الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية)    أبي تحرش بي.. لعل استغاثتي تنقذ طفلا (متابعة)

 
     
 
 
 
 

سلام من الله عليك ورحمته وبركاته..


حسنًا، صُعقت في أول الأمر، وامتنعت عن القراءة ثانية ورفضت الاطلاع على الرد لساعة، لم أحب أن أحاكم وأتهم.. لكن غلبتني شجاعتي، أو لنقل فضولي في آخر الأمر.


طبيبتي العزيزة ليلي:


أعلم أنني لست الأولى ولن أكون الأخيرة أيضًا، وهذا ما يؤرقني دومًا، أنا لا أبحث عن حل لنفسي، وقد أوضحت هذا في بداية رسالتي السابقة، فقد انتهى أمري منذ الثامنة، لكن الآن أبحث عن حلول لغيري.


لا تعتقدي أنني أقف في مكاني وأبكي على الماضي.. نعم تؤلمني الذكرى، أفقد صوابي تماما عندما أذكر استغاثتي بأخي من أبي فأصدم به أيضًا، لكنني لا أدعها تسيطر عليَّ وتُذهب الباقي من عمري.. فيكفيني ما ذهب هدرًا بسببها.


عدة أشهر قضيتها في تشوش ذهني رهيب، لا أميز ما أعمل ولا ما أكتب ولا من أصاحب بصورة تامة، لا أعلم كيف بدأ ولا كيف انتهى، كل ما أذكره هو تعرضي لبوادر اعتداء آخر وأنا في الثامنة عشرة بدأ بعدها كل شيء.


حسنًا لا يهم كل ذلك الآن.. كل ما في الأمر أن لي مجموعة من الأصدقاء، استغرق الأمر منا أكثر من سنتين ونصف السنة حتى يثق أحدنا بالآخر ثقة تامة، ويأتمنه على أدق أسراره وأسوأ ذكرياته، جمعتهم بنفسي بعد تعرفي على كل منهم على حدة.


كان الجامع فيما بيننا، هو "التحرش"، أو لأكن أكثر دقة معك.. "الاغتصاب المتكرر منذ الصغر"؛ فأنا لا أحب تسمية الأمور بغير أسمائها.


مجموعة من 5 أفراد الآن بعد أن كنا 7، شابين وثلاث فتيات، موزعين على عدة بلدان عربية (السعودية ومصر واليمن) جميعنا مررنا بنفس التجربة، وبعضنا أسوأ من الآخر وفي عمر مبكر جدًا، أنا أقواهم، ومن يحفزهم، لنا هدف واحد.. هو حماية الأطفال مهما كانوا ومهما كلفنا الأمر، أنا مؤمنة إيمانًا تامًا بأننا لم نجتمع صدفة، وبلا هدف أسمى؛ لذلك يجب عليَّ أن أقوم بأمر ما لهم ولغيرهم.


لماذا أصبحنا 5 الآن طبيبتي العزيزة؟!


لسبب بسيط جدا، أحدنا انتحر قبل إرسالي للرسالة السابقة بفترة بسيطة، والأخرى قُتلت غدرًا، وختمت القضية بـ"قضية قتل شرف".. ولم يعاقب الأخ (القاتل) وبقي حرًّا طليقًا ما دام الأب لم يطالب بشيء، وبالطبع هو لن يطالب ما دام شريكا في الجريمة.. أتعلمين لماذا حدث هذا الأمر؟!.


حدث ذلك بسبب مقاومتها وتهديدها لهم بالفضيحة، هذا ما أخبرتني به أختها بعد موتها، طبعا ستلتزم الصمت هي الأخرى، وللأبد حفاظا على حياتها.


لماذا يخبرني الكل هنا ويخبر غيري بأنني أستطيع الدفاع عن نفسي في حال تكرار الاعتداء؟!


إذا كان المعتدي خائفًا من الفضيحة فسيقوم بأي فعل حتى لا يُفتضح أمره.


دائمًا هذا الأمر لا يُؤخذ في الحسبان، وتتحول القضية من اعتداء إلى قتل.


ولا يحتاج الأمر إلا أن تكون في إحدى الدول العربية حتى تنتهي القضية بقضية شرف عادية؛ فالقتل جائز لأجلها في نصف الدول، وتغلق القضية بلا أي بحث عن أدلة قطعية.


