الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) الحب في الله.. بعيداً عن الشذوذ

 
24/4/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أرجو جزاكم الله توضيح الحدود ما بين الحب في الله والحب الذي يعتبر شذوذًا، وإن لم تكن هناك رغبة في علاقة جنسية؟ وشكرًا

 
 
 

 
 
 
   

كان الحديث الغالب في الاستشارات الثلاث يركز تركيزًا شديدًا على الميول والممارسات الشاذة.. ثم جاء هذا السؤال ليدفعنا ويعطينا الفرصة لإلقاء الضوء على الجانب المضيء من الصورة وهو الحب الحقيقي في الله.
اسمح لي أن أُغيِّر في صيغة سؤالك مبدئيا ليكون أقرب إلى أذهان الإخوة القراء، إذ قد يستهجن بعضهم سؤالك من أساسه، رافضين المقارنة بين شيء في منتهى السمو ألا وهو الحب في الله، وشيء هو نهاية الانحدار للبشرية ألا وهو الشذوذ، ولكنهم نسوا أن الفرق بين الإيمان والكفر شعرة، كما أن الفرق بين الخير والشر شعرة كذلك، وعذرهم أنهم جهلوا أن الشيطان كثيرا ما يجمل للناس المعصية فيأتيهم بها متلفعة بثوب من الطاعة بدل أن يغريهم بها وهي عارية مكشوفة، وكم يستعير - لعنه الله - مسوح الخير فلا يرى ثوب الشر تحتها إلا من تداركته عناية الله باللطف، وأكبر مثال أبونا آدم -عليه السلام- عندما أخرجه إبليس من الجنة بقوله: "هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى" (طه: آية 120)، فصدقه آدم لبراءته الزائدة ولنيته الطيبة، وصدق من قال: "النية الطيبة هي أقصر الطرق إلى جهنم".
إذا لنجعل سؤالك: ما الفرق بين الحب في الله والحب المادي الذي ليس لله؟
سبق أن شرحت معنى الحب في المشاكل السابق ذكرها في بداية الحل ، وأختصره هنا فأقول : هو الحب الخالص من شوائب النفس وزيغ الهوى، فسبب حبي لشخص هو اشتراكي معه في حب خالد ألا وهو حب الله ورسوله ودينه، وقد وردت أحاديث كثيرة عن الحب في الله فمنها حديث: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان… وإحدى هذه الثلاثة: "وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله"، وحديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : "ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه"، والحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في"، فهي مرتبة سامية لا ينالها إلا ذوو النفوس الصافية والقلوب المخلصة جعلنا الله منهم.
أما الحب المادي فهو الذي يكون لغرض آخر سواء كان مصلحة مادية واضحة أو شهوة نفسية خفية، فالأولى لا حاجة لشرحها لأنها واضحة فعلا، وأكثر علاقات الناس بعضهم ببعض في هذا الزمن لا تتعدى حدود المادة، وما يهمنا هنا هم الذين يسمون أنفسهم ملتزمين، فأكبر مثال بينهم هم بعض مشايخ السوء الذين يسول لهم الشيطان بمد أيديهم إلى أموال مريديهم بعد أن يجعلوا قلوبهم البريئة تتعلق بهم، وتجدهم يحرصون على أن يكون تلاميذهم من طبقة معينة في المجتمع ليصلوا إلى مبتغاهم المادي إضافة إلى حظوظ النفس الخفية من الجاه والشهرة.
وأما الثانية وهي المقصودة بسؤالك غالبا، فهي عندما يكون حبك للشخص نتيجة صفة معينة كطوله أو شكله أو جماله أو أسلوب كلامه أو طريقة حركاته، وتتعلق به مفرغا شحناتك العاطفية، فتجدك تهيم به لدرجة تجعله محور حياتك كلها، وباختصار كأنه حب بين المراهقين من جنسين مختلفين، فتتخيله في أحلام يقظتك وتحلم به في منامك، وهذه الفوضى في العواطف غالبا ما تكون نتيجة لنقص في النضج، فكما أن الحب في الله يستحيل أن يكون إلا بين شخصين عقدا العزم على نيل رضا الله في كل حركة وسكنة، فكذلك هذا الحب المادي لا ينشأ أبدا بين شخصين ناضجين وجدانيا وعاطفيا، بالغين فكريا وعقليا، لأن ما يفرق بين الصلاح والفساد هو يقظة الضمير، وما يميز بين الخطأ والصواب هو انتباه العقل.
والعقل هو نعمة كبرى وأذكر أنني قرأت في أحد كتب العلم هذه القصة الطريفة أود أن أثبتها هنا:
)لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض أتاه جبريل -عليه السلام- بثلاثة أشياء: الدين والخلق والعقل، فقال: إن الله يخيرك بين هذه الثلاثة، فقال: يا جبريل، ما رأيت أحسن من هؤلاء إلا في الجنة، ومد يده إلى العقل فضمه إلى نفسه، فقال للآخرين: اصعدا، فقالا: أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان. فصارت الثلاثة إلى آدم عليه السلام).
وكما قيل فإن الشيطان لم يكابد شيئا أشد عليه من مؤمن عاقل، فالعقل هو الذي يساعد على التبصر بأي علاقة هل هي خالصة لله أو فيها من هوى النفس ما فيها؟ ويكون ذلك بثلاثة أشياء:
1- أن ينصح الإنسان نفسه بالشك في رغباتها، وليسألها: لماذا تحب هذا الشخص كل ذاك الحب؟ أليست النعم التي يتمتع بها هو أو غيره هبات من الله، فلماذا تنسيه النعمة حب المنعم؟ وليستبصر طريقة تعبيره عن هذا الحب، فإذا كانت الغاية سامية فلا بد أن تكون الوسيلة سامية أيضا، وليستحضر ما يحصل بينه وبين من يحب، هل يخجل من عواطفه أم يظهرها أمام الناس؟ وذلك لأنه -صلى الله عليه وسلم- أمرنا إذا أحببنا في الله أن نخبر من نحب، وميزان أي علاقة هو قوله عليه الصلاة والسلام: "الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
2- أن يجعل عقله حارسا على قلبه، فلا يسمح لحب كائن من كان أن يشغله عن حب الله سبحانه، ورحم الله من قال: "الحب وَلَه القلب، فإن تعلق بحقير فهو وَلَه الأطفال، وإن تعلق بإثم كان وَلَه الحمقى، وإن تعلق بفانٍ كان وَلَه المرضى، وإن تعلق بباقٍ عظيم كان وَلَه الأنبياء والصديقين"، "ومن أدرك أسرار الحياة علم أنه ليس جديرا بالحب إلا الله جل وعلا".
3- أن يعمل على صفاء نفسه وجلاء روحه بالتقرب إلى الله سبحانه ظاهرا وباطنا، وإذا لجأ المؤمن إلى إيمانه يمتلئ قلبه بردا وسلاما، وعندما يفيء إلى ربه يسبغ عليه رضا وأمانا، ولن يتخلى الله عن عبده المؤمن أبدا، لقوله تعالى: "وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" (البقرة: آية 143). وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (الحديد: آية 28). فهذا النور الإلهي لا يسكب إلا في قلوب المتقين، فيستطيعون التمييز بين الرذيلة والفضيلة مهما كان الفارق بينهما دقيقا. وقد يقول قائل: ما معنى حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- إذاً: "الحلال بيّن والحرام بيّن"؟ فالجواب أن هذا في الشعائر والعبادات والمعاملات وليس في المشاعر التي كثيرا ما تختلط، وكذلك في النوايا التي لا يعلمها إلا الله والتي قد تلتبس على صاحبها نفسه.
لي تعليق أخير أحب أن أنبهك إليه وهو قولك دون رغبات جسدية، فهذه قد لا تكون موجودة في البداية لكنها قد توجد فيما بعد، فالشيطان بالمرصاد ومن الأفضل قطع الطريق عليه، خاصة إذا كانت الرغبات لا تتنفس في جو طبيعي، سواء كان جوا متشددا أو متفلتا، كما هو وضع المجتمع الذي تقيم فيه حاليا.

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |