|
أهلا وسهلا بك ومشكلتك مثال جيد عن حيرة الشاب فيمن يختارها شريكة حياة في هذا
الزمن الصعب الذي أصبح المال يناقش من أول لقاء كما حصل مع الفتاة الأولى, أو أصبحت
العفة موضع تساؤل كما في حالة الفتاة الأخرى.
يبدو لي أن العقل والقلب منقسم بين الفتاتين فالفتاة
الأولى حازت على اقتناع العقل – نسبيا – لأخلاقها
وسمعتها وحجابها وكذلك لاهتمامها بك, والفتاة الثانية
نالت إعجاب القلب لأنها مرحة منفتحة ومستعدة للخضوع
لرغبة الزوج في لبس الحجاب.
لكن صوت القلب يشوش القناعة بالفتاة الأولى, فعلى حد
تعبيرك: (هناك دائما شيء يجرني و يقول لي من الداخل لا
ليست هي), أما الثانية فالعقل يخشى من أنها غير صادقة
في موضوع حفاظها على العفة, حتى لو أقسمت بالله الواحد
القهار على أنها لم يلمسها بشر كما ورد في رسالتك.
وما أستنتجه شخصيا من انطباعاتك وأفكارك عن شخصية كل
فتاة أنه ولا واحدة منهن تناسبك كلياً, فالزواج الناجح
يجب أن ينال موافقة العقل والقلب معا, وما أنصحك به هو
ما أنصح به كل شاب أن يتروى عندما لا يجد أمامه فتاة
أحلامه, ومع أن وجود الإنسان الكامل هو محض خيال, لكن
من حق كل منا أن يحصل على ما يطمح إليه في شريك حياته
لأن الحياة الزوجية هي شركة لآخر العمر فإذا لم يحسن
المرء الاختيار فإنه غالباً سيدفع ثمن الخطأ إلى آخر
عمره, علماً بأن هذا ليس حقا فحسب بل إنه واجب الإنسان
تجاه نفسه وتجاه عائلته الكبيرة وتجاه مجتمع أن يحسن
الاختيار لأنه يؤسس أسرة هي نواة مجتمع, فإذا بنيت
العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس الاختيار الواعي
والأخلاق الحسنة مع إمكانية الوصول إلى حل مشترك يرضي
الطرفين فيما له علاقة بالاختلافات, صلح نتاج هذه
الأسرة والذي هو الأولاد.
لا شيء ينفي أن الفتاة الأولى كانت تضع لك الطعم
المناسب عبر اهتمامها بك, وهو غير معيب برأيي, لكن من
غير الملائم ألا تشعر باهتمام شخصي بها إلا كنوع من رد
الجميل ربما, وهذا لا ينفع ليكون أساسا لعلاقة تنتهي
بالزواج, خاصة أنها فتحت موضوع دخلك وإمكانية كفايته
مستقبلا, فهذا في الحقيقة لا مشكلة فيه لو أنه تم
تأجيله لبعض الوقت ريثما تضمن أن السمكة – التي هي أنت
- علقت بالشبكة, لكن الفتاة تسرعت ولا أستطيع أن أسمي
استفسارها عن دخلك المستقبلي سوى أنه تصرف غير مهذب,
أو بالأحرى تصرف أرعن, ورحم الله أهل الأمثال:(صاحب
الحاجة أرعن) ولو صبرت على طبختها لتنضج كان أفضل من
أن تستعجل عليها وتحرقها كما نقول بالعامية.