التهديد ما زال قائما بالنسبة لي، ولا أستطيع أن أضحي بأمي مهما كان، فأي خبر من هذا النوع كفيل بإنهاء حياتها تماما، وهي عندي أهم من نفسي.. قلت -وأعيدها مرارًا-: أنا لا أبحث عن شيء لنفسي الآن.. بل حل لهم هم.


كانت هناك نية حقيقية في الحديث الجماعي مع أحدهم، والوقوف والبوح بكل ما حدث علانية مع صعوبة الأمر، أعدنا ما حدث مرارًا، وتكرارًا حتى ألفناه، لكن الآن الكل خائف، والكل يرفض القيام بأي حركة إضافية بعد فقدان شخصين.


لذلك كان عليَّ أن أتكلم وأن أبدأ، إن كان على أحدهم الموت الآن فأنا لا أبالي به كثيرًا، سيكون أفضل من الوحدة الغارقة بها الآن.


طبيبتي العزيزة..


عذرًا منك، فقد لا يبدو كلامي مترابطًا أو مفهومًا؛ لأنني باختصار مشوشة جدًا الآن، وأحاول ألا أقع مجددًا، قرأت ما طلبته مني، قرأته كاملا وأكثر بكثير، أنت في مواجهة قارئة نهمة للأسف، قد تكون القراءة هي ما ساعدتني في فهم ما حدث من الأساس، لكن أرهقت دواخلي كثيرًا، في كل مرة أفكر في مهانتي، وفي سهولة ما حدث، في استمرار كل شيء بلا تغيير، أكتشف أنني لا أمثل أي شيء لأحدهم، حياتي كمماتي تماما.


لكن طبيبتي، أنا لأجل ما حدث لم أسامح أحدًا بصورة تامة، لا أبي، ولا أمي، ولا أخي، ولا عمي، لم أستطع ذلك على الرغم من كل المحاولات.. فقد تغفر الزلة الأولى والثانية وتُنسى، لكن لا يمكن اغتفار الثالثة، ولا العاشرة والعشرين مهما حصل.


أشفق عليهم جميعًا، فهم مرضى وأسرى لغرائزهم ونزواتهم فقط، بالرغم من ذلك فإنه يوجد نوع غريب من الحب لهم، حب وتعلق طفولي نوعا ما.


دائما ما أقول، شكرًا أبي لأنك جعلتني ما أنا عليه الآن، شكرًا أمي لتجاهل شكواي وبكائي وكل ما كان واضحًا لك.. قد يكون في الأمر سخرية أو لوم، لكن السخرية أخف من الحقد والكره.


لا تقلقي، لا أفكر في الزواج أبدًا، لا اليوم ولا غدًا؛ فهو خارج اهتماماتي تماما، لسببين بسيطين جدًا.


أحدهما بالتأكيد تعلمينه، والآخر هو أنه لا ثقة لي في أحد، لن أثق في رجل، لن أثق في أب، ولن أستطيع ائتمانه على أولادي..لا ثقة، إذن لا حب، وإذن لا حياة، الأفضل أن أبقى كما أنا، حتى وإن حدث وتهورت وفكرت في ذلك، فلن أثق في نفسي، قد أؤذي أحدهم أيضًا، وأنا جاهلة لهذا ما دمت أجهل نصف أفعالي خلال عدة أشهر متتالية مع معرفة الكل بها، وقد يتكرر الأمر مجددًا.


قد تستغربين، لكنني لم أتأكد تماما من موضوع إرسال الرسالة إلا حين وردني تنبيه.. الأفضل أن أبقى كما أنا، سأحتمل كل ما يحصل لي، لكن لن أتحمل إيذائي لأي شخص.


طبيبتي العزيزة.. ما كان عليك أن تهتمي.. إن كنت احتملت جنون الأولى (الرسالة)، فقد أتبعتها كما يبدو بالثانية، وإن كنت أرسلت الأولى بلا وعي فأنا أتمها بهذه بكامل وعيي الآن.. فعذرا منك، مع خالص تقديري واحترامي لشخصكم.

سارة

     
 

 
 
 
           
   

بورك بك مرة أخرى وأشكرك من أعماق قلبي إذ أرسلت هذه الرسالة وإن كنت أتمنى لو كتبت أكثر وأكثر عما في دواخلك من الجروح والآهات, ومع ذلك أمامي سطورك الْمُرّة لأنطلق منها.

بشكل عام أعتقد أن من تعرض لتحرش أو اعتداء في الطفولة أو المراهقة – أو ربما في سن أكبر - يحتاج دعما نفسيا فوريا من قبل مجموعة من المختصين بهذا النوع من الاعتداء, فهو ليس مجرد عنف جسدي كالضرب الذي يحمل للطفل معنى الإهانة ويقلل من تقييمه لنفسه, وبما أنك تحبين تسمية الأشياء بأسمائها – وأنا أتفق معك في هذا – فاسمه بالانكليزية sexual abuse  أي سوء الاستعمال الجنسي أو بترجمة أصح "الاستغلال الجنسي", ولعلك أيتها القارئة النهمة رجعت إلى كتابي ألف باء الحب والجنس لمعرفة كل ما يتعلق بالآثار القريبة والبعيدة لهذا الاستغلال.

سأتحدث تحديدا عن استغلال الطفل جنسيا, فالطفل ليس لديه غريزة جنسية نامية كالبالغ, ولذلك هو لا يفهم ما الذي يحصل, ويزيد الأمر عبئا على الطفل عندما يشرح له المعتدي بأن هذا هو سرهما المشترك ويجب ألا يطلع أحدا عليه, وهنا تختل ثقة الطفل بالآخرين الذين تعلم منذ نعومة أظفاره أن يثق بهم, يضاف إلى ذلك شعور الطفل المعتدى عليه جنسيا من قبل أحد أفراد الأسرة أن هناك من يعلم بهذا السر لكنه لا يمد له يد المساعدة, فكيف يلجأ له؟! وما يزيد الطين بلة والأزمة سوءا في نفس الطفل عندما يبدأ المعتدي بتهديده أنه إذا أخبر أحدا فستكون النهاية له أو لشخص يحبه أو للعائلة بأسرها.

دعينا يا صديقتي العزيزة نطبق ما سبق على حالتك, فأنا فهمت من رسالتك السابقة أنك لا تريدين حلا لذلك لم أتوسع بحديثي إليك بل أحلتك إلى بعض الاستشارات والمقالات التي قرأتها مشكورة, لكن رسالتك هذه تلح علي أن أتخيل هذه الطفلة الصغيرة التي هي أنت, ويقوم والدها بالتحرش بها وكأن هذه الطفلة الصغيرة تشعر أن والدتها تعلم بهذا السر لقولك: (شكراً أمي لتجاهل شكواي وبكائي وكل ما كان واضحاً لك) وهذه الطفلة لا تعلم كيف يمكنها أن تصارح والدتها بما هو واضح للعيان, وهذه الطفلة تحاول أن تجد أذنا صاغية لدى الأخ فتجده قد تحول إلى وحش كأبيه!

لا أنسى أنك في رسالتك السابقة أشرت إلى عمك أيضا كمتحرش, فكيف يمكن لكل هذه الذكريات ألا تتحول إلى نار تحرق داخلك حتى لو نسي الأب – وغيره - أو تناسى ما فعل؟ كيف يمكن لمن خضعت لهذه التجربة المريرة عدة مرات من قبل أكثر من رجل في العائلة, أولئك الذين يفترض بهم أن يكونوا حماة لهذه الطفلة, أن تكون إنسانة طبيعية ترغب في الزواج والاستقرار وإنجاب أطفال؟

كي نقرب المشهد لنتخيل أن طفلة تسير في حديقة جميلة غنّاء تستمتع بصوت العصافير وتمارس هواياتها الطفولية في ملاحقة الفراشات وقطف الزهور, ووراءها أسرتها تتابعها بأنظارها كأي طفلة محبوبة, وفجأة يختفي هذا المشهد الجميل كله, وإذا بالحديقة الجميلة تتحول إلى غابة مخيفة, وإذا بزقزقة البلابل تخفت وتعلو بدلا عنها زئير الوحوش , وأما الذكور من أسرتها فقد كشفوا أقنعتهم ليظهروا على حقيقتهم  أمامها فإذا هي بين وحوش لا تعرف الرحمة يتنافس كل منهم على افتراسها, وأما الأنثى الأخرى في الأسرة والتي كانت تلك الطفلة تنظر إليها على أنها الحضن الرحيم والصدر الحاني, إذا بها متشاغلة عن المشهد وكأنها تبيح للوحوش نهش جسد صغيرتها دون أي قيمة لهذه الطفلة لديها, فأي قدرة على النسيان تتسلح بها تلك الفتاة؟ كيف يمكن لها أن تفسر كل هذا التناقض بين كون حُماتها من جهة هم أعداؤها ومفترسيها من جهة أخرى؟!

