الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية)    إدارة العلاقات.. فنون ومهارات

 
     
 
 
 
 

إلى الأساتذة الأفاضل أسرة موقع إسلام أون لاين.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد..

أشكركم جزيل الشكر على موقعكم الرائع والمتميز الذي يضم جميع المجالات التي تهم كل فرد مسلم.. وقد أحسست من أسلوبكم ورغبتكم في حل المشكلات أن بإمكانكم أن تساعدوني لحل مشكلتي، فقد عرضتها على بعض صديقاتي ولم أجد حلا شافيا؛ لأنني لم أجد ذا اختصاص يساعدني، لذلك قررت أن أرسل إليكم مشكلتي.. وأرجو كل الرجاء أن تجدوا وقتا للرد عليّ.. ربما سأطيل عليكم بعض الشيء لكنني سأحاول الاختصار قدر المستطاع، وسأحاول عرضها في نقاط.

 أنا فتاة في المرحلة الثانوية، ولدت وترعرعت في البلد الخليجي الذي تقيم فيه عائلتي منذ زمن طويل، ولم أزر بلدي إلا مرتين في حياتي ومنذ عدة سنوات.. المشكلة الآن أنني لا أحس بالانتماء إلى جهة معينة، فبلدي لا أعرفه، وهنا في البلد الذي أقيم فيه يقوم أهل البلاد والدوائر الحكومية بالتفريق بين المواطنين والوافدين, وبعض طالبات المدرسة عندما تحدث مشكلة ينعتنني بالوافدة، رغم أنني تربيت هنا حتى إن لهجتي مثل لهجة أهل البلد، لكنهم عند حدوث مشكلة يستغلون هذه النقطة، خصوصا ضد الطالبة التي لا تكون على هواهن، أما (اللي تكون معهن في الشلة تكون مرتاحة) بغض النظر عن جنسيتها أو لهجتها، المهم أن تكون معهن في كل شيء.

أنا فتاة متدينة ومتفوقة؛ لذلك فأنا لا أنضم إليهن أبدا.. ولا أرضى عما يفعلنه لكنني لا أتعرض لهن أو أمنعهن، بالرغم من ذلك فإنهن لا يكففن عن مضايقتي طوال السنة، أنا وبعض الطالبات الأخريات المتفوقات، ويحاولن إيذاءنا بأية طريقة، على الرغم من أننا لا نشتكي الإزعاج والفوضى التي يتسببن بها في الحصة وفي الامتحانات.. ففي بعض الأحيان لا أستطيع حل الامتحان من شدة الإزعاج الذي يقمن به.

وعلى الرغم من ذلك فنحن نسكت ولا نشتكيهن، أما هن فيحاولن إيذاءنا وإحراجنا بأية طريقة، وفي بعض الأحيان إن لم يجدن شيئا يقمن (بتلفيق) تهم لنا كالغش وغيره.. هذا غير استهزائهن ولسانهن الطويل.

والمشكلة أنني من النوع الحساس ولا أتحمل أي كلمة.. صحيح أنني أريهن أنني (ولا على بالي)، وأتظاهر بعدم الاهتمام، لكن في المقابل أعود إلى البيت في شدة الغيظ والقهر وأشعر بأنني ضعيفة وأتمنى في بعض الأحيان أن لو كنت (وقحة ونذلة) لأنني أشعر بأن هذه النماذج هي التي تسير في الحياة بلا خوف من المشاكل.

والذي يزيدني غيظا أن سكوتي لا يعتبر صبرا ولا كظما للغيظ؛ لأن كظم الغيظ يعني أن تكون قادرا على إيذاء هذا الشخص ولكنك تتمالك أعصابك ولا تقوم بذلك لوجه الله.. لذلك فأنا لا آخذ الأجر ولا راحة البال.. وإن قلتم لي بإمكانك تقديم شكوى ضدهن أقول لكم لا؛ لأن الإدارة تعلم بذلك لكنها لا تستطيع السيطرة عليهن؛ لذلك تتجاهل الموضوع.. كما أنني لا أستطيع الذهاب للإدارة وأشتكي للمسئولة لأن هذا شأن شخصي، وكل شخص يجب أن يعرف كيف يدافع عن نفسه.