وبالنسبة للفتاة الأخرى فلا شيء يثبت لك محافظتها على
نفسها, فهي تبدو لمن يقرأ رسالتك أشبه بفتاة لعوب تمرح
وتصخب وتنطلق, وهو ما لا عيب فيه لو أنك مثلها, فإن
الطيور على أشكالها تقع, لكن شكلك ليس كشكلها – كما
يبدو لي افتراضيا على الأقل – بمعنى أنك كنت تفضل أن
تحظى بمواصفاتها المرحة مع بعض الالتزام, وأما ما
صارحتك به من اللقاءات الأولى أنها تشعر أنه سوف يعتدى
عليها يوما فهو موضع للتساؤل: ما مناسبته؟ وهل جاء في
سياق الحديث مثلا؟ وما الدافع لأن تصارح الفتاة زميل
دراستها أو عملها بأن لديها هاجس من هذا النوع؟! هل
كانت هي الأخرى تحوم حولك وتنصب شباكها لتقبل بها
عندما تخبرك أنها فاقدة لعذريتها؟
بالطبع قد تكون صادقة في ما قالته, وقد تكون كلاهما
صادقتين في رغبتهما بالارتباط بك, ونحن نعلم ضغوط
المجتمع على الفتاة التي غالبا ما تكون أكبر من ضغوطه
على الشاب فأنت تستطيع بحرية أن تؤخر اختيارك في
الزواج لمدة خمس سنوات بل عشر سنوات بما أن عمرك أقل
من 25 سنة – كما تبدي بياناتك – ولكن الفتاة متى
تجاوزت 25 سنة أصبحت عانسا في أعراف كل مجتمعاتنا
العربية, وكذلك فإن هذه المجتمعات تبيح للشاب إنشاء
علاقات تصل إلى حد الحميمية الجنسية وهو ما تحرمه على
الفتاة رغم أن إثمهما واحد في حكم الشرع, مما يجعل
الفتاة أحيانا – كثيرة – تخترع قصصا عن فقدان غشاء
البكارة نتيجة سقطة قوية أو دخول شيء صلب نتيجة وقوع
على كرسي مثلا, وعلى افتراض أن قصة هذه الفتاة عن
اغتصابها في طفولتها حقيقية, فالسؤال الذي يجب أن
تطرحه على نفسك هو: هل يمكنك أن تتعايش مع الشعور بأنك
تدفع ثمنا لخطأ لست أنت سببه؟ وهل تستطيع أن تستفسر
منها كيف علمت أنها غير عذراء؟ أين كان والداها مثلا؟
ولماذا لم تتم حمايتها كما يجب؟ وهل هذا لن يؤثر على
علاقتكما الجنسية؟
كثير من الفتيات يستطعن تجاوز أزمة الاغتصاب في
الطفولة, وأنا أقدّر الانفتاح النسبي في المجتمع
المغربي الذي يتيح للشاب والفتاة مناقشة مناسبة كل
منهما للآخر, لكن هذا لا يكفي حتى لو ذكرت أنها غمرتك
حبا, وهو ما لم يوجد في حالة الفتاة الأولى, لأن النبي
عليه الصلاة والسلام قال:(تخيروا لنطفكم فإن العرق
دساس) ولذلك أنت لن تتزوج فتاة وحيدة بدون أم وأب
وعائلة, كما أن وراءك عائلتك التي لا شك يهمها ارتباطك
بعائلة مكافئة من ناحية الأخلاق, فما هو رأي عائلتك
بالفتاة مع التأكيد على عدم ذكر قصتها لأهلك اللهم إلا
في حالة الضرورة القصوى؟ وما مدى انسجام العائلتين مع
بعضهما؟ علما بأن كل الأسئلة عن العائلة تنطبق على
الفتاتين معا, فالزواج انصهار روابط ولذلك سمي الصهر
صهرا, كما أنه نيل حِمى جديد, ولذلك سمي الحمو حموا,
أليس كذلك؟
أخيراً أمامك أحد حلين: إما أن تصرف النظر عن كل من
الفتاتين بحكم أن أمامك سنوات أخرى للاختيار, أو أن
تشرك عائلتك ومن تثق به من أهلك في الرأي دون أن يفرض
عليك أحد اختيارك, وعلى كل حال ففي التأني السلامة وفي
العجلة الندامة, فخذ وقتك ولا تنس أنه (من يتق الله
يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب).
إسلام أنلاين 15/3/2008 |