لا تظني يا ابنتي أني عندما ذكرت لك موضوع التسامح كحل, بأني لا أشعر بك وبكل الجروح التي عطبت نفسيتك وبكل الأذى الذي لحق بإهابك الغض خاصة ذلك التناقض الذي يمزّق كيانك بين حبك لهؤلاء الأشخاص وبين كرهك لهم, لكنه الحل الوحيد برأيي كي تستعدي السواء النفسي الذي يؤهلك أن تكوني إنسانة طبيعية فتتجاوزي كل تلك الذكريات الموجعة.

أنا لم أقترح حلا عليك ولا على أي واحدة ممن وقع عليها الاعتداء الجنسي بفضح المتحرش بها بعد تقادم العهد, فمن سوف يصدقها؟ وها أنت تنقلين لنا خبرة مؤلمة أخرى عن صديقين من مجموعتك أحدهما انتحر والأخرى قُتلت, وكأنك تقولين: كفّوا عن حلولكم التنظيرية أيها المستشارون, لأننا إذا فضحنا أبانا أو أخانا أو غيرهم من أقربائنا, بعد طول عهد الجريمة فلن يصدقنا أحد.. وسننتهي كما انتهى هذا الشاب وتلك الفتاة..

صدقيني أنا معك تماما بأن الاعتداء الجنسي في الطفولة والذي يوقعه على الطفل أحد أفراد الأسرة كالأب والأخ مثلا ليس له حل إلا بالمعالجة النفسية الفورية للطفل, أما المعالجة الأسرية بفضح المتحرش فمعناها فضح الأسرة كلها بنشر غسيلها الوسخ على الملأ, هذا يصدق تماما في مجتمعاتنا العربية ويصدق غالبا في المجتمعات الغربية, لأن الطفل المتحرَّش به مهدّد في كل الأحوال بأن يخسر نفسه أو يخسر المتحرش به وهو أحد أفراد أسرته أو يخسر أسرته كلها, وأنا لا أقول هذا من فراغ, بل تذكرني مأساتك بفيلم "الكاهن" وهو فيلم أمريكي مأخوذ عن قصة حقيقية لقسيس تعترف له فتاة بعمر 13 سنة بأن والدها يمارس معها الجنس, ويحاول القسيس أن يلفت نظر الأم إلى المشكلة دون جدوى, ويبدو أن الأم تعرف المشكلة وتتجاهلها لأنها تخشى الفضيحة أو تخاف من الأب, ويضع القسيس اللوم كله على المسيح الذي لا ينقذه من نفسه لأنه شاذ ولا ينقذ الفتاة من براثن أبيها, وينتهي الفيلم بتأديب الكنيسة للقسيس ثم عودته لممارسة عمله بعد توبته.

طبعا لا مجال للمقارنة بين حالتنا كعالم عربي اعتاد على الخضوع للقوي حتى لو كان ظالما وحالة العالم الغربي الذي يناقش قضاياه بصراحة وجرأة بكل الوسائل, ولكن ماذا يقول المثقفون لدينا عن هذه الصراحة والجرأة؟ يسمونها وقاحة, ففي حالة "أوبرا وينفري" المذيعة الأمريكية السوداء الشهيرة عندما ذكرت قصة ممارسة عمها الجنس معها وهي طفلة ثم وهي مراهقة لدرجة أنها حملت منه وأجهضت, فإن بعض الكتّاب لدينا يتهمونها بالافتخار بهذا التجربة, والحقيقة ليست كذلك, لأن "أوبرا" كانت تعلّم النساء كيف يمكنهن بناء أنفسهن من جديد رغم كل ماضيهن المؤلم.

ليس معنى ذلك أني أشجع على السكوت لكني أحبّذ أن أكون واقعية, ولا أحب طرح الحلول الانتحارية, أو ما يسميها بعضهم استشهادية, لأنني إلى الآن لم أسمع بتجربة واحدة ناجحة في عالمنا العربي, وبالطبع هذا يختلف عن حالة كون المعتدي من خارج الأسرة إذ يستطيع الطفل أن يبوح لأهله بما تعرض له, كما أنه يختلف في حال تعرض المرأة الناضجة لاعتداء جنسي من أحد محارمها إذ بإمكانها أن توقفه عند حدّه خاصة إذا كانت غير معتمدة على أسرتها ماديا, أو تقوم بالشكوى للقاضي أو لجمعيات حقوق الإنسان, أما الطفل الصغير فكيف يمكن له أن يصل للقاضي وهو قاصر وشهادته غير مقبولة في شرعنا؟ بل كيف يمكن له أن يشكو من هو وصي عليه أو وليّه الشرعي؟!

الفتيات الثلاث اللواتي ذكرت قصتهن في إجابتي السابقة كان والدهن قد اعتدى عليهن ومزق عذريتهن وبذلت أمهن المطلّقة جهدها كي تثبت هذا الاعتداء أمام القاضي دون فائدة, ومع ذلك استمرت في دفع القضية, لأن هناك ثلاثة شهود أو بالأحرى شاهدات, هن اللواتي وقع عليهن الاغتصاب وكن قد بلغن سن الحيض, ومع ذلك فإن القاضي لا يستطيع أن يقرر عقوبة لمشكلة ليس لها سابقة في التراث الفقهي الإسلامي, خاصة إذا قام بالقياس على حديث:(لا يقاد والد بولده), ولا أعلم مدى صحة هذا الحديث, ولكن ما أعلمه أنه يؤخذ به في محاكم بلدك فإذا قاس قاض اغتصاب الابنة من قبل أبيها على هذا الحديث فسيخرج الأب من الجريمة كما تخرج الشعرة من العجين, ولهذا نقول: إن تراثنا الفقهي بحاجة إلى مراجعة على مستوى العالم الإسلامي كله. وأما الأحكام التي سمعت بها كعقوبة للمتحرش بالطفل أو بالطفلة فلم تتعدى ثلاث أو أربع سنوات سجن, ولو كان بيدي إصدار الأحكام لوضعت عقوبة قطع عضوه التناسلي قياسا على قطع يد السارق!

هذا على المستوى الاجتماعي أما على المستوى الأسري فالسؤال: هذه الفضيحة إذا لم تصل للمحاكم وبقيت في الأسرة فما هي نهايتها؟

ذكرت أنت حياة الفتاة التي انتهت بجريمة قتل شرف, أي أن الفتاة المتحرّش بها دفعت حياتها ثمنا لجرأتها بكشفها للمجرم على حقيقته, وهذه الحالة تذكّرني بحالة فتاة قصت أختها الكبرى عليّ حكايتها, فبسبب ضعف شخصيتها لم تستطع أن تخبر أحدا سوى هذه الأخت التي اكتشفت صدفة تلك العلاقة السامة عندما دخلت عليهما الغرفة فوجدتهما في وضع لا يتناسب أن يكون بين أخ وأخته, وعندها باحت لأختها بقدم تلك العلاقة, فما كان من الأخت الكبرى إلا أن أخبرت الأخ الكبير, فماذا كان جوابه؟ قال لأخته: هل تريدين أن أقتله وتكون جريمة في العائلة؟

وفي حالة أخرى قامت الأم بتزويج ابنها كي تكفّ شره عن أخواته, فإذا به لا يرتوي من زوجته عندما تكون حائضاً فيعود إلى التحرش بأخواته, وكأن زواج المغتصب أو المتحرش حل له ولأسرته, والحقيقة ليست كذلك, لأن المشكلة لا تكمن في شخص هذا المتحرش وحده بل في الأسرة كلها التي يجب أن تعتبر نفسها مسؤولة عما حدث, والسؤال المطروح: من هذه العائلة العربية التي تقول عن نفسها: إننا مجموعة من الأفراد غير الطبيعيين, لأننا لو كنا طبيعيين لما وصل ابننا إلى هذه الحالة من انعدام الضمير الخلقي بحيث لا يستطيع صبّ غرائزه اللعينة على أخته؟ والسؤال الأصعب هو كما في حالتك: كيف يمكن لك أن تخبري والدتك بما هو واضح لها وتغض الطرف عنه لغاية في نفسها؟ غالبا غايتها هي إما الخوف من الفضيحة أو تهدم الأسرة أو حدوث جريمة..

الحكايا كثيرة وهي من بلاد عربية مختلفة, ولكن الحكاية الأغرب هي من بلدك, حيث أوصل طلاب مدرسة لمرشد طلابي ما أسرّه زميلهم لهم من أنه ينكح أخته, فلما استدعى المرشد الأب وسأله عن ذلك كان جواب الأب: وماذا فيها؟ أن يزني بأخته خير من أن يزني بواحدة أجنبية عنه؟!

وقد حكت لي صديقة أنها كانت تزور أسرة تعرفها, فإذا بالأم تقول لابنتها الكبرى: انظري إن كان أخوك قد استيقظ.. لا يذهب على أخته!

لا يذهب على أخته وليس لا يذهب إلى أخته, والحكايا لا تنتهي, ولكننا مشغولون عن هذا الوباء الذي تشتعل نيرانه في بيوتنا, مشغولون بالثرثرة والادعاء وإيجاد الحلول لمشكلات الشرق الأوسط, ورسائل الظواهري وأوامره بالاستعداد للجهاد من أجل حماية حمى الأمة!

أما حمى الأنثى فهو مكشوف لكل ذئب في العائلة, فهي منذ طفولتها محل إخراج نزوات الذكور, وقد يكون الطفل الذكر الضعيف في هذا الوضع, وعندما أنادي ببناء الأسرة والمجتمع كجهاد له الأولوية في حياتنا يقوم المتطرفون بالزعيق والصراخ بأنني أساهم بانحلال الأمة, والسؤال لهم ولغيرهم ممن يرى في ما يحصل في فلسطين ولبنان والعراق جهاداً: أي جهاد لأمة مستباحة من محيطها إلى خليجها؟ أي جهاد لشعوب مغتصبة من قبل بعضها بعضا؟!

أطلت عليك وعلى القراء الكرام لكن دعيني أنهي ببعض الكلمات: أنت في مشكلة نفسية كبيرة, أنت لا تستطيبين النوم لأن الذكرى ما زالت تؤرقك, وتخيفك من أن يقتحم أحدهم عليك الغرفة فجأة, كل ذلك دلالة على أهمية وضرورة العلاج النفسي لك, لذلك يجب أن تبدئي بعلاج نفسك بطريق العقل وهو العلاج المعرفي بالقراءة والكتابة وما تمارسينه حاليا هو بداية تحتاج الكثير من المثابرة, وكذلك العلاج بالإيمان وأكرر هنا أن الإيمان بالقضاء والقدر يجعلك أقدر على التسامح مع أسرتك وذلك لمصلحتك أنت وليس لمصلحة أبيك أو أخيك أو حتى أمك, والعلاج بالإيمان يقتضي منك جلسات كثيرة وطويلة مع الله لتشعري بمحبته لك ومحبتك له, وعندها فقط تستغني به عن عباده جميعا, وتسامحيهم جميعا, وإلا فإن القرار بعدم التسامح هو قرار باستمرار المعاناة.

في ذات الوقت الذي تعزمي فيه على الشفاء العقلي والنفسي يجب أن تعملي على الوصول لاستقلالك المادي عن أسرتك وهو ما يساعدك على بدء حياة جديدة, وقد تكون هذه الحياة بمفردك إذا أصبحت قوية كفاية للعيش وحيدة, وقد تكون بزواجك من شاب بعد شفائك الكلي, وما ذلك على الله بعزيز, فبالتصميم والإرادة تستطيعين أن تبني مستقبلك بعيدا عمن حاولوا تدميرك سواء كان ذلك بقصد منهم أم دون قصد, أما أن تبقي أسيرة هذه الأسرة المتهافتة المفككة التي أجرمت بحقك فهذا ما أربأ بك عنه, لأنه من حقك أن تعيشي حياتك وتبنيها بالشكل الذي تريدين وعلى مستوى رضا الله, بعيداً عن أي مجرم حتى لو استطعت التسامح معه..

أخبرك أخيراً أن محاولات التحرش التي تعرضت لها بعمر 8 حتى 10 سنوات قد لا تكون كافية لإفقادك عذريتك, لأن إدخال العضو الذكري نادرا ما يتم في حالة الطفلة حيث أن أعضاءها التناسلية لا تسمح بإدخال عضو رجل بالغ, وقد لا يهمك هذا كثيرا, ولكنه واجبي أن أخبرك به, وواجبي أن أبقى على اتصال بك متى شئت, فأهلا وسهلا بك وليباركك الله.

إسلام أنلاين 28/7/2007

   
   

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |