الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) عندما يتنازع القلب والعقل على الاختيار

 
أبو نضال - المغرب
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

بدأت قصتي هذه منذ حوالي ثلاثة أشهر، حين تعرفت على إحدى الأخوات في أحد المحافل الطلابية، أثارني فيها اهتمامها بي وكيف جاءت عندي وأعطتني رقم هاتفها، وقالت لي حينها إن احتجت أي شيء في المدينة التي أدرس بها، فلا تتردد بالاتصال.. لم تكن تعلم حينها أني كنت أستعد للذهاب لنفس المدينة لإكمال الدراسة، وعلمت بذلك فيما بعد.

التقيت بها بدعوى أن تحضر لي بعض المراجع، تكرر ذلك مرتين، وكنت أستغل الفرصة لأعرف أقصى الأمور عنها، كيف تفكر؟ أهدافها؟ طموحاتها؟ أولوياتها؟ وسألت عنها مَنْ عرفها منذ زمن، ولكن كان هناك دائما شيء يجرني ويقول لي من الداخل لا ليست هي.

كل ما سمعت عنها طيب ويشرف، مثقفة طيبة ملتزمة بدينها عفيفة شريفة أشرفت على تربيتها سيدة فاضلة معروفة في تلك المدينة، كان كل شيء جيدا فيها، مستعدة للكفاح معي في البداية التي قد تكون صعبة.

أخذت الوقت الكافي لأفكر، فكرت بعقلي فلم تكن هناك أي مشاعر تربطني بها سوى أنها تهتم بي، تتصل لتسأل عن أحوالي، قررت أن أفاتحها في الموضوع وبالفعل طلبت منها اللقاء لموضوع خاص، لم توافق إلا بعد إلحاح وأن الموضوع لا يمكن نقاشه على الهاتف، تكلمت معها عن الموضوع كانت تعرفني وتعرف طبيعة تخصصي الدراسي، وأننا لا نجد مشكلة في إيجاد عمل وبراتب جيد جدا ومستقبل زاهر بحول الله.

لم أكن أتوقع أن تسألني عن قدر راتبي المحتمل وتفاصيل متعلقة بالمال خصوصا، لم يعجبني الأمر لكن تجاوزته، وافقت في الحال واتفقت معها على موعد الخطبة الرسمية.

كل الأمور هنا على ما يرام لكن بعد أسبوعين فقط، وحين تجوالي بالشركة التي أقضي بها التدريب النهائي قبل التخرج، عرفني أحد من تعرفت عليهم بفتاة تقضي هي الأخرى تدريبا بنفس الشركة، ألقيت عليها السلام وانتهى الأمر يومها هناك.

وفي الغد التقيت بها سألتني عن الدراسة، تبادلنا أطراف الحديث عن أجواء العمل وعرضت عليها مساعدتي إذا صعب عليها أمر، ودعوتها لزيارتي في مكتبي في أي وقت، وبالفعل جاءت.. لم نتكلم عن العمل أو الدراسة بل مواضيع مختلفة إلى أن تكلمنا عن الزواج، حينها ذكرت لي أنها ترجو أن تجد زوجا يعفيها من العمل، ذكرت لها أني أعرف الكثير، ومنهم أنا.

قالت لي: إذن سأتزوجك.. كنت حينها مازحا فقط.. في طريق العودة ركبنا نفس الحافلة الخاصة بالشركة، حين وصولنا واصلت معي المسير وأكملنا الموضوع ولم يكن يخطر ببالي أن ذلك سيصبح جِدا، فهي مرحة جدا، بشوشة، غير متحجبة، لكن تنوي ذلك حال زواجها، وفي خضم كلامنا وأنا مازح عرضت عليها الزواج ووافقت في الحال.

كنت أعتبر الأمر بداية مجرد لهو.. فكرت في الأمر ليلتها، وكنت أستبعد ذلك.. في اليوم التالي زرتها وزارتني في مكتبي، انتظرتها لنذهب في نفس الحافلة وأكملنا الحديث، وحدثتها عن شروطي في الزوجة، وافقت في الحال، ومنها أنها قد تنتظرني لبعض الأشهر كي أرتب أموري، فلم تمانع، وحدثتني أنها ستسافر نهاية الأسبوع إلى إحدى المدن، وكنت أيضا مسافرا.. عرضت عليها أن نذهب سويا، لم تمانع وفي طريقنا حدثتني أن أحدهم جاء لخطبتها وأنها لن توافق.

شرحت لها علاقتي بإحداهن، وأنني كنت مازحا بداية ثم تحول الأمر إلى جِد وأنني احترت بينهما، لم تقل شيئا وإنما ذكرت لي أنه يتوجب علي تحديد موقفي.

استشرت أحد الرفاق فأشار علي بأن ألازم الأولى، وحكى لي قصة مماثلة وقعت له مع إحداهن، اقتنعت بكلامه لكن كنت أرفض فكرة تنزيل حالته على حالتي، ولكن بمجرد أن التقيت بها، وتبادلنا أطراف الحديث تراجعت.

في الغد صليت صلاة الاستخارة، وقررت أنها هي من ستكمل معي الطريق أخبرتها بذلك، أخبرتني أنها تحس بأنها سيعتدى عليها يوما ما، أعجبتني كثيرا، فهي مرحة بشوشة طيبة، حدثتني بكل صراحة عن معرفتها بآخرين، ولكن في حدود الدراسة.. تصلي.. أخلاقها متوسطة قالت لي يوما إنه قد اعتدي عليها وهي طفلة وفقدت عذريتها.. كنت أظنها تمزح، أحببتها صراحة، وجدت فيها كل ما لم أجد في الأولى، لكن ينقصها الالتزام.

تكلمت معها في الموضوع وأبدت رغبتها في التغيير، وبالفعل بدأت معها وكانت تستجيب، كنت قد حسمت الأمر، عرضت عليها أن ألتقي بها في نهاية الأسبوع، ووافقت، تكلمنا في مواضيع شتى، وقالت لي إنها غير عذراء، وإن كلامها يومها لم يكن مزاحا، أقسمت بالله الواحد القهار أنها لم يلمسها بشر وإنما كان ذلك أيام الطفولة.

لم أعترض، لكن من يومها وأنا أطرح سؤالا:

هل أحسنت الاختيار؟ هل كان قراري صائبا؟ وخصوصا أنه حتى الآن لدي كل الفرص للتراجع، علما أن الأولى لم أخبرها بكل ذلك، وإنما انقطعت اتصالاتنا إلا نادرا.

صحيح أن الثانية غمرتني حبا ووجدت ضالتي فيها، لكن أشعر دائما بأنها لا تصدقني الحديث.. وخصوصا بعد خبرها ذاك.

أي الطريقين أسلك؟ أشيروا علي من فضلكم.

 
 
 

 
 
 
         

أهلا وسهلا بك ومشكلتك مثال جيد عن حيرة الشاب فيمن يختارها شريكة حياة في هذا الزمن الصعب الذي أصبح المال يناقش من أول لقاء كما حصل مع الفتاة الأولى, أو أصبحت العفة موضع تساؤل كما في حالة الفتاة الأخرى.

يبدو لي أن العقل والقلب منقسم بين الفتاتين فالفتاة الأولى حازت على اقتناع العقل – نسبيا – لأخلاقها وسمعتها وحجابها وكذلك لاهتمامها بك, والفتاة الثانية نالت إعجاب القلب لأنها مرحة منفتحة ومستعدة للخضوع لرغبة الزوج في لبس الحجاب.

لكن صوت القلب يشوش القناعة بالفتاة الأولى, فعلى حد تعبيرك: (هناك دائما شيء يجرني و يقول لي من الداخل لا ليست هي), أما الثانية فالعقل يخشى من أنها غير صادقة في موضوع حفاظها على العفة, حتى لو أقسمت بالله الواحد القهار على أنها لم يلمسها بشر كما ورد في رسالتك.

وما أستنتجه شخصيا من انطباعاتك وأفكارك عن شخصية كل فتاة أنه ولا واحدة منهن تناسبك كلياً, فالزواج الناجح يجب أن ينال موافقة العقل والقلب معا, وما أنصحك به هو ما أنصح به كل شاب أن يتروى عندما لا يجد أمامه فتاة أحلامه, ومع أن وجود الإنسان الكامل هو محض خيال, لكن من حق كل منا أن يحصل على ما يطمح إليه في شريك حياته لأن الحياة الزوجية هي شركة لآخر العمر فإذا لم يحسن المرء الاختيار فإنه غالباً سيدفع ثمن الخطأ إلى آخر عمره, علماً بأن هذا ليس حقا فحسب بل إنه واجب الإنسان تجاه نفسه وتجاه عائلته الكبيرة وتجاه مجتمع أن يحسن الاختيار لأنه يؤسس أسرة هي نواة مجتمع, فإذا بنيت العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس الاختيار الواعي والأخلاق الحسنة مع إمكانية الوصول إلى حل مشترك يرضي الطرفين فيما له علاقة بالاختلافات, صلح نتاج هذه الأسرة والذي هو الأولاد.

لا شيء ينفي أن الفتاة الأولى كانت تضع لك الطعم المناسب عبر اهتمامها بك, وهو غير معيب برأيي, لكن من غير الملائم ألا تشعر باهتمام شخصي بها إلا كنوع من رد الجميل ربما, وهذا لا ينفع ليكون أساسا لعلاقة تنتهي بالزواج, خاصة أنها فتحت موضوع دخلك وإمكانية كفايته مستقبلا, فهذا في الحقيقة لا مشكلة فيه لو أنه تم تأجيله لبعض الوقت ريثما تضمن أن السمكة – التي هي أنت - علقت بالشبكة, لكن الفتاة تسرعت ولا أستطيع أن أسمي استفسارها عن دخلك المستقبلي سوى أنه تصرف غير مهذب, أو بالأحرى تصرف أرعن, ورحم الله أهل الأمثال:(صاحب الحاجة أرعن) ولو صبرت على طبختها لتنضج كان أفضل من أن تستعجل عليها وتحرقها كما نقول بالعامية.

وبالنسبة للفتاة الأخرى فلا شيء يثبت لك محافظتها على نفسها, فهي تبدو لمن يقرأ رسالتك أشبه بفتاة لعوب تمرح وتصخب وتنطلق, وهو ما لا عيب فيه لو أنك مثلها, فإن الطيور على أشكالها تقع, لكن شكلك ليس كشكلها – كما يبدو لي افتراضيا على الأقل – بمعنى أنك كنت تفضل أن تحظى بمواصفاتها المرحة مع بعض الالتزام, وأما ما صارحتك به من اللقاءات الأولى أنها تشعر أنه سوف يعتدى عليها يوما فهو موضع للتساؤل: ما مناسبته؟ وهل جاء في سياق الحديث مثلا؟ وما الدافع لأن تصارح الفتاة زميل دراستها أو عملها بأن لديها هاجس من هذا النوع؟! هل كانت هي الأخرى تحوم حولك وتنصب شباكها لتقبل بها عندما تخبرك أنها فاقدة لعذريتها؟

بالطبع قد تكون صادقة في ما قالته, وقد تكون كلاهما صادقتين في رغبتهما بالارتباط بك, ونحن نعلم ضغوط المجتمع على الفتاة التي غالبا ما تكون أكبر من ضغوطه على الشاب فأنت تستطيع بحرية أن تؤخر اختيارك في الزواج لمدة خمس سنوات بل عشر سنوات بما أن عمرك أقل من 25 سنة – كما تبدي بياناتك – ولكن الفتاة متى تجاوزت 25 سنة أصبحت عانسا في أعراف كل مجتمعاتنا العربية, وكذلك فإن هذه المجتمعات تبيح للشاب إنشاء علاقات تصل إلى حد الحميمية الجنسية وهو ما تحرمه على الفتاة رغم أن إثمهما واحد في حكم الشرع, مما يجعل الفتاة أحيانا – كثيرة – تخترع قصصا عن فقدان غشاء البكارة نتيجة سقطة قوية أو دخول شيء صلب نتيجة وقوع على كرسي مثلا, وعلى افتراض أن قصة هذه الفتاة عن اغتصابها في طفولتها حقيقية, فالسؤال الذي يجب أن تطرحه على نفسك هو: هل يمكنك أن تتعايش مع الشعور بأنك تدفع ثمنا لخطأ لست أنت سببه؟ وهل تستطيع أن تستفسر منها كيف علمت أنها غير عذراء؟ أين كان والداها مثلا؟ ولماذا لم تتم حمايتها كما يجب؟ وهل هذا لن يؤثر على علاقتكما الجنسية؟

كثير من الفتيات يستطعن تجاوز أزمة الاغتصاب في الطفولة, وأنا أقدّر الانفتاح النسبي في المجتمع المغربي الذي يتيح للشاب والفتاة مناقشة مناسبة كل منهما للآخر, لكن هذا لا يكفي حتى لو ذكرت أنها غمرتك حبا, وهو ما لم يوجد في حالة الفتاة الأولى, لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:(تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس) ولذلك أنت لن تتزوج فتاة وحيدة بدون أم وأب وعائلة, كما أن وراءك عائلتك التي لا شك يهمها ارتباطك بعائلة مكافئة من ناحية الأخلاق, فما هو رأي عائلتك بالفتاة مع التأكيد على عدم ذكر قصتها لأهلك اللهم إلا في حالة الضرورة القصوى؟ وما مدى انسجام العائلتين مع بعضهما؟ علما بأن كل الأسئلة عن العائلة تنطبق على الفتاتين معا, فالزواج انصهار روابط ولذلك سمي الصهر صهرا, كما أنه نيل حِمى جديد, ولذلك سمي الحمو حموا, أليس كذلك؟

أخيراً أمامك أحد حلين: إما أن تصرف النظر عن كل من الفتاتين بحكم أن أمامك سنوات أخرى للاختيار, أو أن تشرك عائلتك ومن تثق به من أهلك في الرأي دون أن يفرض عليك أحد اختيارك, وعلى كل حال ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة, فخذ وقتك ولا تنس أنه (من يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب).

إسلام أنلاين 15/3/2008

   

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |