|
أوافقك على أن ما تمرين به مشكلة فعلا, لكن أنت تعتبرينها مشكلة كبيرة ولذلك لجأت
إلى صفحتنا, بينما يمكنك أن تعتبريها مشكلة أصغر نسبيا مقارنة بمشكلة أكبر فيما لو
تم العقد والزواج ثم حصل بينك وبين أهله مشكلات من هذه النوع, لذلك أرجو بداية أن
تتذكري ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن كل شيء يبدو صغيرا ثم يكبر إلا
المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر, وما أنت فيه لا يصح أن نسميه مصيبة بأي حال بل
من واجبك شكر الله أن توضحت لك بعض الأمور الهامة قبل الارتباط الفعلي.
ويأتي في رأس قائمة هذه الأمور الهامة وجود التوازن
لدى هذا الرجل الذي كان خطيبك بين مكانتك لديه وبين
مكانة والدته في حياته, فمن المهم جدا لمن يريد الزواج
أن يعرف كيف يحافظ على قيمة والدته دون أن يهدر قيمة
من ستكون زوجته في المستقبل, ومن الواضح أن هذا الأمر
غائب لديه, وقد يكون البعد سببا في ذلك, وقد يكون
تأثير والدته الكبير عليه, وقد يكون السبب فيك أنت,
خاصة أنك تعترفين ببعض الأخطاء التي صدرت منك.
الخطأ الذي من واجبي أن أضع إصبعي عليه في حالتك هو
عدم تقبلك لدور والدته, فأنت تعتبرين حبها الشديد له
أمرا مبالغا به, لكنك يا آنستي لم تعرفي ماذا يعني أن
تكوني أما, وماذا يعني أن يكون هذا الابن كل شيء في
حياتك, كما هو حالة والدة هذا الشاب, بعد وفاة أبيه,
فيبدو جليا اعتمادها عليه كرجل وحيد في حياتها, وهي
تعتبره سندها بعد غياب الرجل الكبير الذي هو الأب,
وكأنك غائبة - أيتها الطبيبة - عن مكانة الرجل في
مجتمعاتنا العربية, حيث ما تزال المرأة في كثير من
البيئات هي الأضعف, وهي الضلع الذي يسهل كسره, وكي لا
يكسره أحد لا بد من استناده إلى رجل, وهذه هي مكانة
خطيبك لدى أمه وأخواته, وأنت تقولين أن ما رفع مكانته
لديك هو اهتمامه بأخواته وحرصه على تجهيزهن, فهو
كالوالد لهن وبالتالي هو ليس مجرد ابن لهذه المرأة
التي هي أمه, بل هو الرجل في حياتها, بكل ما تعنيه
كلمة الرجل من أبعاد معنوية عميقة من قوامة وسند وأمان
وقوة.
هذه المفاهيم سائدة في مجتمعاتنا الشرقية, ودعيني
أصارحك, وأرجو ألا تعتبري صراحتي قسوة بل هي كي تكوني
قادرة على مواجهة الواقع الأليم: أنت نفسك ومهما بلغت
من المكانة العلمية لا تستطيعين الاستغناء عن الرجل,
وإلا فلماذا تحزنين كثيرا على هذا الفقد؟ قد تقولين
لأنك تعلقت به بعد أكثر عام من الخطوبة, وأنا أوافقك
على ذلك وأستطيع أن أتأكد من صدق معاناتك من خلال بعض
ما جاء في رسالتك, لكن يا عزيزتي تعلقك به لم يبلغ
مبلغ الحب بعد, لأنك كأنثى طبيعية لن تضعي قلبك لدى من
لا يستحقه, ومن يستحقه هو الرجل الذي يثبت لك أنه
يحبك, وقد ثبت من تصرف هذا الرجل أنه لا يحبك, لأن ما
يقوله بعض أفراد عائلتك صحيح من أنه لو كان يحبك لما
تخلى عنك بهذه السهولة, ولا تنسي أن ارتباطكما لم يكن
سوى بشكله التقليدي, فلماذا كل هذا الحزن؟ وكيف كانت
حالك ستكون لو كان ارتباطكما ناجم عن حب عميق وطويل
الأمد؟
أرجو أن تتعاملي مع نفسك بشكل أكثر حنانا, كي لا تقعي
نهشا للأحزان والاكتئاب؛ وتعاملك مع نفسك يجب أن يبدأ
بالرضا بقضاء الله سبحانه, وأن كل تجربة مريرة نمر بها
ما هي إلا لإنضاجنا أكثر, فالطعام بدون نار يبقى نيئا
ولا يستطاب طعمه, والحديد بدون بوتقة تصهره لن يتحول
إلى حديد مطاوع يمكن تشكيله كيف نشاء, وأنت تفتقدين
بعض المرونة الاجتماعية, وقد ذكرت ذلك أكثر من مرة في
رسالتك, على سبيل المثال اعتزازك بنفسك, فهذا ليس ثمة
اعتراض عليه إذا كان في مكانه المناسب, لكن إذا أردت
أن تصلي لمصلحتك فعليك أن تقومي ببعض التفاوضات
وأحيانا بعض التنازلات, وأحيانا أكثر بعض الصبر وعدم
التسرع, ولو بحثت على أمثلة ذلك في شخصيتك التي تبدت
في رسالتك لوجدت أن لديك الكثير مما يحتاج للتشذيب,
فالتواضع مطلوب, ونادرا ما يستطيع آباؤنا وأمهاتنا أن
يوجدوا في أنفسنا معاني التواضع لذلك ننشأ على
المبالغة بالاعتزاز بالنفس, لكن تجارب الحياة الأليمة
تأتي لتشذيبنا وتهذيبنا, وهذا كله لمصلحتنا إن عرفنا
كيف نستفيد من الأزمة فنجعلها أستاذا نتعلم منه شيئا
في كل مرة, وهكذا تتحول الأزمات إلى سلسلة من الدروس
التي لا نأخذها على مقاعد الكلية ولا في قاعات
الدراسة, بل لا بد من التتلمذ في مدرسة الحياة, لنتعلم
الكثير, وأول ما نتعلمه هو الإيمان بالله وأن أقداره
الأليمة ليست إلا قدوراً نسلم فيها أنفسنا للنار كي
تنضجنا, ولنحمد الله على كل تجربة مررنا بها حتى لو
شعرنا بالاحتراق, فالنار مطهرة لكل شيء, وأكثر ما
تحتاجه أرواحنا هو الطهارة, فهل وصلت الفكرة؟
عزيزتي تحصّني بالأمل, ولا تفكري بالتقليل من قيمة
نفسك بمحاولة الصلح, فأنت كنت جزءا من المشكلة لكن
خطيبك جزء أيضا, وأهله جزء ثالث, والبعد جزء رابع,
فلنكن واقعيين ولنضع على عاتقك ربع الأسباب, فهل
تستطيعين التغلب على الثلاثة أرباع الباقية؟
على كل حال أنت لم تطرحي هذا السؤال, بل ما سألته هو
عن إمكانية ارتباطك بآخر بعد أن شغلك هذا الشخص لفترة,
فيا آنستي العزيزة أرجو أن تعلمي أن النسيان بالتناسي,
وأن الزمن خير مقبرة للأحزان, فاشغلي نفسك بالعمل
ومتابعة الدراسة, وكوني معتزة بنفسك حقاً بأن لا
تلوميها أكثر, فكل ما حصل وما سيحصل هو قدر من الله,
فاسأليه من فضله إنه سميع مجيب.
إسلام
أنلاين 24/4/2008 |