وقد جربت إحدى الطالبات أن تشتكيهن، وبالطبع علمن بالأمر فأرينها الويل من إهانات ومشاكل، بل وصل الأمر إلى قذفها بالأقلام في الحصص (وياريت بعد هذا كله لقينا نتيجة) بل على العكس لم يستمع إلينا أحد وأوقعت الإدارة هذه الطالبة في عدة مشاكل بدون أي فائدة.. والمشكلة أنهن يشكلن 75% من طالبات الصف.

أنا صبرت دون أي شكوى إلى نهاية العام الدراسي، وارتحت الآن، لكن هذا ترك في قلبي ونفسي جروحا كثيرة.. أحسست بأني ضعيفة وغير قادرة على المواجهة، واستغربت من تلك الفتاة كيف واجهتهن وتحملت المشكلات دون أي اهتمام إلى أن انتهت السنة.. عندما أراها أقول لنفسي لو كنت مكانها لجلست في البيت أو انتقلت من الصف.

الآن ارتحت منهن لكنني لم أرتح من مشكلتي فأنا أكره المشاكل.. وأخاف دائما أن يتطور الموضوع إلى ضرب، ففي بعض مدارس البلد حدثت مشكلة قامت قيها مجموعة من الطالبات بضرب طالبة ضربا مبرحا ترك على جسدها علامات وآثارا لا تزول وتشوه وجهها من أثر الجروح.

الآن شعرت بأنني لن أستطيع مواجهة مشاكل الحياة.. وبالرغم من أن الجميع يصفني بأنني قوية الشخصية فإنهم لا يعلمون أنني أصمت وأنا أحترق من داخلي.. فلو أنني أصمت عن قوة لما اهتممت، لكنني أشعر أنني أصمت عن ضعف.. هل سكوتي يعتبر ضعفا وتضييعا لحقوقي؟ وهل ستنتهي هذه المشاكل بنهاية الدراسة؟

أنا أستطيع مواجهة (صعاب الحياة) وليس (صعاب الناس)، فقد ابتلاني الله بأمراض عديدة وصبرت دون ضعف ومررت بظروف صعبة وأيضا صبرت، وكذلك واجهت أهلي برغبتي في لبس الحجاب الكامل ونفذت رغبتي رغم عدم اقتناعهم, لكنني لا أحتمل أن يهينني أحد أو يهزأ بي ولا أستطيع أن أرد.

إذا كان سكوتي ليس ضعفا فقل لي ذلك، فأنا مستعدة أن أصمت إذا اقتنعت بأن هذا هو أقوى المواقف، وإذا اقتنعت بأنني أؤجر عليه، لكنني أيضا رغم قدرتي على الصمت لا أستطيع أن أبعد الغيظ من قلبي.

وقد قرأت كتبا كثيرة وعلمت أن سعادة القلب تكمن في عدم الاهتمام، فكيف أستطيع أن أكون عديمة الاهتمام بمن يهزأ بي من داخل قلبي؟ والمشكلة أنني عندما أقرأ الكتب أجد نقاطا لا أستطيع تطبيقها، مثلا: كوني قوية العزيمة قوية الإرادة لا يهزك شيء.. لا أعرف كيف أطبق ذلك عمليا وأجعل قلبي من الداخل قويا لا يأبه بما حوله.. ويراودني شعور بأن الشخصية التي خلقني عليها ربي لا أستطيع أن أغيرها من الناحية النفسية، وخصوصا حساسيتي المفرطة بالنسبة لآراء الآخرين.

فأنا أريدكم أن توضحوا لي الفرق بين الحِلم والضعف، وهل إذا صبرت وسكت دون أي اهتمام من داخلي فإن سكوتي هذا يعتبر قوة؟!

وإن قلتم لي ردي عليهن، أقول لكم إن كلامهم غالبا ما يكون وقحا، وأنا لا أمتلك سرعة البديهة التي تمكنني من التفكير والرد بسرعة، لذا غالبا ما أرى أن السكوت والتظاهر بعدم سماعهن أصلا يكون أفضل، وأكرر أنا مستعدة أن أصبر وأسكت وأتحمل صعاب الحياة إذا علمت بأن هذه هي القوة وأنني أؤجر على ذلك.

كما أنني لست اجتماعية كثيرا ولا أندمج بسهولة مع الفتيات، وخصوصا إن لم يكن لهن حديث سوى الموضة والأزياء والمظهر.. فإنني في هذه الحالة أنفر منهن، ربما لأنني لا أهتم أو أتابع الموضة كثيرا ولا أعرف أسماء المغنين والمغنيات والممثلين والممثلات، لكنني أهتم بمظهري وأحب أن أكون بسيطة وأنيقة بدون أن يكون هذا شغلي الشاغل.. وربما لأن بعضهن يتحدثن عن آخر المشاكل التي قمن بها، فأقول لنفسي ليتني كنت (مشكلجية.. كنت ارتحت في حياتي).

أكثر ما أحب الجلوس في البيت لقراءة الكتب، ولا أحب الخروج منه إلا إلى مكان طبيعي وهادئ وبعيد عن الضوضاء والزحمة، كما أنني أشعر أن البيت هو مملكتي الصغيرة التي أحب الجلوس فيها.. أكره الأعراس والحفلات الصاخبة والأماكن المزدحمة أو المختلطة.

ومشكلتي الأخيرة أنني أشعر أنني (خوّافة) لكل الأسباب السابقة، ولكرهي المشاكل، وأيضا لأنني أخاف الخروج للسوق وحدي ويستحيل أن أركب سيارة أجرة وحدي.. كما أنني أرتجف خوفا إذا عاكسني أحد الشباب في الشارع وأسارع بالعودة للمنزل، علما بأنني لا أرد عليه أبدا وأتظاهر بعدم سماعي له.

أحس أن كل هذه المشكلات ستعيق حياتي المستقبلية، حيث إنني لن أتمكن من دخول جامعة بسكن داخلي إذا ظللت على هذه الحال، ولن أتمكن من الاستمرار في وظيفتي، علما بأنني إنسانة طموحة أحب القراءة والعلم والثقافة والدين وأطمح للنجاح في كل المجالات.. وأتمنى أن أعمل في وظيفة أكون فيها سيدة نفسي.

وأخيرا.. أرجو أن توضحوا لي معنى الكفاح، وكيف يكون في المجتمع المدرسي والجامعي والوظيفي، هل بالمشاكل أم بالسكوت والتحمل والصبر؟ وكيف تربطون هذا بحديث (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)؟ كيف يكون الضعف وكيف تكون القوة؟

أريد أن أعرف كيف يكون هذا في مختلف مجالات الحياة؟ فمثلا لو ذهبت إلى السينما - أنا لا أذهب إلى السينما لكنني دائما أسمع بهذا الموقف - وكنت تود مشاهدة الفيلم لكن هناك شخصا وقحا يتحدث في (الموبايل) بجانبك ماذا يتوجب أن أفعل في هذه الحال.. هل أصبر وأسكت أم أبدأ مشكلة فورا؟ وإذا نصحته ولكنه رغم ذلك عاند وأصبح يتحدث بصوت أعلى عنادا فما الذي يتوجب عليّ فعله في هذه الحالة؟

أعلم بأنني أطلت عليكم جدا جدا.. واعذروني لهذا.. وقد تكون مشكلتي تافهة في نظركم، لكنها تؤرقني وتنغص علي حياتي.. و أرجو أن تتفهموا هذا و أن تحاولوا مساعدتي.

ورجائي الأخير هو أن لا تقترحوا علي الذهاب إلى طبيب نفسي فإن هذا سيزيدني سوءا كما أنه احتمال غير وارد أبدا.. مع تحياتي.

     
 

 
 
 
           
   

أهلا وسهلا بك وأحييك على عرضك مشكلتك علينا فقد يخطر في بالك – أو بال من يشترك معك بها وهم كثر – أنها مشكلة سهلة, أما رأيي فهو أنها مشكلة حياة, وليست تافهة كما ظننت أننا قد نراها, بل تأكدي أننا نأخذ على عاتق الجدية والاهتمام كل مشكلة نشعر أنها تؤرق السائل وتنغص حياته.

لذا فإن مشكلتك تستحق منا تحليلا واهتماما خاصا, وكونها متشعبة فإن من الأسهل أن نقوم بتقسيمها إلى ما يلي: (علما بأنه هو تقسيم مجازي لأنها أصلا متشابكة كما هو حال كل المشكلات المشابهة التي تشتبك فيها النفس مع المجتمع)

مشكلتك مع زميلاتك المشاكسات, ومشكلتك مع نفسك من حيث الحساسية والشعور بالضعف, ومشكلتك مع محيطك الاجتماعي بالانعزال والخوف من أماكن الازدحام وما شابه, يتبع ذلك خوفك من الفشل في المستقبل رغم أنك إنسانة طموحة وجادة.

أولا: مشكلتك مع زميلاتك المشاكسات:

بدأتِ رسالتك بعبارة هامة تدل على أن مشكلتك مشكلة عامة بالنسبة للعرب المقيمين في البلدان الخليجية, إذ ينظر إليهم على أنهم أقل من المواطنين الأصليين, وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن مجتمعاتنا قبلية عنصرية بشكل عام, وهذه المشكلة العامة أساسها سياسي وإن كانت تظاهراتها اجتماعية, ولكن لا يُسأل عنها دول الخليج فقط بل غيرها من الدول العربية التي ألجأت أهلها إلى الهجرة والبحث عن أسباب الرزق, وهذه المشكلة لا تقع ضمن قدراتنا على الحل عبر هذه الصفحة, وإنما هي مسؤوليات جمعيات حقوق الإنسان التي يجب أن تقوم بدورها في رفض التمييز العنصري بين المواطن والمقيم, وإن كانت المشكلة في البلد الذي تقيمين فيها أقل ظهورا من بعض البلاد الخليجية الأخرى, فتذكري أن بعض الشر أهون من بعض؛ وفي بعض البلاد لا يمكن أن تجدي وافداً لديه إمكانيات مادية إلا ويضع أولاده وبناته في مدارس أهلية أو خاصة أو عالمية كي لا يجعله عرضة لهذا التمييز, ولا تنسي أن التمييز موجود بين قبيلة وقبيلة وكذلك التعصب بين الخليجي الأصلي والخليجي المستوطن أي الذي كسب الجنسية, وفي بلاد أخرى يجري التفريق بين الخليجي العربي والخليجي الأعجمي الذي حاز على التابعية منذ ألف سنة, وهكذا إلى ما لا نهاية, فهذه عقلية القبيلة والجنسية تشكل هاجسا عربيا أصيلا, دون أن يعني ذلك تميز البلاد الغربية وترفعها عن ذلك, فالحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه, أصبح العربي الذي يسوم أخاه العربي أنواع التمييز في بلده لأنه لا ينتمي إلى قبيلته أو عائلته أو عشيرته أو جنسيته, أصبح هو عرضة للتمييز في البلاد العربية, وهكذا فإن فوق كل قوي من هو أقوى منه, ولا أقول ذلك شماتة, ولكن لعل العرب يتعظون وينبذون ما نبذه الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ويكفي قول الرسول عليه الصلاة والسلام:(كلكم لآدم وآدم من تراب) (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى).

أما ما يقع تحت مسؤولية المقيمين فهي تغيير النظرة للمقيم من خلال تغييره لنظرته إلى نفسه, وبهذه العبارة أنا أضع يدي على موطن الداء يا عزيزتي, لأن نظرة الناس إليك تنبع من نظرتك أنت إلى نفسك, فإن كنت واثقة من نفسك, فلن تهمك نظرة الآخرين لك, والدليل على كلامي أستمده من كلامك أنت عن صديقتك التي لم تأبه لتصرفات زميلاتكما المشاكسات, بل قامت بالشكوى, وهي هنا قامت بتغيير المنكر باللسان بينما أنت قمت بتغييره بقلبك, ولو اشتركت أنت وهي في نفس الوقت مع غيركما من البنات المهذبات المتفوقات ورفعتن شكوى جماعية, لكان لها تأثيراً أكبر من حيث لفت انتباه الإدارة إلى أنها ليست مشكلة فردية, بل مشكلة عامة بالنسبة للبنات المتفوقات, سواء كن مواطنات أو وافدات.

ولقد ذكرت أن هذا التحيز ضد الوافدة يقل عندما تنضم إلى فريقهن المشاكس, وقد أحسنت عندما لم تفعلي ذلك, لكن صمتك كان سلبيا, والساكت عن الحق شيطان أخرس, وكان يجب أن تدعمي صديقتك أمام الإدارة خاصة وأن مشكلتك هي مشكلتها, وعلى الأقل لو أنك طالبت معها بحقك بمشاركة بعض الزميلات الأخريات فمعنى ذلك أنك بينت حقك وحق غيرك, ولن تكوني مسؤولة إذا تطور الوضع بعدها لأنها مسؤولية الإدارة الفاشلة التي لم تستطع وضع حد لتلكم الفتيات المشاكسات.

الآن لديك عطلة صيفية تزيد على الشهرين, يجب أن تمرني نفسك على المواجهة, فمشكلتك ليست مدرسية بالأساس لكنها نفسية, ولست بحاجة إلى طبيب نفسي, فأنت ذات عقل رشيد بدا واضحاً من كتابتك ولديك وعي فريد  - بالنسبة لعمرك - بمشكلتك, وهذه النعم التي منحك الله إياها يجب أن تستفيدي منها لأقصى حد كي تطوري شخصيتك, وتقولي لنفسك: لا خوف بعد اليوم.. أنا قوية بإيماني بالله وثقتي بنفسي, ويجب أن تعملي بهذين الاتجاهين: تقوية علاقتك بالله وتقوية ثقتك بنفسك.

ثانيا: نأتي إلى مشكلتك مع نفسك والتي هي أساس المشكلة, فلا يبرر لك أنك لست من أهل البلد عدم خروجك, فيبدو أن أهلك ليسوا بنفس مستواك في الانعزال, لذلك يجب أن تبدئي بمشاركة أهلك بالخروج, ولا داعي لأن تخرجي وحدك كي لا تتعرضي لمعاكسة أو لمضايقة من شاب أو سائق تكسي, وهذا يمكنك إنجازه كخطوة تالية أو مع بلوغك المرحلة الجامعية, لأنه ليس من المعتاد في البلاد الخليجية أن تقوم فتاة بسنك ومحتجبة حجابا كاملا بالخروج وحيدة, إذ قد يفسر هذا الخروج بمعاني سيئة, وإن كنت أود تنبيهك إلى عبارة الحجاب الكامل التي وردت في رسالتك بأنه إذا كان المقصود به الاحتجاب من عيون الفضوليين والغرباء فهو ليس مفروضا على المرأة أن تغطي وجهها, وإنما هم الذين يأثمون عند التحديق بها, لأن لباس المرأة يجب أن يعرّف بشخصيتها مع ستر مفاتنها الجسدية وتغطية شعرها, أما الوجه فلا داعي له خاصة في البلد الذي تقيمين فيه.

ثالثاً: مشكلتك في الانعزال تستطيعين أن تحليها إذا حللت مشكلتك مع نفسك, فإذا فعلت ما نصحتك به فمعنى ذلك أنه يجب أن تنخرطي في حياة اجتماعية ملائمة لعمرك, وإن كنت أحييك على تمسكك بالقراءة, لكن أذكرك بحديث الرسول عليه الصلاة والسلام:(المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم), وقول الشافعي رحمه الله:(الانقباض عن الناس مكسبة لعداوتهم, والانبساط إليهم مجلبة لأصدقاء السوء فكن بين المنقبض والمنبسط).

يتحمّل أهلك – ربما- بعض الوزر هنا في اتصافك بالانعزال ولعل ذلك ناجم عن رغبتهم في حمايتك, لذلك يجب أن تقومي أنت بدور كبير في هذا المنحى وقد تخطئين في البداية وقد تتفوهين بكلام غير مناسب دائما, لكنك صغيرة ومن الأفضل أن تتعلمي الآن حيث يسامح الناس المراهق على أخطائه بدل أن تصبحي كبيرة وعندها سيؤخذ عليك الكثير من الأخطاء.

أذكرك أن الحياة مجهول ويجب أن نخترقه قبل أن يخترقنا, فيجب أن تكتسبي صفة الشجاعة والجرأة والمواجهة, ومرة بعد مرة ستتغلبين على طباعك في الخوف والانعزال وتتعلمين كيف تصبرين على تفاهات الناس وأفكارهم السخيفة, وما أجمل قول فولتير:(إنه انتصار للعقل أن يستطيع التعايش مع من لا عقل لهم), ولكن لا تفهمي من كلامه أن تكوني ذات أسلوب متعال على أصحاب الأفكار التافهة, فكل صاحب فكرة يرى أن فكرته هي ابنة شرعية لعقله الذي رضي به.

رابعاً: خوفك من المستقبل وارد لكن باستطاعتك أن تحوّليه إلى هباء عندما تصممي على التغلب على نقاط الضعف في شخصيتك, ومن الجيد أنك تظهرين ثقة بنفسك, وقدرتك على إقناع أهلك بأمر ما يجب أن يمتد ليمنحك الثقة بالنفس أمام الناس, وتقبلك لنفسك هو أول مؤشر في منحى الثقة, ولا يعني التقبل عدم القدرة على التغيير, بل يعني الرفق بالنفس ومحبتها, فإنك إن أحببت نفسك جيدا استطعت أن تحبي كل من حولك, وإن سامحت نفسك على أخطائها استطعت أن تسامحي الجميع, وهذا التسامح مع النفس والغير هو الذي يجب أن يصبح ديدنك وهو الذي يجعلك قوية.

بعد الخوض بتفاصيل مشكلتك دعيني ألملم الحل قليلا كي يسهل عليك تلمس الخطوات المناسبة للخروج إلى حياة أفضل تستحقينها بالتأكيد, فبالنسبة لمشكلتك مع زميلاتك, لنفرض أنك عملت بجد على تطوير نفسك هذا الصيف وتعوّدت أن تخرجي من بيتك لتتقبلي الأجواء المختلفة بما فيها من أفراح وأسواق وتشاركي الناس شيئاً من الأمور التي لا تهمك شخصيا, أسوة بالرسول عليه الصلاة والسلام, فهو الذي كان مشغولا بالدعوة والجهاد لم يمتنع عن تلبية دعوة ولا مباركة في مناسبة عرس أو فرح, وكتب السنة الصحيحة حافلة بذلك, وقد أمرنا الله سبحانه أن نتخذ من الرسول عليه الصلاة والسلام قدوة, فأذكرك أنه كان يلقى الناس هاشاً باشاً حتى يظن جليسه أنه أكرم الناس عليه, ولا يدع يده من يد الذي صافحه حتى يكون الآخر هو الذي يدعها, وكثير من الصفات التي أدعوك إلى التبحر فيها بقراءة سيرته العطرة وأحاديثه الشريفة, ومنها حديثه عليه الصلاة والسلام عن أمر ربه له بأن: (أعفو عمن ظلمني وأصل من قطعني).

ومما أذكرك به قوله عليه الصلاة والسلام هو:(لا يكن أحدكم إمعة: إن أحسن الناس أحسنتم وإن أساؤوا أساءتم, ولكن وطنّوا أنفسكم) وفي رواية أخرى:(ولكن إن أحسنوا أن تحسنوا وإن أساؤوا ألا تظلموا), أو كما قال عليه الصلاة والسلام, فمع زميلاتك يجب ألا تنضمي إلى حزبهم لتكوني مسيئة مثلهم, لكن عامليهم بالدفع بالحسنى كما قال الله تعالى:(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم).

قلت لنفرض أنك تعودت على لقاء الناس كبيرهم وصغيرهم وإبداء الفرح بهم, فتبقى زميلاتك أحق الناس بذلك, لذكره تعالى فيمن يجب أن نبرهم ونحسن إليهم فئة تنضوي تحت:(والصاحب بالجنب) فأول ما تبدئي به بينك وبين نفسك أن تسامحيهن على أخطائهن السابقة معك, وتذكري أنهن نتيجة تربية خاطئة, وهذه أول الخطوات نحو تطبيقك لقوله تعالى:(ادفع بالتي هي أحسن) ثم حاولي ألا تفسحي لهم المجال لأخطاء جديدة, وذلك بأن تبدئيهن من بداية العام بالمعروف وذلك بإفشاء السلام وتبادل الحوار الجميل وإشعارهن بأنك تهتمين بما يهتممن به, وهذا ما لا عيب فيه بل لا بد له للمؤمن كي يكون إلفا مألوفا, فكيف يمكنك أن تفتحي معهن حوارا دون أن تظهري اهتمامك ببعض ما يتناقشن فيه حتى لو كان في نظرك سخيفا؟

لا أحد يطلب منك متابعة المسلسلات والأفلام أو حفظ أسماء الممثلين والممثلات, لكن ما المانع أن تخصصي وقتا للبرامج الهادفة والتي هي موجهة للفتيات في مثل سنك؟ على سبيل المثال قناة الشارقة فيها برامج مفيدة وكذلك قناة mbc4  هي موجهة للمرأة والفتاة بشكل خاص, ومع أن فيها الكثير من الغثاء, لكني أنصح الفتيات بمتابعة بعض برامجها الجيدة كي لا يكن في غيبوبة عما يحدث في العالم, والمهم أن تكوني يقظة الفكر سليمة الفطرة لتميزي بين الخبيث والطيب, وكل هذا كي تستفيدي في التعامل منه مع صديقاتك, والبارحة كان برنامج أوبرا وينفري يستعرض طرق التسامح مع المخطئين لدرجة أنها استضافت امرأة حاول قتلها مراهقين اثنين, وأدت هذه المحاولة إلى شلل نصفها الأيمن, وتغيير حياتها بالكامل, لكنها سامحت هذين المجرمين الصغيرين لأنها تريد أن تكمل حياتها بدون شعور بالغل والحقد عليهما يملأ قلبها ويعكر مزاجها, وعلى هذا فإن التسامح هو القوة التي تجعلنا نبدأ من جديد رغم كل ما نتعرض له من أخطاء.

قد يبدو لك بعض التناقض بين كلامي السابق حول وجوب انضمامك لصديقتك التي اشتكت زميلاتك وبين كلامي الأخير عن التسامح, والحقيقة أنه لا يوجد تناقض, لأنه من الأفضل أن تتبني أنت وهي ومثيلاتكما مواقف مشتركة لأن الجماعة أقوى, فإذا استطعت أن تجذبيها لتكوّني معها حزب التسامح – دون أن تعلنا عن اسمه بهذا الشكل في المدرسة كي لا تجلبا مزيدا من السخرية والعداوة – فهذا جيد, وهنا يمكنكما تبادل الخبرات بحيث تأخذي منها – مثلا - بعض القوة الناجمة عن نقص حساسيتها عنك وتأخذ هي منك بعض القوة في قدرتك على التسامح, وهكذا تصبحان أنتما معا أقوى, وهذا يذكرني بموقف الكسيح والأعمى اللذين اتفقا على أن يحمل الثاني الأول وبهذا يسير الكسيح برجلي الأعمى بينما يرى الثاني بعيني الأول, وعلى كل حال فتذكري أن بإمكان الإنسان أن يتسامح في حقه الشخصي لكن يجب أن يكون أسداً في حقوق الجماعة فلا يقبل المهادنة بها, وهنا يجب أن تتفقي أنت وصديقتك على كسب بعض الفتيات الأقل عداوة ومشاكسة, فقد تستطيعان جذب بعض الفتيات اللواتي يتبعن الأساليب الملتوية للسيطرة دون اقتناع بهذه الأساليب, وإنما لمجرد الاتباع وخشية أن تصبح إحداهن بدون صديقات, فلا مانع أن تبدئي أنت وصديقتك بالاقتراب من هؤلاء الفتيات أولا, وشيئا فشيئا يمكن أن تكبر دائرة المتعاونات معكن بالصبر والحكمة والمرونة.

قد لا تكون صاحبتك مهيأة لتبني نفس موقفك من التسامح, فيجب أن تصري عليه أنت شخصيا, لكن من الأفضل أن تبدئي حياة جديدة في العام المقبل – وقد يمكنك ذلك صيفا إذا كنت تعرفين عناوين بعضهن - بحيث تهتمي بزميلاتك المشاكسات وتحاولي أن تساعديهن في الدراسة, فهن غالبا يلجأن لهذه الأساليب للفت الانتباه الناجم عن شعورهن بالنقص, فعليك أن تدعمي من ثقتهن بأنفسهن عبر تشجيعهن ليكن متفوقات, وعاهدي من ترغب بمساعدتك لها أن تعملي معها حتى تحسن مستواها, وأصارحك أنها كانت طريقتي منذ البداية مع صديقات الطفولة والمراهقة بكسب ودهن بمساعدتهن في دراستهن, وهي خطة جيدة بتحويل العداوة إلى صداقة وليس مجرد زمالة, والمهم ألا يؤثر ذلك على مستواك الدراسي.

يبقى سؤالك كيف تتصرفين مع الوقحين في السينما أو غيره, فلا أرخّص لك في عمرك الصغير نسبيا أن تكوني مُصلحة اجتماعية في كل مكان, فالبدايات المتدرجة أفضل, وعندما تصبحين أقوى ستتعودين على أن تصري على حقك, وكذلك ستتعلمين كيف تعطين بعض الدروس في التربية لمن لم يتعاهده أهله بالتربية, ولكن ذلك يحتاج لتوطين نفس على المشاق وقد قال الله سبحانه:(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).

أخيرا أوصيك ونفسي بتقوى الله وخشيته في السر والعلن وعندما تشعرين بمعية الله فسيهون عليك كل أحد. وفقك الله وتابعينا بأخبارك ولا تنسنا من دعائك.

وأدعوك لقراءة بعض الارتباطات

عندما تتحدث الورود عن نفسها

فن التعامل مع من لا تطيقهم

إسلام أنلاين 12/7/2007 

   
   

 

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا