|
أهلا وسهلا بك ونسأل الله أن يجعلنا عند حسن ظنك ومحلا لثقتك.
لا يخفى عليك أننا تناولنا موضوع تعدد الزوجات في كثير من
الاستشارات وكذلك في كثير من المقالات التي عرضتها صفحة مشاكل
وحلول لكتاب من ذوي الاتجاهات المختلفة، والرأي الذي أراه
شخصيا وذكرته في كثير من مقالاتي واستشاراتي أن الله سبحانه
أباح التعدد للرجال فلا يجوز أن نحرمه، ولم يشرعه الله فقط لأن
عدد النساء أكثر من عدد الرجال، كما تظنين، بل لأنه يتماشى مع
فطرة الرجال حيث يستطيع أحدهم أن يتزوج أكثر من امرأة ويتعامل
معهن جنسيا في حين أن المرأة لا تستطيع أن تتعامل جنسيا مع
أكثر من رجل، هذه هي الفطرة التي فطر الله عليها الرجال
والنساء، ولا يُعتدّ بالاستثناءات التي نراها والتي هي ناجمة
عن تشوهات الفطرة لدى المرأة التي تعدد شركاءها الجنسيين، كما
لا يعتدّ بالاستثناءات التي نراها عند رجل نتيجة لثقافته
المتحضرة أو تربيته المهذبة، وأما الأصل في الحقيقة -والتي هي
حقيقة مؤلمة لكثير من النساء- فهي أن الرجل بطبيعته قادر على
التعدد، وهذا يدل على أن شرع الله يتماشى مع فطرة الله سبحانه
الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، وأما أن تعدد المرأة
أزواجها فهذا ليس غير متناسق مع فطرة المرأة فحسب، بل أيضا
لأنه لا يمكن أن يعرف من هو والد الطفل –بعيدا عن فحوصات الحمض
النووي طبعا والتي لم تكتشف إلا مؤخرا– أما إذا كان للرجل أربع
زوجات فمن الواضح أن أم الطفل هي التي حملته ووضعته أمام أعين
الناس من بطنها، أما الوالد فلا يمكن أن يضعه نطفة في رحم
الوالدة أمام أعين الناس!
هذه المقدمة كانت ردا على سؤالك الذي ورد في نهاية رسالتك،
وكذلك تجاوبا مع ما أثير من نقاط في صفحة مشاكل وحلول من
مقالات للإخوة الكرام من دعاة ومفكرين ومهتمين بالشأن
الاجتماعي، إضافة إلى أن رسالتك تطرح تساؤلا هاما حول عدم
قدرتك على تقبل فكرة التعدد بل ربما رفضك لها، لذلك حاول ذلك
الرجل أن يبعد هذه الشبهة عن نفسه حتى تطمئني له، وهذا ما سوف
أناقشه معك لاحقا.
لكن ما أريد قوله إن كثيرين منا -للأسف- لديهم أفكار نظرية
مسبقة عن موضوع ما، ولكن ليس لهم تجربة في الأمر نفسه، لذلك
يعاندون أهل التجربة والخبرة بدون أساس متين، لكن الحقيقة أن
المعرفة هي مجموع معرفتين؛ معرفة نظرية ومعرفة عملية، وأصحاب
هذه المعرفة المزدوجة هم الذين يستطيعون مد يد العون للناس،
ولأضرب مثلا بشخص كان يحرم تعدد الزوجات تقريبا ولم يكن يشعر
أن ثمة مشكلة بينه وبين زوجته، فما إن تظهر إحداهن في حياته
وتطرق على باب قلبه إلا وينفتح، ولو كان ممتلئا بحب زوجته لما
شعر بذلك الفراغ الذي يدفعه دفعا لفتح باب القلب للأخرى، فكيف
سيستطيع مواجهة زوجته ويخبرها بأنه أحب امرأة أخرى كما يرى بعض
من كتب في هذا الموضوع؟!
أرجو ألا يفهم من كلامي هذا أنني أشجع تعدد الزوجات، بل على
العكس مع هذا الكم من المشكلات الأسرية الناجمة عن ظلم المرأة
الأولى أو الثانية، نحن بحاجة إلى تقنين تعدد الزوجات، دون
منعه، لكنه ليس القانون الوحيد الذي نحتاجه مع كثير من
التطورات التي نشأت في مجتمعاتنا نتيجة احتكاكها بالحداثة،
وقوانين الأحوال الشخصية كلها متعلقة ببعضها بعضا، ولقد لاحظنا
في دراسة عرضها موقع "إسلام أون لاين.نت" عن رفض المرأة
الكويتية للتعدد أن ذلك الرفض موجود أكثر عندما تكون المرأة
متعلمة، وهذا شيء طبيعي خاصة أن المرأة المتعلمة هي عاملة،
ومعنى ذلك أنها تشارك بالإنفاق، فكيف لا تشعر بالندية مع الزوج
ما دامت تتحمل أعباء الحياة الأسرية مثله؟ ألا يستحق هذا
تحديدا لمفهوم جديد للقوامة كي يعطى كل ذي حق حقه دون الخروج
عن ثوابت الشرع؟
هذا ما ناقشته في مقالتي: نحو مفهوم
عصري للقوامة، لأن الرجل عندما لا يكون قواما حقيقيا على
المرأة فكيف يحق له التعدد؟! عندما لا يستطيع أن يكون مسئولا
عن بيت واحد فكيف سيكون حاله إذا تبعته زوجتان وأطفالهما؟!
لا أعتقد أن هذا السؤال ينطبق على ذلك الرجل في مشكلتك، حيث إن
زوجته غير متعلمة، لكن لا بد من أن أفتح عينيك على بضعة
تساؤلات بخصوصه:
لماذا لم يصارحك بوضعه من البداية؟
هو أخبرك أنه لا يريدك أن ترفضيه فورا، ولكن ألا يمكن أنه أخفى
عنك وضعه العائلي ليطمئن أنه أصبح مهوى قلبك، وهو يعلم أنه
عندما تشتعل المعركة بين القلب والعقل فإن قلب المرأة سوف
يتغلب على عقلها.. ألا ينمّ هذا عن ذكائه إذا أحسنّا الظن أو
عن خبثه إذا فتشنا في نيته؟
أما بحثه عن الحب والتوافق فسأحكي لك قصة امرأة أرسلت سابقا
إلى صفحة مشاكل وحلول، وتم تحويل المشكلة إلى مستشارة أخرى
غيري، وكانت السيدة تسأل عن رغبة زوجها بالزواج من ثانية، حيث
إنها غير متفرغة له بسبب أعمالها ونشاطاتها، وأنها تشعر أنه لا
مانع لديها من زواجه من أخرى، بل على العكس هي ترغب بفعل
الثواب حتى أنها كانت تفكر أن تزوجه من صديقتها التي تجاوزت
الثلاثين، ولا أذكر رد المستشارة تحديدا، لكن المفاجأة كانت
أني تعرفت على السيدة وزوجها بعد زواجه، ووجدتها تعض أصابعها
ندما على هذه المغامرة، وبعد ذلك جمعتني صدفة بزوجها، وعلمت
أنه غير سعيد بهذا الزواج على الرغم من قصر المدة، وأرجع هو
السبب أولا لوجود الغيرة بين الزوجتين، وهذا لم يكن مفاجئا لي،
لكني كنت أتوقع سببا آخر، صارحني به بعد ذلك هو أنه لم يجد
الحب الذي كان يتوقعه عند هذه المرأة، ولذلك كان يستشيرني إن
كان عليه أن يبحث عن زوجة ثالثة!
هذا السبب الثاني هو ما أتوقعه من أي رجل يعدّد لأنه يبحث عن
الحب والتوافق دون أن يتمعن في مصداقية هذا التوافق ودون أن
يستطيع أن يميز أن ما ينقصه فعلا هو الحب أم أن لديه فراغا
نفسيا هائلا لا يملؤه حب امرأة مهما كانت صفاتها، ولذلك أخبرك
أن خشيتك من أن يتزوج هذا الرجل مرة ثالثة هي خشية في محلها
برأيي.
لكن السؤال الأهم: هل صحيح أن زوجته موافقة على زواجه منك؟
هل إذا كانت غيرتها الآن غير موجودة فمعنى ذلك أنها لن تشتعل
بعد زواجه منك؟
من يضمن لك ألا تنقلب حياتك إلى جحيم بسبب غيرتك منها أو
غيرتها منك؟
المشكلة التي فعّلت سؤالك، وهي الزواج الثاني.. البحث عن الدفء
المفقود أظهرت لنا كيف أن زوجة السائل تنبهت لمكانته فقط عندما
أصبح زواجه الثاني موضع تفكير، عدا أن صاحب المشكلة هو نفسه
الذي كان يسأل، وكانت النصيحة أن يتلافى الزواج الثاني ما
استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكن في نفس الوقت شجعناه على أنه إذا
أراد فعلا أن يتزوج فليتزوج من أرملة أو مطلقة كما كان رأي
والده أيضا..
لكنك ما زلت بكرا، ومن حقك أن تبحثي عن رجل بكر مثلك، دون أن
تشاركك فيه امرأة أخرى، وليس معنى أني أبين لك حقك أني أمنعك
من التنازل عنه، فهي حياتك ولك أن تختاري ما تشائين.
علي فقط أن أبين لك أن عمرك كما دونته في بياناتك جاء في الفئة
بين الخامسة والعشرين والخامسة والثلاثين، فإذا كنت أقرب
للخامسة والعشرين فما يزال الوقت أمامك مبكرا لتخافي من اللحاق
بركب العنوسة، وأما إذا كنت أقرب للخامسة والثلاثين فأجدر بك
أن تنضمي لركب المتزوجات كي تحصلي على طفل يطفئ ظمأ الأمومة
المتأججة في داخل كل أنثى، لكن إذا كنت لا تشعرين برغبتك في
الأمومة كثيرا، وتبحثين عن الحياة الزوجية المستقرة فابحثي عن
رجل غير مرتبط، فذلك أفضل.
خذي وقتك بالتفكير واستشيري أهلك مرة بعد مرة، ولا عليك بمن
تخاف على زوجها من المتزوجات، ولا بمن ينصحنك بنصف العمى، فقد
يكون الزواج من متزوج سبيلا للشلل وليس للعمى فقط، والحياة
أشكال وألوان وفيها المضحك والمبكي، فاعملي على أن تستغرقي
رحلة حياتك بأقل الأحزان الممكنة.
إسلام أنلاين 4/12/2007 |