الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) لكل وقت أذان ولكل مقام مقال

 
1/7/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيرًا على هذه الخدمة العظيمة التي تقدمونها. فأكثر ما سُررت له أنكم تقدمون حلولا نفسية ذات صبغة دينية، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الشمولية في الإسلام.
عندي مشكلة أحسبها صغيرة، وهي: أنا أدرس في كلية عملية بمصر، وبفضل الله أنتمي إلى التيار الإسلامي في الجامعة، ونظرا لهذا النشاط يحدث بيني وبين الطلبة والطالبات بعض الاحتكاك والحوار الصغير جدًّا الذي لا يتجاوز دقيقة واحدة على الأكثر بالنسبة للطالبات.
المهم في الفترة الأخيرة حدث احتكاك بيني وبين إحدى الأخوات في دفعتي، وهو عبارة عن إعطائي لها ورق درس يخص إحدى المواد، وانتهى الموضوع على ذلك، ولكن ظلت تلك الواقعة في ذهني، وأحسست أنني أخطأت على قيامي بهذا العمل (لا أدري لماذا؟)، ثم تطور الأمر، وصرت أفكر في هذه الأخت كثيرا، وأحسست أن في قلبي إعجابًا بها؛ فلمت نفسي وأحسست أنني خائن لأمانة الأخوة والدين، فقررت حضور محاضراتي في وقت غير وقتها، مع العلم أننا في نفس المجموعة، وبالنسبة لنشاطي قررت عدم ممارسة أي نشاط تراني فيه خوفًا من الرياء، وصرت أكلف به أحد أفراد طاقمي للقيام به، ولكن لم يمنع هذا العاطفة نحوها بشكل نهائي، خاصة أنني بدأت أشعر بنظراتها المختلسة إليّ.
فأرجو منكم توجيهي لحل هذه المشكلة.. بفضل الله استطعت التقليل من تلك العاطفة بالدعاء والانشغال بالأعمال الدعوية، ولكنها ما زالت موجودة، مع العلم أني لا أضاد الحب، ولكن اعتقادي فيه أن لكل وقت أذانًا؛ بمعنى أنني الآن همي الأول والأخير النجاح والتفوق في ديني ودنياي وجزاكم الله خيرا.

 
 
 

 
 
 
   

هوِّن عليك يا بني العزيز.. فما حصل لا يستحق أن تلوم عليه نفسك بهذا الشكل؛ لأنه لم يتعدّ المشاعر القلبية، وسواء كانت مشاعر إعجاب أو حب، فإن الله سبحانه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وفي الحديث الشريف: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفسها ما لم تقل أو تفعل".
ما شعرت به شيء طبيعي وفطري، وليس منا نحن الأكبر منك سنا من لم تهزه نسائم الحب يوما ما، ودعني أردد مع الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوما **** فأخبره بما فعل المشيب
رسالتك لامست شغاف قلبي لصدقها، وأدخلت إلى نفسي شيئًا من الانتعاش؛ لأنها تحمل شيئين يندر وجودهما في هذا الزمن:
أولهما: الحب أو الإعجاب الصافيان دون أن يتلطخا بإثم الشهوة أو يتدنسا بهوس الغريزة.
ثانيهما: وجود شاب واع مثلك يضع همَّه الأول والأخير في نجاحه وتفوقه دينًا ودنيا. ودليل وعيك ليس فقط ما ذكرته عن نفسك، بل ما بدأت به رسالتك من أنك سُررت بما نقدم من حلول نفسية ذات صبغة دينية، واستنتجت أن الإسلام دين الشمولية فليس لي هنا إلا أن أثني عليك لتحليلك الصحيح أولا واستنتاجك الأصح ثانيا؛ فالإسلام هو الثوب السابغ للفطرة الإنسانية، وهو دين التوازن الذي لا ينكر أشواق الروح ولا يلغي مطالب الجسد، وهذا فعلا ما نحرص أن نظهره؛ لأننا نريد للجميع أن يعودوا إلى الفطرة بعد أن شُوهت كثيرا بفعل أفكار غربية أو تقاليد جاهلية، والعودة إلى الفطرة هي العودة للدين.
بداية سأشرح لك الحالة التي مررت بها من الناحية النفسية أولا ثم أقيمها من الناحية الدينية ثانيا؛ إذ أعتقد أن ما شعرت به حيال هذه الفتاة لا يزيد عن الميل الطبيعي، أو لعل هذا الشعور في أحسن أحواله هو الإعجاب، ولا أظن أن شعورك هذا بلغ مرتبة الحب لسببين:
أولهما: لأن الحب لا ينمو إلا في تربة عدم الرضا عن الذات والرغبة في اكتمالها، ولذلك يجد من يقع في الحب أنه يشعر بنوع من الدهشة العاجزة تجاه القيم المتفوقة لدى المحبوب، وهذا ما لم تتعرض له ولم يظهر في رسالتك أبدًا.
ثانيهما: أنك شاب طموح، ولا يمكن للحب والطموح أن يبلغا غايتيهما في الوقت ذاته؛ فهما قوتان متنافستان، ومن يبقى شديد الطموح لا يمكن أن يكون عاشقًا مولهًا، ومن يقع في الحب يتخلَّ عن طموحه إلى بلوغ الأنا المثالي المتمثل في المحبوب المتفوق.
ومع ذلك على فرض أنه الحب، أو أنك وقعت في الحب مستقبلا، فأخبرك أن شعور الحب لدى الشاب من الناحية النفسية شعور ضروري لتهذيب وحش الجنس عنده، ولتلطيف غريزة العنف كذلك علما بأن هناك بعض الذكور يمتلكون بالفطرة خاصة الحساسية واللطف –رغم أنها صفات أنثوية- كالإناث أنفسهن أو أكثر.
أما من الناحية الدينية فلا أريدك أن تحمل نفسك فوق طاقتها لدرجة تنكر على نفسك نداء الفطرة فيها؛ فالميل بين الجنسين هو شيء أودعه الله في الذكر والأنثى لحكمته البالغة في جذب كل منهما للآخر لتستمر الحياة متدفقة مع كل جيل جديد. فهذا الشعور ليس حراما بشرط ألا يتمادى بحامله فيهوي به في واد سحيق وهو لا يشعر. إذا استطعت أن يبقى هذا الحب أو الإعجاب عفيفًا لا يداخله غش في النظر، ولا رقة في الكلام، ولا زغل في النفس.. فاعلم أن هذا الشعور يقوي إيمانك ويقربك من الله سبحانه.
قد تستغرب كلامي، لكنك ستفهمه أكثر عندما تحاول تطبيقه واقعًا بحيث تستطيع أن تفصل بين عواطفك ومشاعرك من جهة وغرائزك وشهواتك من جهة أخرى. فإذا استطعت ذلك فاعلم أنك ازددت في الإيمان مرتبة، وارتفعت في القرب من الله درجة رغم بقائك معجبًا بهذه الفتاة أو محبًا لها.
أرجو أن تراجع ردي على هذه الصفحة: دفاع حار.. الحب كما يجب أن يكون
، وعلى صفحة معا نربي أبنائنا: سخافات الخلط بين الحب والجنس ؛ ففيهما ما يفيدك ويفيد إخوتك أيضا، خاصة أنك تعمل في حقل الدعوة، وقد ظُلم الحب كثيرا بسبب خلطه مع الجنس؛ فأصبح أكثر الملتزمين ينكرون هذا الشعور، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينكره بل قال: "لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ"، وذكر ابن القيم -رحمه الله- كيف أن بعض الخلفاء الراشدين تشفعوا للمحبين عند محبوبيهم ليجمعوا بين أجسادهم على سنة الله ورسوله كما جمع الله بين قلوبهم، وكان الشاعر يأتي القوم المعروفين بالتقى فينشدهم من شعره الغزلي فيستطيبونه ما دام لا يشبب بمحبوبته ولا يذكر مفاتنها، وحتى إن قصيدة كعب بن زهير رضي الله عنه في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام بدأت بما اعتادوا عليه في معلقات الشعر الجاهلي من المطلع الغزلي، ولم ينكر عليه الرسول ذلك.
إذن الحب ليس عيبًا ولا حرامًا، فلا ترفض من قلبك رقة الحب إذا شعرت بها؛ فالداعية إلى الله بشر، وكي يستطيع أن يؤثر في البشر يجب أن يفهمهم، وإذا مر بمعاناة إنسانية من أي نوع فربما استطاع أن يتفهم أفضل عواطف البشر وأتراحهم وأفراحهم، وتفهمه هذا يهيئه ليقترب منهم أكثر ويساعدهم أكثر، وبالتالي يكون تأثيره فيهم أشد.
لذلك أرجو أن تلغي من رأسك هذه الأفكار بأنك خائن للأمانة والدين والأخوة، فهي ليست إلا من وساوس الشيطان ليدخل إلى عقلك أنك أخطأت خطأ كبيرًا ويحملك على تأنيب نفسك وجلد ذاتك، وقد يؤدي بك هذا الشعور إلى أن تعاني من شعورك بالنفاق والرياء، بل بالأحرى لقد بدأ معك هذا الشعور فتركت نشاطك الدعوي أو الحركي ليقوم به أخ غيرك. فاعلم يا بني أن أبواب الشيطان -لعنه الله- ليست عن طريق المعاصي فقط، بل إنه أحيانا يأتيك عن طريق الطاعات كما يسول لك أن تتركها خشية الرياء، فلقد انتصر عليك هنا فرد كيده في نحره وعد لنشاطك الإسلامي كأن شيئا لم يكن.
ويجب أن تعترف لنفسك بأنك ضعيف كما قال الله تعالى: "وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" لتستطيع أن تعترف بهذا أمام خالقك سبحانه وتعالى فتسأله أن يقويك على شيطانك وعلى نفسك وأن يلهمك الرشد، فلولا معونة الله لكنا جميعا في قبضة الشيطان الذي آل على نفسه كما ذكر القرآن الكريم: "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ . ثُمَّ لآَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ".
أنت ما زلت تشعر بأنك مهتم بهذه الفتاة، ورغم أنك حاولت التخفيف من عاطفتك بالدعاء والانشغال فهذه العاطفة ما زالت موجودة بين جوانحك وإن استطعت أن تكتم صوتها أن يزعجك، لكنك لا تستطيع منعها من التحرك في داخلك، خاصة عند رؤيتك لهذه الفتاة، وكذلك بدأت تشعر بنظراتها المختلسة لك.
فهنا يجب أن أتوقف قليلا لأصارحك بأنك قد تكون مخطئًا بشعورك الأخير هذا -أي بإعجاب الفتاة بك-؛ ولذلك فعليك أن توقفه عند حده، واحذر أن تتركه يتمادى، وحتى إذا كان صحيحا فإياك أن تعطيها الفرصة لأن تعبر عن شيء من مشاعرها، وتذكّر أن النساء ضعيفات أمام قلوبهن، فإذا ضعفت الفتاة جرّت وراءها الشاب إلى الهم والحزن، فكن أنت الأقوى، ولا تفسح لها مجالا بأن تنظر في وجهها أو تكلمها مباشرة أو تختلي بها ولو لثانية؛ فالشيطان بالمرصاد، والمرأة دميته يغري بها الرجال، خاصة في سنك يا بني.. هذا السن المتوقدة شبابًا وحيوية وعاطفة وغريزة.. فكن من الشيطان على حذر!
لا يبرر كلامي هذا أن تتهرب من المجموعة التي تشتركان فيها لتنتقل بين المجموعات كي لا تلتقي بها، بل ما أريدك أن تفهمه أن تجعل عقلك مسيطرا على قلبك، وهنا يحسن مثلك الذي تقوله: "لكل وقت أذان"، وإن كان يشمل البعد الزماني فإن الحكمة: "لكل مقام مقال" تتضمن البعد المكاني؛ فوقت الدراسة في الجامعة ليس وقتا للحب والإعجاب، كذلك فالمكان الذي هو الحرم الجامعي ليس مكانا لتبادل العواطف والأشواق، وأنت ترى كيف يدنس بعض الشباب اللاهين وبعض الفتيات العابثات قدسية هذا الحرم، فكن أنت القدوة في الحفاظ عليه من الدنس؛ وذلك بمنع نفسك من مجرد الخاطرة أو الفكرة أثناء تواجدك فيه؛ فهذه الفتاة وغيرها هي أخت لك في هذا الحرم كما لك أخوات في البيت، وكما يحرم على الشاب التفكير بأخته كذلك يحرم عليه التفكير أثناء دوامه وضمن الجامعة بأي فتاة أخرى.
هكذا يجب أن يكون نمط تفكيرك؛ إذ لا أجد من الحكمة أن أقول لك "امنع نفسك عن التفكير بها في الجامعة وخارجها"؛ فقد يكون ذلك صعبا عليك مع أنه سهل على من سهله الله عليه، ولكن أقول لك: امنع نفسك من التفكير بأنها تعني لك أي شيء داخل الجامعة، وامنع مشاعرك أن تتحول إلى غرائز، واكبح جماح عاطفتك بألا تسمح لها بتجاوز عتبة قلبك مهما كلف الأمر.
وعندما تستطيع أن تتحكم بعقلك وبعاطفتك بهذا الشكل فستجد أنك تتصرف معها ومع غيرها بشكل طبيعي، ولا أقصد بالشكل الطبيعي ما يفهمه الطبيعيون أو الوجوديون، بل اجعل الرسول عليه الصلاة والسلام قدوتك في هذا الأمر وغيره؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام وهو خير الدعاة يلقي السلام على النساء إذا مر عليهن، وتسأله النساء ويجيبهن بدون حرج أو تكلف.
وفي قصة إسلام "عدي بن حاتم الطائي" ذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاءته امرأة ضعيفة فوقف في حاجتها وكلمها طويلا، فقال عدي في نفسه: "ما هذا بأمر ملك"، ثم دخل في دين الله، وقد قال الله تعالى: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا"، فأكثر من الصلاة عليه سرا وجهرا لتكون موصولا به، واتبع سنته ظاهرا وباطنا، وزد من إيمانك بمداومتك على ذكر الله فهو درع حصين من فتنة الشيطان والهوى.
وكما يقول ابن القيم رحمه الله: "إذا طلعت على العبد شمس النبوة والرسالة، وأشرق عليه نورها رأى في ضوئها تفاصيل مصالح الدارين ومفاسدهما، فتلمح العواقب ولبس لأمة الحرب وأخذ بأنواع الأسلحة ووقع في حومة الحرب بين داعي الطبع والهوى، وداعي العقل والهدى، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله الله، ولا تضع الحرب أوزارها حتى ينزل في إحدى المنزلتين ويصير إلى ما خلق له من الدارين".
كلمة أخيرة أهمسها في أذنك وأذن كل من ينتمي إلى التيار الإسلامي أن هذه العبارة قد تحمل مفهوما سياسيا يجعل الحركة الهادرة كالتيار تطغى على سكون القلب؛ إذ يجب أن ندرك أن قلب المؤمن هو كأعماق المحيط الهادئة التي لا تتأثر بالأمواج المتلاطمة الظاهرة.
وكما بدأت أن الإسلام هو دين التوازن بين الروح والجسد أختم أن هذا الدين العظيم هو دين التوازن أيضا بين الحركة والسكون، فكما هو دين الحركة الخيرة بين الناس سواء بالدعوة أو بالأخلاق كذلك هو دين السكون بين يدي الله بالخشوع والتذلل والعبودية لتكون الأعمال خالصة لوجه الله. وفقك الله في دراستك وفي دعوتك، وزاد في همتك، وقوى عزمك. ولا تنس أن تبقى معنا، كذلك لا تنسنا من دعائك.. والسلام عليك.

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |