|
أهلا وسهلا بك وشكرا لكلماتك الطيبة.
يمكنني أن أجيبك على سؤالك باختصار ناصحة إياك بأن تتزوج حسب
ما يراه والدك, لكن واجبنا في هذه الصفحة
– حسب ما أعتقد - تهيئة السائل لأكثر من مجرد استقبال
إجابتنا, وذلك بأن نساهم في إثراء وعيه وإنضاج فكره بحيث يصبح
قادرا على اتخاذ القرار المناسب في الحالات الأخرى المشابهة
وحتى غير المشابهة دون الشعور بأنه أمام مشكلة يعجز عن حلها
وحده, وهكذا نكون ضربنا عصفورين بحجر واحد: معالجة المشكلة
المعروضة علينا, والوقاية من تكرر المشكلات لدى السائل نفسه أو
في مجتمعه أو حتى في المجتمعات الأخرى.
لذلك أفضّل أن أحلّل عناصر الخلل التي أدت إلى بزوغ هذه
المشكلة في حياتك حسب ما يلي:
نحن نفترض صدق السائل معنا وصراحته, لكن أحيانا يحدث عكس ذلك,
ليس بقصد سيء من السائل, بل لأنه نفسه لا يعرف ماذا يريد
تماما, على سبيل المثال أنت تعيش في مجتمع يمنع أي علاقة بين
الشاب والفتاة ويحرّمها حتى لو كانت مجرد علاقة بريئة, وثقافة
المجتمع هذه تطغى على تصور الشخص لنفسه ناهيك عن تصوّره لغيره,
فعندما يكلم الشاب فتاة ويعتقد أنه يساعدها أو يعلمها دينها أو
أنه كأخيها, يغيب عن باله أن هذه الفتاة ليست بالضرورة تنظر
إلى علاقتهما من نفس الزاوية, بل هي على العكس تعتبرها علاقة
حب من الأساس, ويغذي تلك النظرة ذلك الكبت الموجود على المستوى
الأسري والاجتماعي, لذلك لا بد من التساؤل في حالتك: من هو
المخطئ: هل الفتاة التي ذهبت بخيالها بعيدا جدا واشتطت في
مفاتحة الشاب بعواطفها تجاهه, أم أن الشاب هو المسؤول عن هذا
الشطط حيث أنه لم يضع هذه الفتاة موضع أخته مثلا؟
من الواضح أنك لم توجه لنفسك أي تهمة أيضا, وإلا فهل طرحت على
نفسك السؤال التالي: ما هو موقفي لو أن أختي كانت تتصل هانفيا
بابن الجيران حتى لو كان كلامهما خاليا من الغزل وما شابه؟
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: في مجتمع مغلق تمنع فيه العلاقات
بين الجنسين حتى تلك المباحة شرعا والتي يمكن أن تنشأ بين
الجيران أو الأقارب علنا وليس في الخفاء, هناك شاب عمره 21 سنة
وفتاة عمرها 17 سنة يتحدثان معا ولمدة أربع أو خمس سنوات فهل
ستبقى تلك الأحاديث في العموم أم أنها ستمتد لتعني شيئا خاصا
لكل منهما أو لأحدهما على الأقل؟
أنت تقول أنك لا تؤمن بالحب قبل الزواج ولن أناقشك في قناعاتك
التي هي حق لك, لكن يبدو واضحا من رسالتك أن دافعك إلى القبول
بهذه الفتاة هو حبها لك قبل الزواج, أفلا ترى معي أن ثمة
تناقضا بين ما تؤمن به وبين ما كنت تريد أن تفعله؟
كذلك انظر إلى هذا التناقض في وصفك لها بأنها على دين وخلق, في
نفس الوقت الذي كنت تنصحها بأن تكف عن الحديث العاطفي معك بسبب
أن هذا يخالف العقيدة الإسلامية, مع تحفظي على هذه العبارة
وأعتقد أنك تقصد أن هذا يخالف سلوك الفتاة المسلمة أو يخالف
تعاليم الدين الإسلامي, فكيف تكون هذه الفتاة على خلق وهي
تخالف سلوك المسلمة, وكيف تكون على دين وهي تعمل بعكس أوامر
الدين؟!!
أما الأسوأ في مشكلتك فهي أنك كلمت أمها فقامت بالتحدث مع أم
الفتاة, فلماذا لم تكلم والدك بدل أن تكلم والدتك؟ ولماذا لم
تشاور والدتك والدك قبل قرع باب الفتاة وجعلها تتعلق بك كأمل
منشود وحلم بلا حدود؟
ثم بما أنهم جيران لكم فهل كان غائبا عنك صفات أبيها وأخيها
حتى كشفها لها والدك؟ هل كان خافيا عنك رأي والدك بالموضوع
بسبب فقدان التواصل بين الابن والأب كما هو العادة في
مجتمعاتنا العربية عامة ومجتمعك خاصة؟
تقول أنك لم تقدر أن تقنع والدك, لكنك لم تذكر لنا ماهية
الحديث الذي دار بينكما لنرى أيكما أكثر قدرة على الإقناع أنت
أم والدك, وعلى كل حال فهذا ليس بذي أهمية كبرى لأن اختيار
والدك يدل على أنه بواد وأنت بواد آخر, فهو يريد فتاة من
العائلة, فيقول: إنها أحسن وأجمل ومن أهلنا, فإذا وافقنا على
أنها من أهلكم فكيف عرف أنها أحسن وأجمل, والنساء في مجتمعك لا
يكشفن وجوههن على أحد؟
ربما تكون بيئتك أقل تحفظا من البيئة الغالبة, وربما والدك رأى
كلتا الفتاتين, وربما يقصد بكلمة أحسن أن الفتاة ابن أخيه فهو
يعرف أصلها وفصلها, ولكن إذا كان اختيارك أنت غير مناسب للفتاة
الأولى, فهل اختيار والدك هو الأفضل؟
أصارحك أنه خلال حياتي في المملكة الغالية تكوّن لدي رفض صريح
لزواج الأقارب خاصة القرابة القريبة, لما رأيته نتيجة ذلك من
تشوهات في الذرية من الإعاقة البدنية إلى التخلف العقلي؛ ورضي
الله عن عمر بن الخطاب الذي رأى بعض أبناء القبائل ضعاف البنية
فلما علم أنهم يتزوجون من بعضهم بعضا أمرهم بالزواج من
الأغراب,؛ ولذا فمن الأفضل أن تفتح حوارا صحيا وحقيقيا مع
والدك وتصارحه بأنك لا ترغب بالقرابة القريبة ولا حتى البعيدة,
وبالطبع فإنك تملك مطلق الحرية في قبول هذه النصيحة أو رفضها.
أما حلم الفتاة "الحبّيبة" فلا أدري كنهه سوى أنه من أوهام
العقل الباطن خرجت على شكل حلم يعني أن عائلتك قد وافقت عليها,
وكما في الحديث الشرف:(الرؤيا
ثلاث: فرؤيا حق، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه، ورؤيا تحزين من
الشيطان) فحلم هذه الفتاة مما حدثت به نفسها, فلا معنى له
برأيي, وأنصحك أن تقطع علاقتك بها خاصة إذا كان كلام والدك عن
والدها صحيح, وإلا اعتبُر والدك قاذفاً للرجل, ولا يبدو أنه
كذلك لأنك لم تظهر لنا أي دفاع عن والد الفتاة بل دافعت عنها
بقولك أنها لا ذنب لها, وأنا معك تماما, ولكن لا أوافقك على أن
تسير باتجاه الارتباط بفتاة لا تعرفها حتى لو كنت تظن أنك
تعرفها بحكم الجيرة, فلو كانت عائلتها مستقرة لوجدت الحب
والأمان في البيت ولما لجأت إلى الهاتف لتملأ فراغها العاطفي,
ناهيك عن وجود أخيها صاحب المشاكل, ويبدو لي أن عائلتك أفضل
بكثير من عائلة هذه الفتاة, وعلى هذا فلا وجود للتكافؤ المعنوي
بين العائلتين, ولهذا فإن رفض والدك مبرر ومفهوم ومقبول.
لكن ليس مقبولا أن يتم استبدال الخيار السيئ بخيار مثله أو
أسوأ, ولذا عليك أن تنتبه أكثر لدى بحثك عن فتاة مناسبة, وإن
كنت أوافقك أن الحب ليس ضرورياً جدا قبل الزواج, فإني يجب أن
أنبهك أيضاً أنه ليس من الضروري ولادته بعد الزواج دائماً.
إسلام أنلاين 1/8/2007 |