهم كأن هدية من السماء
هبطت علينا، لأنه يهمنا جدا التواصل مع القراء والسائلين لنشعر أننا أسرة واحدة
تجمعها أخوة الإسلام ومودته، ولنعلم إذا كانت الحلول التي نطرحها ممكنة التطبيق
بالنسبة للسائل أم أنها نظرات وعبرات لا تسمن ولا تغني من جوع، خاصة في المشاكل
الممتدة كالمشكلة التي نحن بصددها، إضافة إلى أننا نحن أيضا بشر لا نستطيع العيش
إلا مع البشر، وبما أننا نعيش مع السائل في مشكلته بكل جوانحنا، فيسعدنا كثيرا أن
نتلقى منه شيئا حتى لو كان نقدا؛ لأنه يدلنا على أننا نعيش متواصلين روحيا وقلبيا
في عالم حقيقي من البشر، وليس كما يحصل بين كائنات فضائية تتواصل إلكترونيا، فلا
يعرف بعضها لماذا ظهر الآخر سابقا واختفى لاحقا؟ وماذا حل به؟ وكيف كان مصيره؟
وعلى كل حال فإن الله حسبنا وهو نعم الوكيل!
ثانيا: أؤكد على ما ذكرته الأخت الكريمة الدكتورة فيروز عمر في ردها على مشاركة وهي
منشورة علي صفحتنا بعنوان :
خطيبتي مملة وغير جميلة.. مشاركة ، أنه
كان واضحا في ردي للسائل أنني اعتبرت عقد الزواج قد تم بينه وبين خطيبته، لذلك
نصحته بما ورد حينها، فالخاطب غير العاقد، كما نعلم، وما يجوز للعاقدين لا يجوز
للخاطبين، وهنا يأتي على الأهل دور كبير في توجيه الشاب والفتاة إلى الأسلوب الأمثل
لتفاهمهما من أجل حياتهما المستقبلية، إذ ما يحصل أحيانا أنه رغم العَقد فإن العاقد
لا يستطيع أن يخلو بزوجته ولو لدقائق، بل يشعر أنه تحت مراقبة شديدة، وقد يكون
السبب خوف الأهل من أن يحصل بينهما ما يحصل بين الزوجين.. لكن العاقد لا يفسره بهذا
الشكل، مما يؤدي إلى نفوره من هذه العائلة وخوفه من تدخّلهم مستقبلا في حياته وحياة
زوجته، فيتسرع بفصل العقد.
ثالثا: نحن لا نعلم الضمائر ولا النوايا ولا المستقبل، وإنما هذه الأمور عِلمها عند
الله سبحانه، وما يجب علينا هو أن نعامل الناس جميعا بحسن الظن، لكن دون أن يكون
اندفاعنا في طريق حسْن الظن هذا سبيلا إلى إطلاق أي حكم قد يكون غير صحيح.
وتعميم التجربة الشخصية لا يصلح في كل الأحوال، فنحن لا نستطيع أن نقول لهذا الشاب
إن خطيبته تكنّ له الحب والتقدير بشكل جازم، كما كنتِ أنتِ مع خطيبك، وإنما نقول
له: ربما هي تكنّ لك هذا الشعور ويمنعها خجلها أو وجودها في بيت أهلها.
وكذلك نحن لا نعلم هل ستتزين له عندما تصبح في بيته أم لا؟ وإن كنا نتمنى ذلك من
أجل أن يتم الوفاق بينهما على أفضل وجه، لكن أمنياتنا هذه لا يمكن أن تصل إلى حد
العلم ما دام الأمر متعلقا بالغيب والمستقبل، وقد قال الله سبحانه على لسان نبيه
صلى الله عليه وسلم: "وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ
الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ".
رابعا: أودّ أن ألفت انتباهك أن السبب الذي يؤدي إلى فشل الخِطبة رغم العقد - والتي
تَعزيها أنت إلى حياء المخطوبة - ليس كذلك دائما إنما قد يكون هو تشويه فطرة الفتاة
نتيجة عاداتنا الجاهلية وتقاليدنا البالية التي ليست من الإسلام في شيء، فإذا كان
الحياء فطرة في الرجل والمرأة على حد سواء فهو في المرأة أجمل وأفضل، لكن التربية
الخاطئة للبنت في بعض بيئاتنا تجعلها تستعيض عن الحياء المحمود بالخجل المذموم.
وإذا كان الحياء من الإيمان فهو لا يخالف أبدا مفهوم الثقة بالنفس، بينما الخجل
يتناقض تماما مع هذه الثقة، أي أن الحياء لا يمنعك من المطالبة بحقك وممارسته ضمن
حدود التزامك، بينما الخجل على العكس، ففي حالة مثل حالتك التي تم عقد الزواج فيها،
تشعر الفتاة الطبيعية التي لم تشوّه فطرتها أنها أمام رجل أصبح زوجها شرعا وإن لم
يدخل بها عُرفا، فلا تمانع إذا اقترب منها زوجها أن تقترب منه أكثر؛ لأنها تستطيع
أن تدرك مشاعرها وتعبر عنها بسهولة.
أما التي نشأت على الخجل وعدم الثقة بالنفس بسبب أنها كانت في طفولتها ممنوعة من
التعبير عن أبسط رغباتها، أو حدث لديها في طفولتها ما جعلها تنفر من الجنس كاغتصاب
أو تحرش، أو حصل معها ما أدى بها إلى كره الجنس الآخر كلية، ويحصل ذلك عندما يكون
الأب ظالما يقوم بضرب الأم أمام أطفالها، أو غير ذلك من الأسباب –فسيجد الخطيب أو
الزوج صعوبة جدا في مقاربتها، لأنها لا تعرف كيف تعبر له عن مشاعرها، أو هي لا تعرف
أساسا إذا كانت مشاعرها تجاهه يصح التعبير عنها أم لا، أو ليست واثقة إذا كان
يستحقها أم سيكون كما كان والدها مع والدتها. وهؤلاء الفتيات قد لا يتعرضن فقط إلى
فسخ الخطبة بل في الحقيقة قد يحدث عندهن ما يسمى الخوف من الجنس أو البرود الجنسي
فتفشل حياتهن الزوجية منذ بدايتها.
طبعا لا يمكن إغفال دور الخطيب العاقد هنا إذ من المفترض أن يكون هو الأكثر جرأة
فيشجع فتاته بالطريقة التي ذكرتها للأخ السائل.
ونظرا لأنني أعتقد أن ما يحدث في مجتمعنا من أخطاء كهذه هو نتيجة لنقص الوعي من قبل
الشاب والفتاة معا أود أن أتوسع قليلا في هذه الفكرة لأنني أرجو من شباب وشابات
اليوم أن يكونوا أكثر وعيا وأشد نضجا؛ ما يؤدي إلى تقليل الأخطاء التي رأينا
بأعيننا ما نجم عنها من كوارث، فأقول: إن هذه العادات والتقاليد سيطرت فترة طويلة
على مجتمعاتنا فأثرت على الجميع شيبا وشبانا، رجالا ونساء، وهو ما أدى إلى انقسام
الناس –إلا من رحم ربك- إلى فريقين: فريق أول ظن أن هذه التقاليد والعادات من
الدين، وأقصد بالنسبة لموضوعنا هنا ما يخص المرأة وكمثال عليها: التفريق بين الولد
والبنت منذ الطفولة، فبينما يسمح للصبي بكل شيء تمنع البنت من أبسط شيء، إضافة إلى
عادات أخرى من تسلط الزوج على زوجته على طريقة "سي السيد"، وتحكُّم أولياء الأمور
بالفتاة ومهرها، وعادات الشرف التي يفرق فيها بين الرجل والمرأة في العقوبة مع أن
عقوبتهما عند الله سواء.
وهذا الفريق أساء إلى الدين إساءة بالغة إذ لولا هذه المفاهيم الخاطئة لَما وجد
الفريق الثاني وهو الذي وضع الدين والتقاليد في سلة واحدة، فنبذ الدين على أساس أنه
مجموعة تقاليد لا تنفع في عصرنا هذا، واستعاض عنه بقيم وتقاليد غربية جنَت على
الرجل والمرأة على حد سواء، لأن النبتة التي ظهرت في الغرب نتيجة فصل الدين عن
الحياة رغم أنها أنتجت خصبا اقتصاديا وثراء علميا فإنها أثمرت علقما اجتماعيا
وفراغا روحيا، فكيف إذا تم نقلها إلى أرض لا تناسبها ولا تلائمها، وهي أرضنا
العربية المسلمة التي لا يمكن أن تحيا إلا بالدين، ولا يمكن أن تقوم حضارتها إلا
على أساس من قيمه الخالدة، وحصاد هذا الزرع المختل هو ما نراه من انفصام نكد، وتردد
مذموم بين تدين مغشوش غالبا، واغتراب منحل من الناحية الأخرى.. ولله الأمر.
ما يتوجب على كل فتاة وشاب مسلمين في هذا العصر هو أن ينبذوا هذه التقاليد سواء
البائدة أو الوافدة كليا من عقولهم، ويدركوا الفرق بين الدين والتقاليد، فالدين هو
مجموعة المبادئ التي تصلح بها حياة الفرد والمجتمع والأنثى والذكر، ودين الإسلام هو
الدين الذي جاء ليخلص العقل من براثن التقاليد كما فعل -عليه الصلاة والسلام- في
أول دعوته، فقد جاء بعقيدة تخالف تقاليد الجاهلية.
أما التقاليد فهي تلك التيارات السلوكية التي ينجرف بها الإنسان تلقائيا بمجرد
المحاكاة والتقليد، وكما عرفها الدكتور البوطي "هي مجموعة الطفيليات التي تنبت وسط
الحقول الفكرية للمجتمع فهي الحشائش الضارة التي لا بد من اجتثاثها وتنقية التفكير
السليم منها".
وكمثال على ما أتمناه هو أن يمتنع الشاب الخليجي مثلا عن إتمام العقد إذا لم يسمح
له ولي أمر الفتاة برؤية وجه خطيبته؛ لأن هذه العادة مخالفة تماما لقول الرسول
–عليه الصلاة والسلام-: "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". وكثيرا ما أدت هذه
العادة إلى عدم وجود رابط عاطفي بين الزوجين؛ وهو ما يجعل الحياة الزوجية مهددة في
كل لحظة.
وكذلك على الفتاة أن ترفض استبداد ولي أمرها بطلب مهر يثقل كاهل من سيصبح زوجها
مستقبلا، ما دام رفضها يحضها عليه الدين لقوله –صلى الله عليه وسلم-: "أعظم النساء
بركة أيسرهن مؤونة". لأن هذه العادة أدت إلى ارتفاع نسبة العوانس بشكل ملحوظ وزيادة
الفاحشة في المجتمع المسلم. وهذا الرفض الذي يمكن أن يبدأ فرديا ثم ينتشر فيصبح
ظاهرة اجتماعية حتما سينتصر؛ لأنه يستند إلى الدين الصحيح بما يحمله ذلك من قوة في
المرجعية والمصداقية.
خامسا: بالنسبة لكلامك عن الفتاة الملتزمة، فرغم أن كل ما قلته صحيح عنها، لكنني
أعتقد أنه لم يعد ثمة مبرر للفتاة أن تبقى جاهلة بأمور الزواج ومتطلبات الزوج، خاصة
ونحن في عهد انتشار المعلومة بأسرع مما يُتصور، إذ يجب أن تبدأ الفتاة المقبلة على
الزواج بتطوير نفسها فتعرف أن على المرأة المتزوجة دورين يجب أن لا يخل أحدهما
بالآخر، فدورها في البيت كزوجة يحتم عليها أن تملأ عين زوجها بجمالها فلا ينظر
لغيرها، وتملأ قلبه بحبها ولطفها ورقتها، وتملأ عقله اقتناعا بها وبشخصيتها.
ودورها خارج البيت إذا كانت عاملة -كما هو الحال الغالب الآن- يجب أن تكون أختا
للرجال أي أن تكون المحتشمة الملتزمة الخالية عن أي شيء يمكن أن يدخل ضمن ما يسمى
فتنة. وطبعا لا ننسى أن على الشاب أن يقوم بدورين أيضا، وألخص ذلك بقول عمر -رضي
الله عنه-: "ينبغي للرجل أن يكون كالصبي في أهله -أي في بشره ويسره وسهولته- فإذا
وُجد في القوم وجد رجلا".
ومن الواجب عليه بالطبع إذا كانت زوجته عاملة أن يساعدها، ويخفف عنها أعباءها
الجسدية والنفسية، ولا ينسى واجباته تجاهها نهارا كي تستطيع القيام بحقه ليلا.
والطريقة التي يحيا بها المرء حياته مع شخص آخر أو أشخاص آخرين هي فن وعلم في نفس
الوقت، وجميعنا بحاجة إلى المزيد.
أخيرا: بالنسبة لفكرتك كتابة مقالة أو رسالة بين الخطيبين لا بأس بها، وقد تناسب
بعض الأشخاص وفي بعض الظروف وليس دائما على ما أعتقد، وعلى كل حال حبذا لو كان فيها
شيء من الرومانسية، فقد افتقدنا الأدب العاطفي في كتاباتنا الإسلامية، وقد يرى
البعض أن ظروف أمتنا غير مناسبة للرومانسيات، لكن لعلنا نحظى ببعض الأدب الراقي
كأدب مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- وأسلوبه الفذ في رسائله التي احتواها كتابه
الرائع: "أوراق الورد".
شكرا لك على مشاركتك الإيجابية، وبانتظار المزيد منها، والسلام عليك. |