الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) كل ابن آدم خطاء.. وخير الخطائين التوابون

 
23/4/2002
 
 
 
 
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طالب عمري 23 عاما، عشت فترة من حياتي متنقلا بين دول كثيرة، أثر فيّ ذلك وتعلمت الكثير من اختلاف البيئات رغم صغر السن في ذلك الوقت. قسمت حياتي إلى فترتين الأولى قبل وفاة والدي، والثانية بعد وفاة والدي.
بالنسبة للفترة الأولى كان رأسي فارغا .. كنت أعيش حياتي بالطول والعرض غير مبال بشيء.. إلى أن توفي والدي وأوكلت بتغسيله، وعندما رأيته وهو يتقلب بين يدي لا حول له ولا قوة كانت هذه نقطة تحول في حياتي، استعدت شريط حياتي كله وكان عمري ساعتها 18 عاما، وذهبنا إلى القبر ورأيت ظلمته ووحشته، بعدما تركني الناس وحدي مع والدي لأفك الأربطة وأدعو له، فدعوت له ثم نظرت حولي لأرى الأجساد البالية وقد أكلها الدود، منها ما تهشم عظامه، ومنها ما لم يبق منه إلا الكفن وقد اصفر لونه…
سألت نفسي ساعتها: ماذا أنا فاعل عندما يأتي دوري لأحمل هاهنا ويتركني الناس لألقى حسابي وحدي، فخارت قواي وكدت أسقط على الأرض لولا أن ناداني الناس لأخرج ليغلقوا القبر على أبي.
فتحولت بعد ذلك إلى عابد طائع مناج مستأنس بربه، لا آنس إلا به، ولا أحب أن أتواجد إلا بصحبته، في مسجد أو درس علم، ووصل بي الحال إلى أن الله كان يهبني فهم آيات من القرآن دون أن أعود إلى كتب التفسير، وكنت أحلم بالقرآن يقرأ وأنا نائم، وكنت إذا سمعت سورة من القرآن أحفظها عن ظهر قلب من المرة الأولى، كنت لا أبالي بالناس وما يقولون، كل ما كنت أبغيه هو الإحساس برضى الله عليّ، كنت ما إن أسمع القرآن إلا وتفيض عيناي بالدموع، وأظل أبكي على ما فاتني وما ضيعته لساعات طوال، وأسأل الله أن يغفر لي ويرحمني.
كانت فترة من أحلى وأقرب فترات عمري إلى قلبي، تمنيت لو بقيت هكذا طوال عمري، ولكن الشيطان اللعين ونفسي في أول يوم أنعم الله به عليّ بالدخول إلى الإنترنت كان ذلك بعد عامين أو أكثر من تحولي.. فتحت أمامي صفحة إعلان عن العلاقات الزوجية، فدفعني الفضول إلى تصفحها، وفعلت، ويا ليتني ما فعلت.. فما إن رأيت صورا عارية وبعضا من الصور المتحركة لممارسة جنسية إلا فقدت السيطرة على نفسي واستمنيت.
بعدما أفقت وجدت نفسي لا أطيق النظر إلى نفسي حتى إني كنت أهرب من أن أفكر في ذلك بالنوم والهروب من نفسي، حتى أصبت باكتئاب شديد، وهنا لعب اللعين دوره واستغلني ووسوس إليّ بأن أجهز أحد برامج الدردشة وأتكلم مع أي إنسان لأفرّج عن نفسي، وكالعادة بعد أسبوع أو أسبوعين تعرفت على فتاة من البرنامج، وادعت أنها أحبتني وما شابه ذلك…
وهنا ضاع كل شيء، كنا نتكلم عن كل شيء بلا حياء، وتحولت حياتي كلها إلى رياء وكذب، وأهملت في ديني وصلاتي… فبعدما كنت أؤذن الفجر ليقوم الناس إلى الصلاة أصبحت لا أصلي الفجر حاضرا، وتتدرج الأمر إلى أن توقفت عن الصلاة لفترة، وأيضا زاد الأمر سوءا إلى درجة أني أفطرت يوما في رمضان مجترئا على من خلقني لشهوة أصابتني وأنا أتكلم مع إحدى الفتيات الغربيات على النت.
ويومها حلمت بيوم وفاة والدي، وكأن كل شيء كان يسرد أمام عيني أعيشه وأراه.. فقمت فزعا لا أستطيع أن أتنفس حتى كدت أن أموت مختنقا من رعبي وخوفي، فاغتسلت وذهبت إلى صلاة الفجر، وما إن بدأ الإمام في تلاوة سورة الفاتحة إلا وانفجرت من البكاء، ولم أستطع إيقاف نفسي ساعة بعدها، وظل الناس يحاولون تهدئتي وكدت أختنق من البكاء، واستدعوا شيخ المسجد وأخذني إلى حجرته وهدأ من روعي وسألني عما أبكاني فقصصت له؛ فألقى عليّ الحديث القدسي "يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء واستغفرتني لغفرت لك..." فبكيت.
وظللت هكذا لأيام حتى إن أمي كادت تجنّ وتريد أن تعرف ما الذي أصابني، وهنا كانت مشكلة أيضا.. تمنيت أن لو كانت أمي ملتزمة ومتدينة لألجأ لها وأستشيرها فيما يعج به صدري من صراع وألم.. فكتمت ذلك في نفسي، وحاولت أن أتمالكها، وأخذت ميثاقا على نفسي أن أسعى في نشر الوعي الديني في أهلي وصحبتي وجيراني لعل الله يغفر لي ذنبي يوم ألقاه.
وما إن زاد سعيي حتى بدأ دور البيت في الاعتراض عليّ وعلى ما أفعل، وبدأت أقضي كل ليلة بعد الشتم والأذى بالكلام من أمي وأخي، وانهالت عليّ الدعوات بالغضب وعدم الرضى.
أحيانا أقع في أخطاء كالتي وقعت فيها في الماضي، ولكن هذه المرة تعلمت الدرس.. ألا أترك للشيطان فرصة ليمكن اليأس مني، فأعود وأزيد من سعيي عن ذي قبل، والحمد لله كلما وقعت في خطأ "ذنب" أدركت أنه ما زال لديّ من الطاقة الزائدة ما يحتاج إلى توظيفه، فأزيد من بذلي.. ولكن ذلك لا يعجب أهل بيتي، ويعرضني يوميا إلى مشاحنات وإهانات واتهامات بالنفاق والكذب، ولا أدري لماذا يعتقدون أنني أفعل ذلك نفاقا أو رياء، وهذا يضعف ويفتك بقواي.
معلومة هامة، وهي أن مستواي بالدراسة عادي، وللعلم أني أدرس في إحدى كليات القمة كما يسمونها في بلادي . وفي معظم الأحيان أحسّ أن الله يبعث إليّ من يثبتني ويشد من أزرى؛ فالحمد لله.. العبد الفقير الآن يحفظ القرآن ويشارك في أنشطة تفيد المجتمع، ولكنني مع كل هذه المحاولات للوصول إلى درجة الإيمان التي كنت عليها من ذي قبل إلا أنني لا أدركها حتى ولو للحظات.. وهذا يرهقني ويشغلني، فهلا أخبرتني أخي/أختي الكريمة عن رأيك؟ وما ظنكم بما يجب أن أفعل؟ أعرف أن سؤالي دقيق وصعب، ولكن لعل الله يبارك لكم ويلهمكم الجواب الذي يرضى به الله تعالى.
وخير ختام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 
 
 

 
 
 
   

أثرت فيّ مشكلتك كثيرا يا بني العزيز، وذلك لشيء واحد هو أنك وصلت إلى مرحلة عالية من اليقين، وهي درجة عالية من درجات الإيمان، وقد قال الله تعالى: (ثم لترونها عين اليقين)، فأنت رأيت ما لا يراه إلا القليل - خاصة في سنك - ومع ذلك فهؤلاء القليل لا يتعظون جميعا بما رأوا، رغم ما ورد عنه عليه الصلاة والسلام: "كفى بالموت واعظا"، وغالبا ما يكون التأثر مع الصدمة الأولى فيرجع أهل الميت إلى ربهم نتيجة انفعالهم وحزنهم، ولكن ما إن تخف مظاهر الحزن وينغمس الكل بالدنيا من جديد وتذهب السكرة وتبقى الفكرة كما يقال يعود كل واحد إلى ما كان عليه؛ لأن الانفعالات تتبخر، ولا تبقى راسخة كالقناعات.
وما حصل معك شيء قريب من هذا القبيل في البداية، ثم رغم ثباتك فترة على الطاعة فإنك تحولت إلى المعصية كمن هوى من قمة جبل سامق إلى عمق واد سحيق، وإن كان الله سبحانه قد أراد لك الخير بالرؤيا التي رأيتها، وهي إن دلت على شيء فإنما تدل على أن ضميرك ما يزال حيا ويصرخ متألما تحت وقع الخطايا التي ينوء بعذاباتها، فالحمد لله أن تخلصت من معاصيك وعدت إلى رشدك ورجعت إلى ربك ولم تطل فترة ضلالك، ولعلك بإذن الله من الصادقين.
هذه التجربة التي مررت بها مفيدة جدا حتى لو كانت معصية، فقد عانيت من شقاء البعد عن الله كما تذوقت نعيم القرب من الله، فأيهما تختار بعد الآن؟
أنت تعرف بلا شك أن "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، وأذكرك ببعض ما ورد من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام عن التوبة: "كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهب فأتاه فقال: إنه قتل تسعا وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فأكمل به المائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض.. فدُل على رجل عالم.. فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء. فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط؛ فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم - أي حكما - فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة".
وعندما أتت امرأة حبلى من الزنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه عليّ، فدعا نبي الله صلى الله عليه وسلم وليها فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني، ففعل؛ فأمر بها نبي الله عليه الصلاة والسلام فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال عمر: يا رسول الله أتصلي عليها وقد زنت؟ قال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟".
وحديث كعب بن مالك وتخلفه عن الجهاد، ثم نزول آيات التوبة عليه وعلى من تخلفوا مثله من الصحابة الصادقين… فمهما بلغت ذنوبك التي ذكرتها فهي ليست قتلا لمائة نفس، وليست زنا بمعنى الزنا، خاصة أنك لست محصنا، وليست تخلفا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان ترك الصلاة وإفطار يوم من الكبائر، لكن الكبيرة إلى جوار عفو الله صغيرة.
فأرجو ألا تقف عند ذنوبك السابقة كثيرا، ولا تعتبرها أكثر من تجربة مررت بها لتستفيد منها بأن لا تعود إليها، وأن تنبه الناس كي لا يقعوا فيها، فقد تعلمت شيئا عن حبائل الشيطان ومكائده لبني آدم، ومن عرف الشر فهو أشد على الشيطان ممن لم يعرفه، وبالطبع هذا لا يعني أن نستصغر المعصية، بل على العكس إذا صغرت في أعيننا فعلينا أن نتذكر عظمة من عصيناه سبحانه، لكن المقصود أن نقف في مكان وسط بين جلَد النفس وبين الرضا عن النفس، وهي مكانة تقبل النفس رغم أخطائها، و(كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) كما قال حبيبنا المصطفى عليه الصلاة والسلام.
أنت تسأل سؤالا خطيرا، وهو أنك رغم كل ما تفعله من محاولات للوصول إلى درجة الإيمان التي كنت عليها لا تدركها، فلماذا؟
يا بني، أنت ترى أنك إذا جرحت في أي موضع في جسمك، ثم يشفى هذا الموضع يترك مكانه ندبة يختلف نسيجها عن نسيج الجلد الذي حولها، ويكون أقرب إلى القسوة منه إلى ليونة الجلد العادي، وهكذا المعصية – خاصة الكبيرة – تترك في القلب ندبة حتى لو شفي القلب من المعاصي، فلا يعود القلب صافيا رائقا كما كان قبلا، بل فيه ندبة تمنعك من تذوق حلاوة الإيمان كما كنت تشعر بها من قبل..
وهنا يجب عليك أن تثابر على الطاعة وأن تستمر بالطلب من الله أن يرزقك إياها ثانية، وأن تمنع نفسك عن أي معصية حتى لا تزيد الندبات في القلب.. والمثابرة تكفل لك بإذن الله أن تفتح لك أبواب القبول بشرط ألا تعجل؛ فمن داوم قرع الباب أوشك أن يلج.
فلتتذكر أن تستفيد من معصيتك بأن تتمسك بالتزامك أكثر من ذي قبل، فمن فقد النعمة وأحس بفقدانها ليس كمن لم يفقدها.
وهنا أضرب لك هذا المثال: لو أن لديك جوهرة غالية وعهدت بها إلى شخص، ثم ضيعها، وبعد ذلك أتاك معتذرا نادما فسامحته، أتراك ستسلم له الجوهرة مرة أخرى بسهولة؟ أم على الأقل تجربه لتعرف مدى صدقه والتزامه وحرصه عليك، وألا يفقد ثقتك مرة أخرى؟ هل فهمت كلامي؟ ولله المثل الأعلى.
كانت الجوهرة بين يديك وهي حلاوة الإيمان والقرب من الله، فلن تنالها ثانية إلا بالإصرار والاستمرار والمثابرة على تزكية النفس وتربية الوجدان، فلنعد إلى كتاب الله وسنة نبيه لتلمس هذا المنهاج في التربية التي نحتاجها جميعا، خاصة في هذا الوقت العصيب الذي تمر به أمتنا، ولعل منه ما يلي:
أولا: القيام بالأسحار راكعين ساجدين متضرعين مستغفرين (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه).
ثانيا: الإكثار من ذكر الله في نفوسنا ودون الجهر من القول، وخاصة في أوقات البكور والآصال، وقبل شروق الشمس وقبل غروبها، وذلك بقلب خاشع حاضر (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال).
ثالثا: الإكثار من قراءة القرآن مع التدبر والتفكر، وهو من أعظم أنواع ذكر الله (وإذا تليت عليهم آياته زادته إيمانا).
رابعا: الابتعاد عن أكل الحرام؛ لأنه يغلف القلب بالران وهو مانع لقبول الدعاء، وكذلك الابتعاد عن المعاصي ظاهرةً وباطنةً (وذروا ظاهر الإثم وباطنه).
خامسا: مصاحبة الأخيار والابتعاد عن مجالس الأشرار، وابحث عن الصحبة الصالحة تجدها، ولا ننس أن نصاحب صحابة الرسول عليه الصلاة والسلام بقلوبنا، ولنتذكر كيف كانوا لنكون مع محمد وصحبه في الآخرة وإن فاتتنا صحبتهم في الدنيا.
سادسا: الإكثار من الصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام واستحضار فضائله وصفاته والاقتداء بسنته، وقد ذكر أهل العلم أن المسلم إذا فقد المرشد الكامل فإن الإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوضه عن المرشد، وكأنه صلى الله عليه وسلم يكون المرشد له من دون أن يشعر.
هذا غيض من فيض من منهاج تربية النفس وتزكيتها، وبها يصل المرء إلى حلاوة الإيمان، ومع ذلك فلا تجعل هذه الحلاوة مقصدك، إنما ليكن همك هو الإخلاص لله سبحانه ورضا الله. وأذكر لك عبارة صوفية أحبها كثيرا: "فلما أخلصوا احتاج إخلاصهم إلى إخلاص". هذا الإخلاص لا يأتي إلا بأن تقطع عن النفس آفاتها مثل الكبر والعجب والرياء وحب الدنيا، وهي آفات تعمل عملها التهديمي في باطن الإنسان على الرغم مما يتحلى به من أعمال صالحة وعبادات مبرورة ودعوة إلى الله. وليس لها دواء إلا بالخلوة مع النفس ليتأمل المرء في حقيقته ومدى حاجته إلى الله وتوفيقه، ثم ليتأمل في الناس ومدى ضعفهم وفي انعدام الفوائد لمدحهم أو قدحهم، ثم ليتفكر في اليوم الآخر وفي رحمة الله وعقابه، فعند التفكير المتكرر تسقط آفات النفس ويحيا القلب بنور الصفاء والإخلاص.
لا أدري لماذا أشعر بحاجتك إلى تطهر كامل، وربما يعود السبب إلى الدرجة التي وصلت إليها سابقا، فحاول إن استطعت أن تؤدي فريضة الحج بأقرب وقت لقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).. وبذلك تفتح صفحة جديدة في حياتك، ولكن إن لم يتسن لك ذلك فلا تيئس من رحمة الله، وهو الذي أخرج أبانا آدم عليه السلام من الجنة لحكمة خلافة الله في الأرض .
وأنقل لك كلمات رائعات لابن القيم في كتابه "الفوائد" بخصوص معصية آدم:
"فرح إبليس بنزول آدم من الجنة، وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدر صعود".
"يا آدم، لا تجزع من كأس زلل كانت سبب كياستك، فقد استُخرج منك داء العجب وألبست خلعة العبودية"
"تالله ما نفعه عند معصيته عز: "اسجدوا لآدم"، ولا شرف: "وعلم آدم"، ولا خصيصة "لما خلقت بيدي"، ولا فخر: "ونفخت فيه من روحي"، وإنما انتفع بذل: "ربنا ظلمنا أنفسنا وإلا تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" لمّا لبس درع التوحيد على بدن الشكر وقع سهم العدو منه في غير مقتل فجرحه، فوضع عليه جبار الانكسار فعاد كما كان، فقام الجريح كأن لم يكن به قلبة".
عليّ أيضا أن أذكرك بوجوب تحسين أسلوب تعاملك مع أهلك فربما اتهموك بالنفاق لأنهم شعروا بتقصيرك فيما سبق، والمشكلة يا بني أن الناس لا ينسون إساءة المسيء حتى لو غفرها الله؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين". فلا عليك منهم من هذه الناحية، وليكن همك الإخلاص لله فقط دون أن تجعل ذمهم لك يؤثر في سيرك إلى الله سبحانه مرة أخرى، وحاول أن تتقرب إليهم بأحسن ما عندك من خلق "خيركم: خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي"، وأخرج أفضل ما في نفسك لهم، وقابل إساءتهم بإحسانك (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).
وإياك أن ترى لنفسك ميزة عليهم بتقواك أو عبادتك، فأكمل الناس وأكثرهم خشية لله ليس من يزدري العصاة ويحتقر المذنبين، وإنما هو من يشفق على الخاطئين ويعذرهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".
وأوصيك بأن تبر والدتك لأنها أحق الناس بحسن صحابتك حتى لو كانت مشركة وليست فقط غير متدينة، فاعمل على كسب ودها ورضاها دون معصية الله طبعا، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، واستعمل ذكاءك ما دمت في إحدى كليات القمة.. ولو أنني لا أحبذ هذه التسمية؛ لأن كلية القمة هي التي يجد فيها الإنسان نفسه وميوله فيبدع لنفسه ولأمته.. وخفف مما يعرضك للمشاحنة مع الوالدة، ولعل اجتهادك في دراستك لتحصيل نتيجة طيبة ترضيها عنك.
ولا تنس العبء الملقى على كاهل والدتك بعد غياب والدك رحمه الله، فلا تزد أعباءها، بل اقترب منها وابذل نفسك في مرضاتها، وتذكر أن الجنة تحت أقدامها، ولعلها تشعر ببرك وسعيك لرضاها، فتحاول أن تقترب منك لتتعرف هذه النعمة الكبرى التي فاتتها وهي نعمة الطاعة، ولا تسلك إلى هدايتها طريقا إلا طريق إبراهيم عليه السلام عندما قال له أبوه: (أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا)، فلاحظ هذا الأدب من أبي الأنبياء كيف أن والده يهدده بالرجم والطرد، ولكنه يقابل كلماته بالسلام والمحبة.
وأما دراستك فيجب أن تعتبرها جهادك، واقصد بها وجه الله ونفع أمتك، وأنت ترى أين أصبح حالنا نحن المسلمين بعد أن فصلنا ديننا عن دنيانا، ونسينا أن الدنيا طريق للآخرة، وأهملنا تلك الحقيقة التي تقول: إن العبادة هي كل عمل قصد به وجه الله حتى لو كان دنيويا (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |