|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طالب عمري 23 عاما، عشت فترة من حياتي متنقلا
بين دول كثيرة، أثر فيّ ذلك وتعلمت الكثير من اختلاف البيئات رغم صغر السن في ذلك
الوقت. قسمت حياتي إلى فترتين الأولى قبل وفاة والدي، والثانية بعد وفاة والدي.
بالنسبة للفترة الأولى كان رأسي فارغا .. كنت أعيش حياتي بالطول والعرض غير مبال
بشيء.. إلى أن توفي والدي وأوكلت بتغسيله، وعندما رأيته وهو يتقلب بين يدي لا حول
له ولا قوة كانت هذه نقطة تحول في حياتي، استعدت شريط حياتي كله وكان عمري ساعتها
18 عاما، وذهبنا إلى القبر ورأيت ظلمته ووحشته، بعدما تركني الناس وحدي مع والدي
لأفك الأربطة وأدعو له، فدعوت له ثم نظرت حولي لأرى الأجساد البالية وقد أكلها
الدود، منها ما تهشم عظامه، ومنها ما لم يبق منه إلا الكفن وقد اصفر لونه…
سألت نفسي ساعتها: ماذا أنا فاعل عندما يأتي دوري لأحمل هاهنا ويتركني الناس لألقى
حسابي وحدي، فخارت قواي وكدت أسقط على الأرض لولا أن ناداني الناس لأخرج ليغلقوا
القبر على أبي.
فتحولت بعد ذلك إلى عابد طائع مناج مستأنس بربه، لا آنس إلا به، ولا أحب أن أتواجد
إلا بصحبته، في مسجد أو درس علم، ووصل بي الحال إلى أن الله كان يهبني فهم آيات من
القرآن دون أن أعود إلى كتب التفسير، وكنت أحلم بالقرآن يقرأ وأنا نائم، وكنت إذا
سمعت سورة من القرآن أحفظها عن ظهر قلب من المرة الأولى، كنت لا أبالي بالناس وما
يقولون، كل ما كنت أبغيه هو الإحساس برضى الله عليّ، كنت ما إن أسمع القرآن إلا
وتفيض عيناي بالدموع، وأظل أبكي على ما فاتني وما ضيعته لساعات طوال، وأسأل الله أن
يغفر لي ويرحمني.
كانت فترة من أحلى وأقرب فترات عمري إلى قلبي، تمنيت لو بقيت هكذا طوال عمري، ولكن
الشيطان اللعين ونفسي في أول يوم أنعم الله به عليّ بالدخول إلى الإنترنت كان ذلك
بعد عامين أو أكثر من تحولي.. فتحت أمامي صفحة إعلان عن العلاقات الزوجية، فدفعني
الفضول إلى تصفحها، وفعلت، ويا ليتني ما فعلت.. فما إن رأيت صورا عارية وبعضا من
الصور المتحركة لممارسة جنسية إلا فقدت السيطرة على نفسي واستمنيت.
بعدما أفقت وجدت نفسي لا أطيق النظر إلى نفسي حتى إني كنت أهرب من أن أفكر في ذلك
بالنوم والهروب من نفسي، حتى أصبت باكتئاب شديد، وهنا لعب اللعين دوره واستغلني
ووسوس إليّ بأن أجهز أحد برامج الدردشة وأتكلم مع أي إنسان لأفرّج عن نفسي،
وكالعادة بعد أسبوع أو أسبوعين تعرفت على فتاة من البرنامج، وادعت أنها أحبتني وما
شابه ذلك…
وهنا ضاع كل شيء، كنا نتكلم عن كل شيء بلا حياء، وتحولت حياتي كلها إلى رياء وكذب،
وأهملت في ديني وصلاتي… فبعدما كنت أؤذن الفجر ليقوم الناس إلى الصلاة أصبحت لا
أصلي الفجر حاضرا، وتتدرج الأمر إلى أن توقفت عن الصلاة لفترة، وأيضا زاد الأمر
سوءا إلى درجة أني أفطرت يوما في رمضان مجترئا على من خلقني لشهوة أصابتني وأنا
أتكلم مع إحدى الفتيات الغربيات على النت.
ويومها حلمت بيوم وفاة والدي، وكأن كل شيء كان يسرد أمام عيني أعيشه وأراه.. فقمت
فزعا لا أستطيع أن أتنفس حتى كدت أن أموت مختنقا من رعبي وخوفي، فاغتسلت وذهبت إلى
صلاة الفجر، وما إن بدأ الإمام في تلاوة سورة الفاتحة إلا وانفجرت من البكاء، ولم
أستطع إيقاف نفسي ساعة بعدها، وظل الناس يحاولون تهدئتي وكدت أختنق من البكاء،
واستدعوا شيخ المسجد وأخذني إلى حجرته وهدأ من روعي وسألني عما أبكاني فقصصت له؛
فألقى عليّ الحديث القدسي "يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء واستغفرتني لغفرت
لك..." فبكيت.
وظللت هكذا لأيام حتى إن أمي كادت تجنّ وتريد أن تعرف ما الذي أصابني، وهنا كانت
مشكلة أيضا.. تمنيت أن لو كانت أمي ملتزمة ومتدينة لألجأ لها وأستشيرها فيما يعج به
صدري من صراع وألم.. فكتمت ذلك في نفسي، وحاولت أن أتمالكها، وأخذت ميثاقا على نفسي
أن أسعى في نشر الوعي الديني في أهلي وصحبتي وجيراني لعل الله يغفر لي ذنبي يوم
ألقاه.
وما إن زاد سعيي حتى بدأ دور البيت في الاعتراض عليّ وعلى ما أفعل، وبدأت أقضي كل
ليلة بعد الشتم والأذى بالكلام من أمي وأخي، وانهالت عليّ الدعوات بالغضب وعدم
الرضى.
أحيانا أقع في أخطاء كالتي وقعت فيها في الماضي، ولكن هذه المرة تعلمت الدرس.. ألا
أترك للشيطان فرصة ليمكن اليأس مني، فأعود وأزيد من سعيي عن ذي قبل، والحمد لله
كلما وقعت في خطأ "ذنب" أدركت أنه ما زال لديّ من الطاقة الزائدة ما يحتاج إلى
توظيفه، فأزيد من بذلي.. ولكن ذلك لا يعجب أهل بيتي، ويعرضني يوميا إلى مشاحنات
وإهانات واتهامات بالنفاق والكذب، ولا أدري لماذا يعتقدون أنني أفعل ذلك نفاقا أو
رياء، وهذا يضعف ويفتك بقواي.
معلومة هامة، وهي أن مستواي بالدراسة عادي، وللعلم أني أدرس في إحدى كليات القمة
كما يسمونها في بلادي . وفي معظم الأحيان أحسّ أن الله يبعث إليّ من يثبتني ويشد من
أزرى؛ فالحمد لله.. العبد الفقير الآن يحفظ القرآن ويشارك في أنشطة تفيد المجتمع،
ولكنني مع كل هذه المحاولات للوصول إلى درجة الإيمان التي كنت عليها من ذي قبل إلا
أنني لا أدركها حتى ولو للحظات.. وهذا يرهقني ويشغلني، فهلا أخبرتني أخي/أختي
الكريمة عن رأيك؟ وما ظنكم بما يجب أن أفعل؟ أعرف أن سؤالي دقيق وصعب، ولكن لعل
الله يبارك لكم ويلهمكم الجواب الذي يرضى به الله تعالى.
وخير ختام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته |