الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية)    آفة القرار.. ازدواجية التفكير وبؤس الاختيار

 
     
 
 
 
 

في البداية أحب أن أشكركم على جهودكم ومتابعتكم وحلولكم في مواضيع الزواج وعملكم الرائع، أثابكم الله وجزاكم كل الخير.

أنا شاب أبلغ من العمر 26 سنة، جامعي وأعمل بوظيفة مرموقة والحمد لله.. مشكلتي هي أني أكلم بنت جيراننا منذ تقريبا خمس سنوات، وعمرها الآن 22 سنة، مجرد مكالمات عبر الهاتف وبفترات متقطعة لا مقابلات ولا مواعيد ولا كلام الغزل.

بعد فترة سنة من الاتصالات قالت لي الفتاة إنها تحبني كثيرا فحاولت أن أبتعد عنها؛ لأني لا أصدق ولا أؤيد فكرة الحب ولا كلام الحب إلا بعد الزواج، وكنت أحاول أبتعد عنها حتى لا أعودها على الكلام في الهاتف والإدمان عليه، ودائما كنت أنصحها وأفهمها أن هذا التصرف غير صحيح ومخالف للعقيدة الإسلامية ولعاداتنا وتقاليدنا.

بعدها قطعت عنها مدة سنة ونصف، لكن كانت دائما تسأل عني وتعرف أخباري عن طريق أختي، لكن المشكلة أن حبها يزيد يوما بعد يوم وأنها تحبني حبا شديدا ورجعت تكلمني بعد السنة والنصف حتى الآن.

وأنا قررت أن أتزوج، وقلت في نفسي إن هذه البنت تحبني لهذه الدرجة ومستحيل تستطيع العيش مع غيري ليش ما أتزوجها وتكون شريكة حياتي.

أنا أعرفها على خلق ودين. فكلمت أمي، وكلمت أمها، وفرحت الفتاة فرحا شديدا؛ لأن من كانت تحلم به قد أصبح قريبا منها، وبعدها بيوم رد أهلها علينا بالموافقة. لكن المشكلة أن أبي أنا غير موافق؛ لأنه يقول لي شوفلك أحسن منها؛ لأن أباها مش كويس ومعروفا أنه من الجنس الثالث، وأن أخاها راعي مشاكل وأحداث.

فحاولت أن أقنعه بأن البنت ليس لها ذنب بهذا كله، وأنها هي من ستعيش معي ليس أهلها، لكن أبي يقول العرق دساس.. وما قدرت أقنعه، وفسخنا الخطبة. وقلت يمكن الله مش كاتبها من نصيبي.

وزعل أهل البنت كثيرا، والبنت جتها صدمة وأنا أكلم أمي عشان تقنع أبي، لكن بدون فائدة. وانتهى كل شيء منذ شهرين تقريبا.

ومنذ أيام كانت الفتاة تكلم أختي، وقالت إنها تحلم بي كثيرا، وآخر حلم حلمت فيه أن أمي ألبستها عقدا جميلا وأنها معنا في بيتنا.. ولما فسرته فقالوا لها إنه خير وإن شاء الله يجمع الله بينكم.

وفي نفس الوقت عرض علي أبي منذ أيام بنت عمي، وقال لي إنها أحسن وأجمل ومن أهلنا، فلم أجبه؛ لأني الصراحة عن نفسي ليس لدي ميول لأحد ومعتمد على أنه الحب يكون بعد الزواج وأنه شو اللي كاتبه الله بيصير، ومع صلاة الاستخارة تتيسر الأمور للزواج من الفتاة المناسبة.

لا أعرف ما الحل؟ اسمحوا لي على الإطالة لأني أحببت أن أشرح الموضوع بالكامل لأعرف الإجابة. جزاكم الله خير ولكم جزيل الشكر والاحترام.

     
 

 
 
 
           
   

أهلا وسهلا بك وشكرا لكلماتك الطيبة.

يمكنني أن أجيبك على سؤالك باختصار ناصحة إياك بأن تتزوج حسب ما يراه والدك, لكن واجبنا في هذه الصفحة – حسب ما أعتقد -  تهيئة السائل لأكثر من مجرد استقبال إجابتنا, وذلك بأن نساهم في إثراء وعيه وإنضاج فكره بحيث يصبح قادرا على اتخاذ القرار المناسب في الحالات الأخرى المشابهة وحتى غير المشابهة دون الشعور بأنه أمام مشكلة يعجز عن حلها وحده, وهكذا نكون ضربنا عصفورين بحجر واحد: معالجة المشكلة المعروضة علينا, والوقاية من تكرر المشكلات لدى السائل نفسه أو في مجتمعه أو حتى في المجتمعات الأخرى.

لذلك أفضّل أن أحلّل عناصر الخلل التي أدت إلى بزوغ هذه المشكلة في حياتك حسب ما يلي:

نحن نفترض صدق السائل معنا وصراحته, لكن أحيانا يحدث عكس ذلك, ليس بقصد سيء من السائل, بل لأنه نفسه لا يعرف ماذا يريد تماما, على سبيل المثال أنت تعيش في مجتمع يمنع أي علاقة بين الشاب والفتاة ويحرّمها حتى لو كانت مجرد علاقة بريئة, وثقافة المجتمع هذه تطغى على تصور الشخص لنفسه ناهيك عن تصوّره لغيره, فعندما يكلم الشاب فتاة ويعتقد أنه يساعدها أو يعلمها دينها أو أنه كأخيها, يغيب عن باله أن هذه الفتاة ليست بالضرورة تنظر إلى علاقتهما من نفس الزاوية, بل هي على العكس تعتبرها علاقة حب من الأساس, ويغذي تلك النظرة ذلك الكبت الموجود على المستوى الأسري والاجتماعي, لذلك لا بد من التساؤل في حالتك: من هو المخطئ: هل الفتاة التي ذهبت بخيالها بعيدا جدا واشتطت في مفاتحة الشاب بعواطفها تجاهه, أم أن الشاب هو المسؤول عن هذا الشطط حيث أنه لم يضع هذه الفتاة موضع أخته مثلا؟

من الواضح أنك لم توجه لنفسك أي تهمة أيضا, وإلا فهل طرحت على نفسك السؤال التالي: ما هو موقفي لو أن أختي كانت تتصل هانفيا بابن الجيران حتى لو كان كلامهما خاليا من الغزل وما شابه؟ والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: في مجتمع مغلق تمنع فيه العلاقات بين الجنسين حتى تلك المباحة شرعا والتي يمكن أن تنشأ بين الجيران أو الأقارب علنا وليس في الخفاء, هناك شاب عمره 21 سنة وفتاة عمرها 17 سنة يتحدثان معا ولمدة أربع أو خمس سنوات فهل ستبقى تلك الأحاديث في العموم أم أنها ستمتد لتعني شيئا خاصا لكل منهما أو لأحدهما على الأقل؟

أنت تقول أنك لا تؤمن بالحب قبل الزواج ولن أناقشك في قناعاتك التي هي حق لك, لكن يبدو واضحا من رسالتك أن دافعك إلى القبول بهذه الفتاة هو حبها لك قبل الزواج, أفلا ترى معي أن ثمة تناقضا بين ما تؤمن به وبين ما كنت تريد أن تفعله؟

كذلك انظر إلى هذا التناقض في وصفك لها بأنها على دين وخلق, في نفس الوقت الذي كنت تنصحها بأن تكف عن الحديث العاطفي معك بسبب أن هذا يخالف العقيدة الإسلامية, مع تحفظي على هذه العبارة وأعتقد أنك تقصد أن هذا يخالف سلوك الفتاة المسلمة أو يخالف تعاليم الدين الإسلامي, فكيف تكون هذه الفتاة على خلق وهي تخالف سلوك المسلمة, وكيف تكون على دين وهي تعمل بعكس أوامر الدين؟!!

أما الأسوأ في مشكلتك فهي أنك كلمت أمها فقامت بالتحدث مع أم الفتاة, فلماذا لم تكلم والدك بدل أن تكلم والدتك؟ ولماذا لم تشاور والدتك والدك قبل قرع باب الفتاة وجعلها تتعلق بك كأمل منشود وحلم بلا حدود؟

ثم بما أنهم جيران لكم فهل كان غائبا عنك صفات أبيها وأخيها حتى كشفها لها والدك؟ هل كان خافيا عنك رأي والدك بالموضوع بسبب فقدان التواصل بين الابن والأب كما هو العادة في مجتمعاتنا العربية عامة ومجتمعك خاصة؟

تقول أنك لم تقدر أن تقنع والدك, لكنك لم تذكر لنا ماهية الحديث الذي دار بينكما لنرى أيكما أكثر قدرة على الإقناع أنت أم والدك, وعلى كل حال فهذا ليس بذي أهمية كبرى لأن اختيار والدك يدل على أنه بواد وأنت بواد آخر, فهو يريد فتاة من العائلة, فيقول: إنها أحسن وأجمل ومن أهلنا, فإذا وافقنا على أنها من أهلكم فكيف عرف أنها أحسن وأجمل, والنساء في مجتمعك لا يكشفن وجوههن على أحد؟

ربما تكون بيئتك أقل تحفظا من البيئة الغالبة, وربما والدك رأى كلتا الفتاتين, وربما يقصد بكلمة أحسن أن الفتاة ابن أخيه فهو يعرف أصلها وفصلها, ولكن إذا كان اختيارك أنت غير مناسب للفتاة الأولى, فهل اختيار والدك هو الأفضل؟

أصارحك أنه خلال حياتي في المملكة الغالية تكوّن لدي رفض صريح لزواج الأقارب خاصة القرابة القريبة, لما رأيته نتيجة ذلك من تشوهات في الذرية من الإعاقة البدنية إلى التخلف العقلي؛ ورضي الله عن عمر بن الخطاب الذي رأى بعض أبناء القبائل ضعاف البنية فلما علم أنهم يتزوجون من بعضهم بعضا أمرهم بالزواج من الأغراب,؛ ولذا فمن الأفضل أن تفتح حوارا صحيا وحقيقيا مع والدك وتصارحه بأنك لا ترغب بالقرابة القريبة ولا حتى البعيدة, وبالطبع فإنك تملك مطلق الحرية في قبول هذه النصيحة أو رفضها.

أما حلم الفتاة "الحبّيبة" فلا أدري كنهه سوى أنه من أوهام العقل الباطن خرجت على شكل حلم يعني أن عائلتك قد وافقت عليها, وكما في الحديث الشرف:(الرؤيا ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان) فحلم هذه الفتاة مما حدثت به نفسها, فلا معنى له برأيي, وأنصحك أن تقطع علاقتك بها خاصة إذا كان كلام والدك عن والدها صحيح, وإلا اعتبُر والدك قاذفاً للرجل, ولا يبدو أنه كذلك لأنك لم تظهر لنا أي دفاع عن والد الفتاة بل دافعت عنها بقولك أنها لا ذنب لها, وأنا معك تماما, ولكن لا أوافقك على أن تسير باتجاه الارتباط بفتاة لا تعرفها حتى لو كنت تظن أنك تعرفها بحكم الجيرة, فلو كانت عائلتها مستقرة لوجدت الحب والأمان في البيت ولما لجأت إلى الهاتف لتملأ فراغها العاطفي, ناهيك عن وجود أخيها صاحب المشاكل, ويبدو لي أن عائلتك أفضل بكثير من عائلة هذه الفتاة, وعلى هذا فلا وجود للتكافؤ المعنوي بين العائلتين, ولهذا فإن رفض والدك مبرر ومفهوم ومقبول.

لكن ليس مقبولا أن يتم استبدال الخيار السيئ بخيار مثله أو أسوأ, ولذا عليك أن تنتبه أكثر لدى بحثك عن فتاة مناسبة, وإن كنت أوافقك أن الحب ليس ضرورياً جدا قبل الزواج, فإني يجب أن أنبهك أيضاً أنه ليس من الضروري ولادته بعد الزواج دائماً.

إسلام أنلاين 1/8/2007

   
   

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |