|
قبل أن أجيب على أسئلتك أيها الأخ الكريم دعني أشير إلى نقطة
هامة ربما لم تخفَ عليك وإن كنت لم تذكرها, وهي تكاد تكون
خصوصية خاصة بمجتمعك, ألا وهي انعدام إمكانية التلاقي بين شاب
وشابة يبحثان عن الارتباط برباط الزواج المقدس, لأن أي لقاء
بينهما ينظر إليه على أنه حرام حتى لو كان بحكم العمل المختلط
المحترم, ولذلك أصارحك أنه لو جاءتني المشكلة من بلد آخر غير
بلدك لكنت وجدتها سخيفة فعلا, مع احترامي لكل أصحاب المشكلات
طبعا, لكن كوني أعرف مجتمعك عن قرب فإني أدرك ماذا يعني للشاب
أن يسمع صوت فتاة على الهاتف, ولماذا يقوم بإرسال رسالة لها
بدعاء لها بالستر, ولماذا تتصل هي به لمجرد أن وجدت رقمه في
مكان ما, ولماذا تقوم بإيقاظه على صلاة الفجر, ولماذا..
ولماذا.. ولماذا..
كل ذلك أفهمه أخي الكريم ولكن لا يعني ذلك سوى أني أتقبله
بصعوبة والله, لأن كل هذه "الحركات" بينك وبينها تعتبر في بلاد
أخرى مجرد ألاعيب أولاد صغار, صبي وبنت في بداية المراهقة – أو
حتى قبلها - يريد كل منهما أن يتعرف على الجنس الآخر, ومن هنا
فنحن بحاجة فعلا إلى دراسة المراهقة المبكرة في بعض البلاد
العربية في نفس الوقت الذي ندرس فيه المراهقة المتأخرة في بعض
البلاد الأخرى.
في بياناتك أنك فوق العشرين وأنت تذكر أن أهلك يبحثون لك عن
زوجة بطريقة تقليدية, ولو سألنا عن هذه الطريقة التقليدية فهي
باختصار مراقبة الفتيات في الأفراح حيث تتبارى كل منهن بإظهار
مفاتنها لعل الحظ يحالفها تلك الليلة فتقع عليها عين أم أو أخت
أو قريبة لشاب يريد الزواج, والطريف أن هذه الطريقة التقليدية
انحرفت من الأفراح إلى الأتراح, فأصبحت الفتيات يتنافسن
بالذهاب إلى العزاء لنفس الغاية, والأم تبحث لولدها عن عروس
بينهن لأنهن يضعن أقل كمية من المكياج وليس كما في الفرح حيث
تختفي كل العيوب بقدرة قادر, وهكذا انقلبت الغاية من العزاء
بتحويله إلى مكان للتعارف بين النساء, ولا حول ولا قوة إلا
بالله!
المهم في حالتك يا سيدي تم التعرف على هذه الفتاة بطريقة
خاطئة, ربما "ملعوبة" من طرفها للإيقاع بك, وربما محبوكة من
طرفك بطريقة لا شعورية بعد أن سمعت صوتها, وكشاب ملتزم غير ذي
خبرة سوف يعني لك صوت الأنثى كثيرا من الجمال, لكن هل تراك
رأيتها؟
تقول أن الجمال لا يهمك, لكن ماذا لو كانت بشعة مثلا؟ هل تراك
إن رضيت بها سيرضى بها أهلك؟ هل ستتخطى قوانين الوراثة في
إمكانية انتقال هذه البشاعة إلى ذريتك؟ هل ستنسى حديث الرسول
عليه الصلاة والسلام وهو الذي عبر عن فطرة الرجل باختيار
المرأة الصالحة:(إذا نظر إليها سرته) إضافة إلى صفات أخرى أنت
لست متأكدا منها ولا تعرفها مثل منبتها الحسن وعائلتها الكريمة
وأخلاقها الفاضلة؟
إذا غضضنا النظر عن طريقة التعارف الساذجة – وربما المخطط لها
من طرفك أو طرفها - وإذا أجبتك عن جميع أسئلتك بأنه من حقك أن
تختار لنفسك زوجة ترضى بها, وإذا أخبرتك أن هذا حقك أنت وليس
لأهلك مثل هذا الحق في الاختيار وإن كان من حقهم أن يطمئنوا
إلى زواج ابنهم ممن تناسبهم سواء من الناحية المادية أو
الاجتماعية, فالسؤال الذي يبدو أنه لم يخطر على بالك: كيف
ستوصل لأهلك فكرة تعرفك على فتاة عن طريق الهاتف؟ وهل هي من
نفس مدينتك؟ أم أن من واجب أهلك أن يسافروا إلى مدينة أخرى
ليروها؟ وماذا ستفعل إذا رأوها ولكنها لم تدخل قلوبهم؟ هل تبدأ
معهم حربا كي تتزوج من اخترتها دون أن تعرفها إلا من وراء حجاب
الهاتف أو النت أو ما شابه؟
أنت تقول أنك تعتبر هذه الفرصة من صالحك, وليس من حقي أن أصادر
فرحتك بهذه الفرصة, لكن ما أدراك فعلا أنك لم تقع في فخ الفرصة
لأن صاحب الحاجة أرعن؟ ما أدراك أنها ليست سوى فتاة مستهترة
تريد العبث مع أي شاب أو فتاة فارغة تود أن تقلد صديقاتها
بالمعاكسات الهاتفية فوجدت رقما في صحيفة فجربت حظها بالاتصال
لعل صوتا ذكوريا يجيبها؟
هل هناك من طريقة للتأكد أنها فعلا فرصة؟ كيف يمكنك أن تتعارف
عليها في مجتمعك المغلق الذي ينظر إلى أي لقاء بين شاب وفتاة
حتى في مكان العمل على أنه خلوة محرمة؟
على كل حال وبسبب إدراكي لثقافة مجتمعك التي تُلجئ الشاب
والفتاة إلى الطرق الملتوية للتعارف فإن الحل برأيي هو بمعرفة
هذه الفتاة أكثر, وذلك بنقل هذه العلاقة إلى دنيا الواقع
والعلن بشكل أفضل, فلا أنصحك بأن تلتقي بها قبل أن تصارح امرأة
من أهلك سواء والدتك أو أخت كبيرة أو قريبة حكيمة لك لتلقاها
قبل أن تراها أنت خوفا من أن تنظر إليها باعتبارها الفرصة التي
لا تريد أن تفلتها من يدك خشية أن تضيع منك, وهي في الحقيقة قد
تكون غير ذلك,
لا أدري إن كان بإمكان هذه المرأة أن تلتقي هذه الفتاة بعيدا
عن أهلها قبل أن يدخل أهلك منزلهم طالبين يدها, لأنه مما يجب
أن أنبهك إليه أن أهلها قد يتساءلوا عن طريقة تعارف هذه الفتاة
بتلك السيدة من أهلك, لذلك يجب أن تخطط أنت والفتاة والسيدة
الوسيطة بينكما لطريقة مقبولة من أجل دخول بيت أهلها لطلب
يدها, وفي نفس الوقت تشرح لها أنك قد تغير رأيك بعد الخطبة وأن
من حقها كذلك أن تغير رأيها, فليس التعارف بينك وبينها عن طريق
الخطبة دليل أكيد على وقوع الارتباط بينكما, فأنتما بحاجة إلى
معرفة واعية كل منكما بالآخر وبظروفه وبأخلاقه وبعائلته, ليس
عن طريق الهاتف حيث تختفي تعابير الوجه وإيماءات الجسد, بل
وجها لوجه حيث يجب أن ينظر كل منكما للآخر باحثا عن المزايا
والمساوئ دون أن يدع رعونة الفرصة تسيطر عليه لتوصله إلى
اختيار فاسد لا يقوى على مواجهة واقع الحياة الأسرية التي لن
تكون كلها صلاة ولا حكما ولا كلاما عاطفيا أو إنشائيا, بل هي
كفاح لتخطي عقبات اختلاف الطبائع والفروق الفردية إلى قبول
بالمختلف عنا لنشكل معه كلا واحدا لا ينفصل.
إسلام أنلاين 24/7/2007 |