|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بداية أود أن اشكر القائمين في هذا الموقع، فجزاكم
الله خيرا على ما قدمتموه وجعله في ميزان حسناتكم، وإني لمتابعة قديمة لكم
ولنصائحكم وكم استفدت منها، ولكن في الآونة الأخيرة قل إقبالي على الموقع لظروف
الدراسة وضغطها.
أنا فتاة ذات 18 ربيعا، من إحدى الدول الخليجية، أعيش
حياة متمكنة و فارهة في ظل أسرة تبدو في أوج قمتها من
السعادة، ولكن ليت كل المناظر حقيقية كما نراها،
حالتنا المادية متوسطة، ولكننا نعيش برفاهية متمكنة،
مشكلتي احترت في طرحها آلاف المرات، ولكن بعد مد وجزر
اتفق قلبي وعقلي بكتابتها لكم، لعلي أرى بوارق الأمل
في عتمة الظلمة، ولكني سأبرز أولا محطات من حياة أبي
وأمي وأخي الأكبر وأختي الكبرى من عائلتي لصلتي
الكبيرة بهم، ولتوضيح موقفهم وموقفي منهم، أما ما تبقى
من أخوتي فهم صغار ولم يشتد عودهم بعد ولا أعرف ماذا
تخبئ لنا الحياة في جعبتهم.
أبي رجل أصوله ليست من الدولة الخليجية التي ولدنا
ونسكن فيها، وإنما دولة أخرى خليجية أيضاً، ومجاورة
لها، ولكني لست بصدد الولوج في حياته السابقة، إنما في
أفعال أثرت في حياتنا، من يراه يظنه رجلا يافعا لا
رجلا ناضجًا، بسبب جماله فهو يتصف بالجمال والحيوية
والنشاط، أبي متزوج من أمي منذ عشرين سنة، هذه السنون
قضاها في خيانة أمي سنة تلو السنة، ومنذ نعومة أظافرنا
عرفنا هذا الواقع وتعايشنا عليه، في المقابل أمي كانت
تنتحب بصمت ولم تطلب مساعدة أحد ما، ولظنها بأن أي
مشكلة بين الزوج وزوجته لا تحل إلا بينهما، ولكن تنتهي
أي مشكلة بينهما حول هذا الموضوع بالضرب المبرح لأمي.
أبي رجل لا يصلي أبدًا ولم يتعايش في بيئة مليئة
بالإيمان، حيث إنه لا أحد من إخوانه أو أمه وأبيه
يصلي.. باستثناء واحد من أخوته فقط، لم يتربَ على وجود
وازع ديني يحكمه أو يرشده؛ فلم تكن لديه مشكلة في
خيانة أمي لعشرين سنة كاملة، إنسان شرقي، غيور على
فتياته وزوجته كثيرا، في المقابل فهو أب كريم جدا،
عطوف، حنون وأيضا طيب جدًا لا يرفض لنا طلبًا، يجبرنا
أن نتكلم معه باحترام ونقدم له أمارات الطاعة
والامتثال، وأن لا ترفع من بيننا الكلفة، حاجز بناه
على مر السنين، وعندما أراد التقرب منا -نحن أبناؤه-
وجد الصدود في وجهه، لربما بسبب عدم تعودنا عليه،
وخوفنا منه، وكان يجب أن يأخذ ذلك في الحسبان منذ
البدء فنحن نهابه كثيرًا، حتى إن فتح باب الحوار معه
في موضوع ما يكون بمثابة مرسوم أميري يجب أن تنتقى
حروفه بدقة متناهية، وهذا لأنه من ذوي "الطبع الحامي"
جدا، وأعصابه أقرب إلى أن تكون ملتهبة من حارة،
فاقتصرت علاقتنا معه -نحن أبناؤه- خلا الابن البكر على
مستلزماتنا، وأخذ الإذن في أمر ما فقط والتكلم في بعض
الأمور السطحية، وأحيانا في بعض المشاكل أو الأمور.
ولكنه مكافح جدا لنا فقد ارتبط بزواجه من أمي بسبعة
أبناء، وعندما اشتد عودنا نحن الكبار كافح أكثر، ولكنه
في المقابل يلوم أمي بربطها له بقبيلة كاملة كما
يسمينا، وأنه اكتفى من الأبناء ولا يريد المزيد على
غرار أمي والتي في نظرها بأن المزيد من الأبناء يكبل
الأب ويقيده، وفي نظري أن المزيد من الأبناء زاد أعباء
الأسرة كثيرا وزاد المشاكل بين أمي وأبي إضافة إلى
خيانات أبي المتوالية سنة بعد سنة.
أما أمي فهي امرأة كالنحلة النشيطة التي تعمل بلا كلل،
وأفضالها علينا لا يمكن نسيانها أبدا، تزوجت من أبي
وهي ذات 19 ربيعًا بعد قصة حب، إنسانة جميلة جدًا
قلبًا وقالبًا، وكثيرًا ما تردد أنها تسرعت بزواجها في
هذا العمر الصغير، وكما أسلفت لكم سابقًا أنها انضوت
تحت ألوية التكتم جراء خيانات أبي المتكررة، وتلوت
كحمل ذبيح كلما أسبرت في غور أبي ووجمت لوجود نساء كثر
غيرها، ولهذا فقد كرّت السبحات وأنجبت سبعة أبناء، ففي
الوقت الذي كانت فيه مثخنة بالجراح ظنت أنها ستقيد أبي
بإنجابها العديد والعديد من الأبناء.
في بداية زواجهما كثيرًا ما كانت تقضي يومها كله عند
أسرتها، وهذا خطأ تفعله كثير من النساء، مما جعل أبي
يبحث عن ما يبدد به وحشته، فالفراغ خنقه، وزوجته
وأبناؤه في أحضان أسرة زوجته لأيام، فتوالت الخيانات،
وأضحى بيتنا كالبيت المهجور بلا جدران، فقد همدت
الزوجة فجأة، وأفجعها مصابها، ولم تكن تملك ما تشد به
أزرها، فهرعت مقطوعة الأنفاس لتنقذ ما تبقى من زواجها
مع من أحبت، ولكن ما أجج لوعتها وزاد حسرتها، ونكأ
جروحًا لم تندمل هو أبي، فلم يتوارى عن تكرار أفعاله
الشنعاء بلا هوادة، مع ضربه المبرح لأمي، حتى أصبحت
زوجته خائرة القوى، محطمة العزيمة، تجتاحها موجات
الكآبة، الصدمات تخرسها، تبث حزنها ولوعتها لنفسها،
حتى كان وقع المصائب أشد الأثر عليها وعلينا، فدفعنا
ثمن خيانات أبي بطريقة غير مباشرة من أمي، عايشنا واقع
وجود نساء غير أمي في حياة أبي وكم نقلنا ما رأينا
لأمي ونحن صغار ولم نكن نعرف ماذا سيخبئ لنا القدر؟
حتى إنني طردت أنا وأخي البكر من قبل أبي من البيت مرة
وبقينا لمدة أسبوعين في بيت جدتي لأمي وأوهمناهم بكذبة
واهنة لا تمت لسبب طردنا بصلة كما أوصتنا أمي، ولكن
السبب الحقيقي كان أني أخبرت أمي بتفاصيل محادثة
هاتفية مع أبي وإحدى النساء، أما أخي فلأنه حفظ الرقم
الهاتفي لإحدى النساء عن ظهر قلب ونقلها لأمي والتي
بدورها فجرت مشكلة كبيرة.
وفي الآونة الأخير اكتشفت أمي أنه يخونها بالرسائل
النصية
SMS
مع نساء أخريات فأصبحت كالمفتش الليلي الذي يفتش هاتف
أبي الخلوي فجرًا، وتحقق في كل شاردة وواردة عن
تحركاته، حتى ظننا أن مناقشاتنا لا تكون إلا عن أبي
ماذا فعل؟ ومن يحادث؟ وأين ذهب؟ ومتى استخدم الهاتف؟
وكم كانت الساعة؟ ومن المتصل ؟ ماذا قال؟ وماذا رد أبي
عليه؟ وهكذا عشنا حياة متقبلة بين أب خائن وأم لم
تتعافَ من الصدمات إلى الآن؛ فعاش كل منا حياة منفردة
بخصوصياته، حاملا في قلبه الكثير والكثير من الهموم
التي كان أبي السبب فيها، فيما كانت أمي تظن أن
متطلباتنا اليومية والمادية هي الضرورية أما المعنوية
منها فلا وجود لها، في هذه النقطة أعتب على أمي كثيرا،
كم أتذكر أنني عندما أذهب لمحادثتها تنهي النقاش سريعا
لتعود لتدريس أخي الصغير، وأحيان أخرى كانت ترجعني
خائبة مرددة أنه يجب تأجيل الحديث لوقت لاحق، ساعتها
أحيانا كنت أنفجر فيها مرددة أن يجب عليها سماعنا
وسماع همومنا وعلى الأقل تخصيص جزء بسيط من الوقت ولو
ساعة لنا للمحادثة والمناقشة في أمورنا، لكنها كادت
أنها لا تملك الوقت لمحادثتنا وتفضل أن تدرس أخوتي
عوضا عن ذلك، وأنه يجب علينا مراعاتها في ذلك، ولكن
نحن من يراعينا في ما نحس به وما تعترينا من مشاعر؟
في المقابل أخذ إخوتي العبارات واللعنات والكلمات
النابية التي ينطق بها لسان أمي وتبادلوها فيما بينهم
حتى لم يعد مصطلح الاحترام موجودًا فيما بينهم وبين
أمهم، ويكاد لا يوجد ما يسمى احترام وتقدير في
حواراتهم ومناوشاتهم اليومية.
أما ما لم أذكره بعد عن أمي فهي امرأة أقرب إلى التدين
وهي النقيض لشخص أبي، التالي هو أخي الأكبر ( الابن
البكر) ذو الـ21 ربيعا، فهو ذا الابن الوسيم الذي لا
يرفض له طلب، الذي يجوب أرجاء المعمورة بسيارته
الفارهة دون كلل، والذي يكاد يكون نسخة طبق الأصل من
طبع أبيه الحامي والحار، فهو يعتبر نفسه رجلا وسيد
نفسه، وكثيرا ما يتناقش بعنف مع أبي في أمور قام بها
سرًا و أبي يمنعه منها كالتدخين، وما إن يعرف أبي حتى
تقوم الدنيا ولا تقعد.
في المقابل فهو ابن مطيع، ولكن أخلاقه ليست راقية مع
أمه، فتارة يصرخ في وجها وتارة يخرسها وتارة يتشاجر
معها وكل ذلك ينصب في المقام الأول في مشكلة يعنى أبي
بها، فابنه محامٍ عنه في غيابه، ولكن في ظني عبثًا أن
تصطلح تصرفاته إلا أن يهتدي والده، فهو يسير على منهج
الأب، لا يصلي ولا يعرف طريقًا للإيمان، وفي صحبة
للفتيات دائمًا. ولكنه في المقابل ابن طيب جدا ذو روح
فكاهية كوميدية لا يحب أن يزعج نفسه بمشاكل الناس
وشديد الغيرة على أخواته الفتيات.
والتالية هي أختي الأكبر مني ذات الـ19 ربيعًا، إنسانة
لا أعرف ما هو تكوينها فتارة هي مرحة جدا وكوميدية،
وتارة هي طيبة جدا، وتارة أخرى تراها هجومية وعدائية
عنيفة، وتارة أخيرة أنانية، تفكر في نفسها بالدرجة
الأولى ولا يهمها أحد، طالما الضرر لن يمسها، وكثيرًا
ما نتشاجر لاختلاف شخصيتينا، شتان بيننا، فأنا شرق وهي
غرب.
وكثيرًا ما "نتعانف" على أمور بسيطة ولكنها تخرج عن
السيطرة، فأرى الجانب المظلم من شخصيتها فهي عدائية
عنيفة من الدرجة الأولى، وللوهلة الأولى لن يصدق المرء
أنها هي تلك الفتاة الناعمة نفسها، هي شخصية كسولة
كثيرًا، فما أن تقوم بأي مجهود ولو بسيط فإنها ستشكو
من ذلك ليومين متتاليين، وظروفنا ساعدتها لتكون تلك
الكسولة التي طلباتها مجابة وهي ممدة في غرفتها، كأنها
أميرة لا تقوم بشيء ولا تدري عن شيء، جل اهتماماتها هو
نفسها، فلا تمل من الحملقة والتطلع في هيئتها بالمرآة
بوتيرة يومية، أيضا هي محافظة على مقتنياتها بالدرجة
الأولى؛ فتراها تتحقق من كل ذرة تحركت من مكانها تخصها
فتقوم الدنيا ولا تقعدها.
المتبقية هي أنا، فأنا إنسانة طموحة بالدرجة الأولى
وقارئة من الطراز الأول، إنسانة متميزة متفردة بذاتي،
لست في صدد الإشادة بما أنا ومن أكون ولكنها بشهادة من
حولي والمحيطين بي أجمعهم، أحب القراءة حبا جما وأحب
التطوع في أعمال الخير، ورثت جمال أمي منها بأكمله حتى
صرت نسخة مطابقة ومصغرة لها، ذكية في الدراسة ومتفوقة
فيها منذ الصغر، حادة الطباع أحيانا، ومرة الكلام
أحيان أخرى، ولكني أحب إخوتي وأمي وأبي ولم أمل من
إصلاح ذات شأنهم يوما ولن أمل، في بداية مراهقتي حدثت
حادثة غيرت مجرى حياتي لتقلبها لحياة أخرى، تقبلت
مجريات الحياة الجديدة بتفاصيلها وتعاريجها، ومنها
تطورت وصرت على ما أنا عليه اليوم، وهي كالتالي:
في بداية السنة الدراسية في بداية مراهقتي انتقلت
صديقتي المقربة مني لمدرسة أخرى، وكم كان وقع الصدمة
علي هائلا وجبارا، فقد وجمت وبكيت لعدة أيام لأن
انتقالها ما معناه أن علاقتنا لن تكون كالسابق، في حين
أن بعض الفتيات تقربن مني في محاولة لمصادقتي، في بادئ
الأمر لم أتقبل ذلك منهن، ولكني صادقتهن، كنَّ من ذوات
السمعة السيئة والأفعال الشنيعة، تعرفت عن طريق إحداهن
وهي الرأس المدبر على فتى يكبرني بثلاث سنين، وقابلته
يوميا بعد خروجي من المدرسة بإشرافها، وفي إحدى المرات
تخلفت عن المدرسة وذهبت معها وبرفقة بعض الفتيات
اللواتي لم أعرف أسمائهن حتى، إلى الجلوس بالقرب من
المدرسة والحديث المطول، لربما رآنا أحد المارة وأخبر
المدرسة بذلك، هنا كانت الصاعقة كنت أشطرهن والوحيدة
المتفوقة بينهن وذهلت إدارة المدرسة من تصرفي، وأخبرت
بالطبع أولياء أمورنا، وكم كان الحدث غريبا جدا وذهل
أهلي مني، وشارفت إدارة المدرسة على فصلي عن الدراسة
ولكن بقدرة الله عدت إليها.
انتشر صيت الحادثة في أرجاء المدرسة وكم عاتبني الكثير
ونصحني الأكثر، ولكني عدت لمرافقة تلك الفتاة واستكمال
معرفتي بالفتى، لا أعرف لماذا ولكني متأكدة أنني كنت
محتاجة في تلك السن الصغيرة واليافعة جدا أن أكون
قريبة من شخص ما ينصحني ويهديني دون أن يعاتبني، كل ما
أتذكره أن أمي وأبي كانوا يحذرونني من مرافقة رفقة
سيئة وعدم جرها لي للشباب، ولكن لا أتذكر أن أحدا منهم
قد جلس معي جلسة حوار وناقشني بالأمر، لربما هم أحد
الأسباب الرئيسية في اقترافي لما فعلت، ولكني في
النهاية المسبب الرئيسي لهذه المشكلة والملامة الوحيدة
هي أنا، فأنا نفسي من جر على نفسه المتاعب والويلات.
كرت السبحة وعرف أهلي أنني عدت لمهاتفة الفتى نفسه
وعوقبت بحبسي شهرا كاملا في غرفتي لا أخرج منها إلا
للمدرسة، رافقت الفتاة حتى نهاية السنة الدراسية ولكن
السنة لم تنتهي ببوارق خير إنما اشتكت بعض الطالبات في
الصف الدراسي منا والإدارة اتخذت موقفها باستدعاء
أولياء الأمور، وقد كانت إدارة المدرسة المتعاونة
الوحيدة معي لأني المتفوقة الوحيدة من بين من تم
استدعاء أولياء أمورهن، يومها عندما عدت للمنزل بعد
حضور أمي للمدرسة فوجئت من ردة فعل أبي، فقد سبني
وشتمني وهال علي الكثير والكثير من السباب، وأتذكر أنه
قال حرفيا: "‘نني متبرئ منك وسأتمنى ليوم الدين أن لا
يوفقك الله حيثما ذهبت".
عندها عقدت العزم بقطع صلتي النهائية بتلك الفتاة،
ولكم أستغرب اليوم من نفسي بمرافقة فتاة منحطة أخلاقيا
كتلك، في تلك الفترة كانت هناك فتاة تعرفني وتحاول
التقرب مني، هي مشهورة بأخلاقها العالية والراقية
وتفوقها الدراسي، ولكم كانت تنصحني وتنصحني بالكثير
والكثير ولم تمل حتى أصبحت صديقتها، وكم كانت سعيدة في
أنها السبب في تغيري للأحسن، صداقتي معها لازالت
مستمرة حتى اليوم، بعد حادثة المدرسة شطب أبي اسمي من
قائمة أبنائه، فقد تجاهلني تجاهلا كليا، وكأنني إحدى
الخدم اللواتي يعملن لدينا، أعيش حياتي في المنزل
أثناء خروجه، ولكن ما إن يعود حتى ألازم غرفتي، كان
عقابي هذه المرة هو احتقاري، وكأنني لست موجودة، في
بادئ الأمر كنت ألازم الغرفة، ولكن مع مرور الأيام صرت
أكثر شجاعة بالتكلم والمناقشة مع أمي وإخوتي أمامه،
لمدة عام ونصف، لم أكن موجودة في المنزل، شطبوني من
بينهم، ونبذوني، كلهم الملامون في الحالة النفسية التي
عايشتها طوال عام ونصف، كلهم المذنبون، كان أخي الأكبر
يحتقر وجودي ويشارك أبي في تجاهلي، حتى إنني لازلت
أتذكر إحدى الحادثات والتي حطمت كياني عندما اشترى أبي
آيس كريم، اشتروا حتى لخدم المنزل ما عداي، وأتذكر
يومها أن احد إخوتي الصغار كان نائما وأمرت أمي أخي
الأكبر بإعطاء نصيبه لي، ولكنه قال سأرى ماذا يقول
أبي، وكأنني لست موجودة على قائمتهم، أبديت لأمي أنني
لست بمزاج جيد لأكل آيس كريم وإنني متعبة وأفضل الخلود
للنوم، أعرف أنها لم تصدقني، وتعرف أنني هربت منهم
ولكن الموقف كان أكثر من طاقتي، وأكبر من احتمالي، هذا
الموقف تعجز ذاكرتي عن نسيانه، هو الأصعب بالنسبة لي
فقد رأيت إثباتًا حقيقيًّا لما أشعر به.
أما أختي الكبرى فكان لها الدور الأكبر في تهميشي طوال
العام والنصف، فكانت دائما تقول لي إنني المنبوذة في
المنزل، ويجب علي أن لا أخرج معهم عند خروجهم، وإن أبي
لا يمقت أحد في هذا العالم كما يمقتني، وكنت أصدقها
حتى بانت لي حقيقة أخرى، في أحد المرات سمعت محادثة
بين أمي وأبي حول أحد المواضيع وتكلم أبي عن ما يخصني
بشكل عادي جدا، ولكن أختي بعد أن انتهى الحوار أتتني
لتخبرني أن أبي يكرهني ولا يحبني وبدأت في تلفيق
الحكايات حول كره أبي لي، ولكن هذه المرة لم أصدقها
لأنني سمعت المحادثة كاملة ولم أسمع حرفا مما تقوله
أختي، واجهتها بالحقيقة فنكرتها، ولكنها لا تزال
تخبرني ذلك دائما، لم أعد أسمعها فيما تقوله حول هذا
الموضوع وكنت أتجاهل كلامها، ولكن نارا تسعر في داخلي
وكنت أتمنى أن تواتيني الشجاعة لأواجه أمي بما تفعله
أختي من تحطيم نفسي ومعنوي لي وتهميش ذاتي، ولكن لم
تأتني الشجاعة يوما لفتح هذا الموضوع.
عشت عاما ونصف في حالة نفسية يرثى لها، أضحك معهم،
أتناوش معهم، ولكن أعرف في داخلي أن كل ذلك ليس
حقيقيًّا، أغدق أبي طوال تلك الفترة أختي الكبرى
بالهدايا، وكانت دائما تمتدح نفسها بأنها المفضلة
بالنسبة لأبي، وأنها المحبوبة في المنزل، كنت أعرف في
سري أن كل تلك الهدايا تأتيها ليشعروني بالامتهان
والإذلال، ولكني صمدت ولم أستسلم لما فعلوه بي، كنت
دائما مستمعة لا تتكلم، لا تسمع، لا ترى. طوال تلك
الفترة شكوت سوء حالي مع أسرتي لصديقتي التي أخبرتكم
عنها، كانت حسن المعين والمعاون، نصحتني، وأرشدتني،
وخففت عني، وكم بكيت لها بحرقة لأنني لم أعد أطيق
المنزل ولا أسرتي وأن كل ما يحدث فوق احتمالي، ولكنها
خففت عني، وحاولت بشدة أن توضح لي أن هذه الحالة ليست
نهاية العالم، وأن لدي الحياة بطولها وبعرضها لأن أصلح
حالي مع أسرتي، ولكن لم يكن هناك أي بصيص أمل لدي في
هذا الموضوع، ولكن أملت وأملت طويلا جدا، حتى أذن لي
أبي بمعاودة مصالحته والتأسف له، يومها لم أنم الليل،
ظللت أحلم وأحلم، وأتمنى الكثير الكثير، وانتظرت
الصباح حتى أبشر صديقتي بأن أبي صالحني أخيرا، سخرت
مني أختي كثيرا وحاولت إحباطي ولكني ولأول مرة صرخت
فيها، وطلبت منها عدم التدخل في هذا الموضوع نهائيا.
طويت صفحة هذا الموضوع في المنزل ولكنها ظلت مفتوحة في
قلبي، كل ما فعلوه يصعب علي نسيانه، يصعب علي نسيان
الليالي اللواتي قضيتها في البكاء بحرقة، يصعب علي
نسيان أنني كنت أضحك وأنا أشتعل من داخلي، يصعب علي
تقبل فكرة معاداة أخوتي لي من دون سبب، ولمجرد أن أبي
احتقر وجودي، يصعب علي تقبل فكرة أن من آذاني نفسيا هم
أهلي نفسهم، ما عدا أمي فقد كانت في تلك المحنة
تؤازرني وتحاول فرضي في المنزل عليهم شاءوا أم أبوا.
كل ما فعلوا في تلك الفترة وكل ما ذقته أعطاني دفعة
معنوية ودافعًا قويًا لأتمسك بأحلامي وآمالي، وأتشبث
بـ"الطموح اللامحدود". اليوم بعد خمس سنوات من تلك
الحادثة، صرت أكثر نضجا وأشرقت نفسي، تفوقت في مجال
الحاسب الآلي، حتى إنني في المدرسة كنت المفضلة
بالنسبة لمعلمات الحاسوب، بكل السبل والوسائل حاولت
تصحيح فكرة أهلي عني، وكسب ثقتهم، ولكن ما إن أبدأ في
الحلم، حتى أسقط على وجهي من وقع صدمة الواقع، ولكن لم
أستسلم لشيء، دخولي عالم الحاسوب ونبوغي فيه جعل مني
إنسانة متصالبة، غير يائسة، صبورة وقنوعة، حاولت المشي
قدما في طريق أجهل حتى تفاصيله، ولكني تحليت بالشجاعة
والإقدام، وجاهدت في سبيل تصحيح صورتي أمام منظور أبي،
ولكن يبدو أني كنت أسعى في الخواء، وفي كل مرة أتيقن
من ذلك أكثر من سابقتها.
في إحدى ليالي عطلة الصيف، وأنا منشغلة بتعلم بعض دروس
البرمجة من أحد المواقع، دخلت شاتا بطلب من صديقة
تعرفت عليها من الإنترنت، وجرتنا الأحاديث لأن أتحدث
عن منتدى قديم جدا شاركت فيه في أول بداياتي
بالإنترنت، انتهى الحوار وودعتها على أمل اللقاء بها
في وقت لاحق، في اليوم التالي دخلت في الصباح الباكر
لأجد أحد المراقبين في الشات يحييني بحرارة وعمق، لم
أبدِ أي تصرف، فاجأني سؤاله بأنه يعرف المنتدى الذي
تكلمت عنه بالأمس مع صديقتي، لم أعره أي اهتمام، وماذا
أفعل إذا كنت تعرف المنتدى نفسه؟
نحن في عالم الإنترنت والصدفة عملة شائعة جدا؟ ولكنه
أصر على معرفة هويتي في ذلك المنتدى، أخبرته ذلك بعد
مراوغات طويلة، فما رأيت منه إلا الفرح والتحايا
وانهال علي بالأسئلة وأين كنت طوال تلك السنوات؟ في
حين كنت بدوري في قمة التعجب والاستغراب، فمنذ قليل
يحيني غريب لا أعرفه بحرارة وعمق وكأنه يعرفني، طلبت
منه معرفة هويته في ذلك المنتدى، حاول أن يجعل ذلك
لغزا، وبدأ هو يعطيني مفاتيحه، ويحاول استذكاري ببعض
الأمور، ولكني عجزت عن تذكر هويته، فبادر بإخباري، وكم
كانت صدمة كبيرة! أيعقل هذا! بعد كل هذه السنين والتي
تركنا جميعا فيها هذا المنتدى ألتقي بأحد الأعضاء
المميزين والمحترمين جدا، أخبرني بان هذا الشات إضافة
إلى المنتدى تعود ملكيتهما لابن خالته والذي كان أيضا
أحد الأعضاء المميزين معنا في المنتدى، تجاذبنا أطراف
الحديث، واضطررت أن أودعه ولكنه فاجأني بأن رجاني
للدخول مرة أخرى وأنه سيحضر لي مفاجأة كبيرة لن
أتوقعها، وعدته بالدخول في المساء، ولكن لظروفي لم
أستطع الدخول حتى يوم آخر، وما إن دخلت بعد يوم لأجد
الترحيب كبير جدا ومن كل الأفراد المتواجدين بالشات
وينادونني بالاسم الذي استخدمته في ذلك المنتدى السابق
والقديم، تفاجأت.. من أين يعرفني كل هؤلاء؟ ومتى تسنى
لي الوقت لأن أعرفهم؟ وبدأ كل واحد منهم بالتعريف عن
نفسه باستخدام هويته في ذاك المنتدى، يا لصدف القدر؟
كنت فرحة جدا بلقائي كل هؤلاء الأناس الطيبة والذين
تعلمت على يدهم ما أنا اليوم أعلمه لغيري؟ كم أشكرهم
من صميم قلبي.
ظللت أقضي وقتي في الصباح من كل يوم معهم، نتحادث في
كل الأمور، أعجبني بتميز رأي وفكر الشخص نفسه الذي
التقيته أول مرة وعرفني على جمع الأصدقاء القدامى،
وبدأ هو أيضا يميل إلي، ولكني صددته كما صددت أي أحد
حاول الاقتراب مني، وعاملته معاملة عادية ولم يبدر مني
أي تصرف يجعله يظن أنه مميز في نظري، هو من السعودية
ويدرس في مدينة أخرى غير مسقط رأسه مع ابن خالته وصديق
له، بدوري لم أعطه أي تفاصيل عني، حاول التلميح أكثر
من مرة بأنه معجب بأخلاقي وفكرة أنني انخرط معهم
باحترام ولكني فضلت صده وبقوة حتى لا يميل إلي.
بدأت الدراسة وعدنا لمقاعدها، انقطعت أول الأسابيع
ولكني صرت اشتاق إليهم ولمحادثتهم، كانوا يثقفونني
دائما، ويعاملونني كالأخت الصغيرة المدللة، كنت أفضل
محادثتهم على الدراسة، ولأنني أستغل ذكائي دائما فكنت
أعرف مسبقا بأنني ومع قليل من المراجعة سأحصل على
العلامة الكلية، كما أحصل عليها مع كثير من المراجعة،
وطبعا في ذاك الوقت كنت أفضل القليل منها وقضاء الوقت
المتبقي في محادثتهم، في تلك الأثناء حاول صديق ذاك
الشاب بملاطفتي والتكلم بنعومة معي، ولكني صددته ولكن
ظل على رأيه وأخبرني أننا في البداية نريد مجرد صداقة
عادية، أخبرته بأنني سأفكر، ولكني لم أتكلم معه في هذا
الموضوع مرة أخرى، وهو لم يتجرأ على السؤال.
طويت صفحة هذا الاتفاق إلى الأبد، لأنني لم ولن أفكر
في صداقة كهذه، ولكني ظللت على محادثة الشاب نفسه
لأوقات كثيرة، لا أعرف ما الذي كان يجمعني به ولكنني
ارتحت له كثيرا وتعلمت منه الكثير، وحاولت إصلاحه في
أمور الدين، وكم سررت لإقناعي له بالإقلاع عن التدخين،
وسرتني أكثر عزيمته، لم يكن يقص علي يومياته، ولم
أساله فيها يوما، وكذلك بالنسبة له معي، كنا نتحدث
طويلا في أمور شتى بعيدة كل البعد عن الحب أو الغرام
أو عن مشاكلنا وهمومنا، ولكن في ذات مساء استأذنني أن
أعطيه فرصة التفكير في علاقتي به، أخبرته بأن ما
يجمعني به سوى حروف، وأن بيننا آلاف المسافات التي
تفصلنا بالمسافة والمادة والمستوى الاجتماعي، في تلك
الليلة تأكد أن هناك الكثير من الأمور التي تفرقنا لا
تجمعنا، فأنا متيقنة بأن أهلي ليسوا من الناس الذين
يحبون المغامرة في علاقة شاب مثله مجهول الهوية مع
ابنتهم.
استمر الحال معه حتى صرت لا أفارق شاشة الحاسوب، وفي
إحدى المرات استأذنني أن أخبره بعض الأمور عني، والتي
هو يجهلها، أخبرته بعدة أمور عامة إضافة إلى كوني غير
متحجبة وأنني فتاة "سبورت" كما نقولها بالعامية، يومها
لمست تغيرا في أسلوبه معي، أخبرني بأن علاقتنا كان
يمكن أن تكون في النور، ولكنه من أسرة محافظة كما هو
الحال في المجتمع السعودي، ولا يقبل هذا المجتمع أن
يتزوج بفتاة مثلي، وإن أراد فتاة مثلي فعليه أن يضحي
بأهله من أجلي، وهو لن يضحي بأهله من أجل الزواج، ولكن
إن كنت أنا مستعدة للتضحية بأهلي ولبس الحجاب فهو حاضر
وبإمرتي، لم أعر كلامه أي اهتمام، فهو مجرد صديق وأخ
يعز علي، كنت أضحك في سري على كلامه، ومن قال بأننا
سنتزوج؟ كان ذلك تفكيري يومها، ولكن الواقع كان شيئا
مختلفا تماما، فأنا منجذبة انجذابًا كليًّا لهذا
الشاب، وهو أيضا، كان في كل عطلة نهاية أسبوع يسافر
لأهله في مدينتهم، ولكن ما أن تعمقت علاقتنا حتى كان
يفضل التحدث معي على السفر إليهم، مع الوقت صار يشغل
هو كل تفكيري، حتى إنني ناديت أحد إخوتي سهوا باسمه في
إحدى المرات، ولكن أخي لم يعر ذلك انتباها فقد كنت شبه
نائمة.
تعلقت بعالم ذلك الشاب، لم أكن أقضي وقتا كبير من يومي
إلا معه، كنت يوميا أحادثه إلى ما بعد منتصف الليل،
وأحيانا إلى الفجر، وبعدها أستيقظ للمدرسة، وما إن
أعود منها حتى أنام حتى المساء وعندما أستيقظ أعود
لمحادثته، كنت أحفظ جدول محاضراته في الجامعة عن ظهر
قلب، فكنت أعرف متى سيكون متواجدا ومتى لا، لذلك أضبط
المنبه على ذلك. ستتساءلون أين الدراسة من اهتمامك
يومها؟ سأخبركم بأنني من فئة الناس الذين ما إن يركزوا
أثناء الشرح في المدرسة حتى يحفظوا ذلك، فلا أتذكر
أنني كنت أدرس بتاتا جل ما أفعله هو حل الواجبات إن
كانت مطلوبة، ولكن مع ذلك كانت العلامات الممتازة لا
تفارقني، حفظت سر علاقتنا لنفسي، لم أبح به حتى
لخيالي، في إحدى الليالي اعترف لي بأنه أحبني، كنت
أبادله نفس المشاعر ولكني كنت في صراع داخلي ما بين
عقلي وقلبي، فلم أكن أفكر |