الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية)    توتر المبدعين.. تعلموا فن الاسترخاء

 
     
 
 
 
 

لطالما تعلمت واستفدت من هذه الصفحة، ولكم تغيرت نظرتي لكثير من الأمور بفضل الله أولا ثم بفضل إيقادكم شمعات الوعي والعلم على كل من يقرأ..

أساتذتي الكرام، هل لي بلحظات من وقتكم الثمين، وكلمات من نصحكم الحكيم. واعذروني مسبقًا إن لم تكن كلماتي منمقة واضحة بالشكل الكافي، فلطالما كان القلم متنفسًا لي كتابة ورسمًا.

لقد منّ الله جل شأنه علي بنعم وعطايا؛ غرفت من العلم فنلت بحمد لله شهادات (وليس شهادة)، حفظت القرآن كاملا، ويسر الله أن أتدارسه وأراجعه يوميًّا، قرأت كتبًا ونمت داخلي أحلامًا وأهدافًا، أشعر أن في داخلي قوة عظيمة، همة تعلو وتفتر.. أسعى لأشعلها تارة وأشعل همم من حولي.. تعلمت الكثير من تجارب الحياة، يسر الله لي عملاً في نفس المكان الذي كنت أحلم به، برغم أن لا خبرة ولا واسطة لي.. تعلمت كيف أطور نفسي مرة بعد مرة.. وكيف أكتشف مواطن السوء فيها، وكيف أتعلم من أخطائي.. أخفق كثيرًا.. أعترف بهذا، ولكن حسبي أن لي ربًا اسمه الكريم أكرمني وأعطاني ما أشاء وأكثر.. نعم وأكثر.. وليس المال هو ما أتحدث عنه، فقد كفاني ربي وستر علي.. فوالدي متوفى من بضع سنين فقط.. وبموته هبطت روحي ودموعي لقاع لم أدر اتساعه، أحاول أن أرفعها مرارًا، ما زلت أنجح تارة، وأخفق تارة.. وبرغم أني ما زلت أعاني ابتعاده.. فإنه ليس الموضوع الذي أريده هنا..

حياتي فيها الكثير، فلا أعرف نفسي إما في مقاعد الدراسة، ثم المنزل وظروف أهلي، وبين ذاك اشتركت هنا وهنا.. قسمت روحي في كل مكان لأعرف ما تريد، وأين تستطيع أن تبدع.. لقد نجح هذا بدرجة كبيرة.. وبين الحين والآخر أذهب لمحاضرات دينية وعلمية.. أعود للمنزل.. ما زال هناك أعمال أخرى يجب تأديتها.. أريد أن أكون الفتاة المثالية في كل شيء.. وكأني كنت في سباق وراء الآخر.. بل كنت في سباقات متعددة في الوقت ذاته.. أحشو رأسي ما استطعت.. لا أستطيع أن أقدم عملي سواء كان عبارة عن نشاط جامعي.. أو فيما بعد في العمل الوظيفي.. أو في العمل الخيري.. أو في ما أعد نفسي لتحقيقه من أحلام وأهداف.. لا أستطيع أن أقدم كل هذا إلا بشكل أقرب للكمال والمثالية.. لقد كان لهذا فوائد وأثر جميل في كثير من الأحيان.. إلا في جانب واحد فقط..

فنظام عيشي جعلني في توتر دائم.. هذا التوتر أثر في كثيرًا.. فأول الأثر أني أصل في أحيانٍ أن أفرط في الطعام.. وها هو وزني يزيد قليلا عن الطبيعي.. وكما قلت سابقًا يوترني أن أبتعد قليلا عن المثالية.. يجب أن أعترف.. أنا لا أعرف للاسترخاء سبيلاً!! كل شيء يوترني.. حتى التجهيزات التي تسبق الزيارات العائلية.. تجهيز للرحلات... للحفلات.. أي تنظيم وتجهيز لأي كان أصبح متوترة.. قبل تسليم الواجبات.. أيام الامتحانات أعيش أيامًا لا أنعم فيها بنوم، ولا أشعر فيها بطعم طعام، غير أني أفرط فيه.. لا أدري لماذا؟! ربما محاولة بائسة لصرف تفكيري عما أنا فيه.

عندما أعاني من درجات من التوتر العالية، أصبح لا أقوى جيدًا على التنظيم والتفكير والإبداع.. فأنا أعمل أحيانًا مصممة جرافيك، ما يجعلني أفشل تمامًا في التصميم إن كنت متوترة جدًا.. وإن طُلب مني كتابة كلمة ما لحفلة ختامية فإني لا أرقى بالمستوى الذي أرضى عنه (أنا أتحدث عن أيام الاختبارات، وإلا فعلاقتي بالقلم علاقة ود عميقة).. حتى أهلي يتعبون، ينتظرون متى تنتهي الدراسة لأني أنشر شارات التوتر في كل مكان.. حتى أني أتعمد الابتعاد عن الناس وعن مقابلتهم والحديث معهم بأي شكل في هذه الأيام الشديدة، ولكن من قال إني أنتهي من توتري يومًا!! في البداية يستغرق هذا أسبوعًا حتى أعود لإدراكي وانسجامي النفسي (إن صح التعبير) ولكن يبقى دائمًا مستوى ما من التوتر، يعلو ويهبط.. فأنا في حقيقة الأمر لا أرتاح كما يرتاح الناس!! في الأيام التي كنت ملتزمة فيه بعمل وظيفي يومي (وكنت معلمة للابتدائية) كان التوتر هو صاحبي وملازمي.. حتى أني كنت أسمع تعليقات مثل (لماذا أنت مستعجلة دائمًا؟).. كنت دائمًا مشتتة الذهن.. متوترة.. لا أقوى على التركيز..

انضممت إلى نادي رياضي لأخفف من توتري.. ولألزم نفسي بتخصيص وقت لنفسي فقط.. وكنت أعتبر ذلك من الأوليات برغم أنها ليست كذلك في نظر كثير من الناس.. لقد ساعدتني كثيرًا، وأصبحت أشعر أني جسمي يعمل بشكل أفضل من قبل.. ولكن ما زلت أعاني من توترات عنيفة أخفق في مواجهتها وتؤثر في حياتي كثيرًا..

لي أخ مقرب لي هو عكسي تمامًا أراه دائمًا هادئ البال، سكين النفس.. أصبحت أغبط الناس الذين يتمتعون بهذه الصفة.. وأسعى كثيرًا لأنال هذا السلام الداخلي الرائع..

أتساءل.. كيف أستطيع أن أكمل مشوار علمي وتعلمي وأنا بهذا الشكل؟! أظنني سأخسر الكثير! وكيف إن صار لي أولاد كيف أربيهم وأوجههم وأنا بهذا التوتر؟!

تساءلت يومًا هل من دواء يخفف ما بي؟ ولكني لا أحب الأدوية وأبتعد عنها ما استطعت، كما أني لا أريد دواءً يجعلني أسترخي كثيرًا.. فأنام!


هل هناك من نصائح تقدمونها لي لأتخلص مما أنا فيه؟!

وشكرًا جزيلا لكم.. وعذرا على الإطالة.

     
 

 
 
 
           
   

أهلا وسهلا بك وشكرا لكلماتك الطيبة التي افتتحت بها رسالتك لنا.

مشكلتك هي القلق والتوتر الذي يزداد حتى يصل الذروة عندما تكونين أمام عمل تثبين فيه نفسك وتميزك عن الآخرين, ولذا أحب أن أطمئنك أن القلق ضروري للإبداع ويمكن تشبيه هذا التوتر الذي يصيب المبدع قبل أي عمل مميز, بصعود السلم فكي نتحرك للأعلى تنقبض عضلات الساق وبمجرد أن نضعها على الدرجة التالية فإنها تسترخي ليعود التقلص والانقباض من جديد, فهذا يكفي ليكون دليلا على الحركة والصعود.

أين الخلل إذاً؟ الخلل يكون إذا استمرت حالة القلق أكثر من اللازم, كما هي بادية في حالتك, حتى لم يعد القلق مجرد حالة مؤقتة بل بدا أنه ملازم لشخصيتك وطباعك أكثر من أي صفة أخرى, خاصة مع طموحك إلى المثالية والكمال فهنا يجب أن تتعلمي الاسترخاء من جهة كما تتعودي على الأداء والإنجاز بشكل أقل من المطلوب للكمال من جهة أخرى.

الاسترخاء يمكن أن تتعودي عليه من خلال إنجاز العمل بتركيز أثناء العمل أما بمجرد انتهاء الوقت المحدد للعمل أو لجزء منه فيجب أن تلجئي لكل ما يمكن أن يبعدك عن هذا التركيز, وكان مثالك عن التمارين الرياضية جيدا, وكذلك يساعدك الانشغال بأنشطة أخرى تأخذك من العمل الموتّر, ولا أدري إن كان المتاح لك في مكان إقامتك الرياضة فقط, لأنه بالإمكان تعدد الأنشطة بين الرياضة والفنون المباحة, مثل الرسم والموسيقى ومتابعة البرامج التلفزيونية الهادفة والممتعة بنفس الوقت, وهذا كله يدخل ضمن المباح إذا كان وفق الشريعة المعتدلة الصالحة لكل زمان ومكان وليس وفق بعض المذاهب المتشددة التي تأخذ ببعض الآراء على أنها شرع لازم, لأنك حقيقة بحاجة إلى تنوع النشاطات كي تخرجي من حالتك التركيزية على أمر واحد, فيجب أن تتعلمي تقسيم وقتك وترويح نفسك فالرسول عليه الصلاة والسلام أوصى فقال:(روحوا القلوب ساعة فساعة فإنها إن كلت عميت) أو كما قال عليه الصلاة والسلام, وأدعوك هنا إلى الاطلاع على صفحة الفتوى في الموقع أو كتاب العلامة إبراهيم بن علي الوزير في كتابه القيم "على مشارف القرن الخامس عشر الهجري كي تطمئني إلى هذا الرأي.

في نفس الوقت الذي تتعلمي فيه الاسترخاء يجب أن تتعودي على التركيز في ما تفعلينه حتى لو كان نشاطا عاديا أو رياضيا, فخصصي لكل شيء وقتا واستغرقي كلية في العمل أو في النشاط, ويساعدك على هذا التركيز العبادة بأنواعها, ولكن يساعدك على الاسترخاء أن تتعلمي تمارين التنفس الاسترخائي, ومن الممكن أن تقومي بها بوضعية الجلوس أولا بأن تجري حركات التنفس بشكل واع لها وتركزي على الشهيق وفمك مغلق بينما تقومي بالزفير وفمك مفتوح, لمدة خمس دقائق كل يوم, وينصح الخبراء أيضا بتمارين الاسترخاء أثناء الاستلقاء فبدل أن تركزي على التنفس تركزي على عضو من أعضاء جسمك مثلا القدم وترخين عضلاتها حتى تصلي لمرحلة وكأنك لا تشعرين بها, ثم من القدم إلى الساق, ومن أسفل الجسم إلى أعلاه, وقد تكون صعبة أن تقومي بها بالبداية لوحدك لكن يمكنك التعود عليه مرة إثر مرة, إذ لا أعتقد أن مراكز الاسترخاء موجودة في البلد الذي تقيمين فيه اللهم إلا مراكز الدجل والشعوذة وما شابه.

كذلك فإن تواجدك في جو طبيعي وجلوسك مثلا أمام البحر كل أسبوع مرة أو أكثر إذا كنت في مدينة ساحلية أو أي مكان طبيعي جميل يخرجك مما أنت فيه, وإن كنت في المدينة المنورة أو مكة فإن زيارة أحد الحرمين واستغراقك في شهود جلال الكعبة المعظمة وجمال الروضة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام, كل ذلك يجب أن يأخذك من عنائك فيما تقومين به من عمل, فكل هذه الأمور يجب أن تغسل روحك من العناء وعقلك من الانشغال بحيث يشكل هذا الاسترخاء دافعا لك على الاستمرار بدل أن يقضي استغراقك في العمل على جماليات الحياة المتنوعة.

بالنسبة لالتهامك الطعام هو نوع من التعويض النفسي عن قلقك الداخلي, وقد يكون أحيانا دليلا على اكتئاب بسيط, فإذا بدأت بالعلاج الترويحي عن النفس من الآن فلا أعتقد أنك بحاجة إلى مراجعة طبيب نفسي, على عكس حالتك فيما لو زادت سوءاً حيث لا مناص من الطب النفسي والأدوية المزيلة للقلق والاكتئاب.

إسلام أنلاين 18/7/2007

   
   

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |