|
|
|
تحياتي لك وبوركت على هذا الأٍسلوب وعلى هذه الشجاعة في
المواجهة مع النفس, فلا تعتقدي أنك بكتابتك إلينا فعلت شيئا
غير ذي بال, فأول المواجهة هي في كتابة المشكلة وقراءتها مرات
ومرات, ففي هذا إخراجها من حيز داخلي إلى فراغ أوسع, لكن تأكدي
يا ابنتي أنه ليس فراغا عاديا, بل إني شخصيا أنتظر مثل رسالتك
ليقرأها رواد هذه الصفحة.. نعم.. كما تقولين تماما: ليستطيعوا
أن ينقذوا طفلا من أباه!
أما أن أحدا لن يصدقك هنا, فصدقيني إن قلت أني أول من يصدقك,
ولكن لا تظني أنك الأولى التي يعتدي عليها والدها ... فأرجو
بداية أن تعرجي على هذه الاستشارة في موقعي لتقرئيها:
أبغض
والدي الشاذ .. التسامح خير علاج
أنا معك أنني إلى الآن لا أعتقد بأن ما تم تداوله على هذه
الصفحة يكفي ليعالج آثام التحرش الجنسي, وذلك ربما ليس لتقصير
من الصفحة أو مستشاريها, بل لأن هذه الحالة تحتاج لمواجهة
اجتماعية ترفض مجتمعاتنا العربية الاعتراف بها, ويجب القول أن
الشعور بأنك طفلة مدنسة ليس شعورا عاديا, بل هو نتيجة لما عبرت
عنه بقولك: أبحث عن طريقة للعيش في عالم يظلم ويحاسب المظلوم..
ولا أعتقد أن التحرش الجنسي له نفس التأثيرات على جميع
الفتيات, بل إنه يختلف باختلاف الحساسية التي أودعها الله في
نفس كل واحدة منهن, لكنه يختلف أكثر بحسب صلة المتحرش بالمتحرش
بها, فلو صدرت من الأخ تجاه أخته الطفلة مثلا لكانت جريمة بشعة
جدا, لكنها أبشع بالتأكيد عندما تصدر عن الأب تجاه ابنته كما
هي في حالتك, إذ يتفاقم الشعور بكره النفس واحتقارها الذي
يلتبس المتحرَّش بها ليصل إلى الإحساس بسقوط المثل الأعلى
للطفل أو الطفلة والذي يتمثل بأحد الوالدين, وهو – كما في
حالتك - سقوط مع ضجة مفزعة كانت تجول في أرجاء نفس الطفلة التي
هي أنت دون أن يسمع تلك الجلبة المخيفة أحد سواها, مما يجعل
حالتها أقرب إلى الاهتزاز والجنون البطيء, فليس أصعب على
العاقل الناضج أن ينتبه لخطر لا ينتبه له أحد سواه, فكيف إذا
كان هذا الخطر ينهش روح طفلة دون أن تستطيع له إدراكا ودون أن
تملك له تفسيرا؟! وأنا لا أهوّل الأمر عليك, بل أعمل معك على
إيقاظ بعض النائمين الذين يريدون أن يخففوا إثم فعل التحرش
بالطفلات بحجة أن بعضهن تخطين المشكلة, ولكنها في الحقيقة
مشكلة عميقة جدا فالجروح النفسية في الطفولة يستحيل شفاؤها دون
أن تترك ندبة مشوهة.
دعيني أكرر إعجابي مرات مرات بأسلوبك وقوة السلاح الذي كتبت به
إلينا, ألا وهو قلمك الذي عبر أصدق تعبير عما لم أسمعه من قبل,
رغم أني قرأت مثلك الكثير من رسائل من يلجئن إلينا لنفس سبب
التحرش الجنسي, وربما كان من الواجب دائما إرسال رسالة الأنثى
المتحرش بها إلى مستشارة وليس مستشار, لأنه لا يعرف أحدا ما
تعانيه الأنثى الذي وقع عليها التحرش إلا أنثى مثلها لديها نفس
التجربة, أو لديها قوة تخيلية تستطيع أن تضعها في موضع تلك
المستغيثة.
من قال أنه لا يوجد حل لمشكلتك؟ صدقيني لو كان أسلوبك يدل على
ضعف في شخصيتك لقلت لك ابحثي عن طبيب نفسي أو خبير نفسي يساعدك
وجها لوجه, لكن يشهد الله على قوة تأثيرك علي, وأنا التي شاب
شعرها باكرا لكثرة ما رأت في حياتها من مشكلات, وإذا كنت تظنين
أني لست خبيرة كفاية بالتحرش الجنسي فأرجو أن تعودي إلى بحثي
الكامل في كتابي
ألف باء
الحب والجنس
حول وقاية الناشئين من التحرش الجنسي, حيث تناولت باستفاضة
التأثيرات النفسية القريبة والبعيدة للتحرش, وبما أن المتحرش
بك هو والدك وأخوك وعمك, فأذكر أني ترجمت جملة من موقع أمريكي
خاص بعلاج التحرش واسمه
stop it now,
ومفادها أن على الناس أن يحذروا من الجرائم التي تحدث تحت سقوف
بيوتهم, وأن ينتبهوا للوحوش الذين يحومون حول حدائقهم, ويصيدون
متعتهم من الأطفال القريبين لهم, فأرجوك ابنتي ارجعي إلى هذا
الكتاب الذي يمكنك شراؤه من المكتبات في بلدك أو تنزيل نسخة
الكترونية من موقعي, واقرئي هذا الفصل بكامله فأول العلاج
لحالتك هو العلاج المعرفي.
ولا تظني أني فقط ترجمت دون أن يكون لي صلة بالتحرش واقعيا, بل
أحيلك إلى هذه المقالة التي تصور وحشا كأبيك, وهي بعنوان:
رجال:
إما وحوش أو أطفال؟
حيث مررت بذكر الوحوش المتحرشين بالنساء المحارم دون الاستفاضة
في ذلك لحساسية الموضوع الذي كان يجب أن ينشر في مجلة عربية,
والحالة التي كنت أشير إليها حالة فتاة كان أخوها ووالدها
يتعاملان معها جنسيا منذ كانت في الثامنة وحتى سن الثامنة
عشرة, فبعض المصائب أهون من بعض يا ابنتي!
أما بقية هذا العلاج فهي أن تعلمي أن ما وقع عليك من سوء كان
بأمر الله وإرادته, وعلى صعوبة الأمر فإن من الإيمان الذي
يساعد على الشفاء النفسي هو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره
من الله سبحانه وتعالى, وأنه ما ابتلاك بهذا البلاء إلا كي
تكون بلسما يعالج غيره, فأنت باستطاعتك الآن أن تنضمي إلى
المساهمين لإيقاف هذا الاعتداء الجنسي على الأطفال, وجمعية
حقوق الإنسان في بلدك تقوم بعمل رائع في هذا الصدد, وإن كان
غير كاف بسبب كثرة الحالات, ومنها حالة لا أنساها هي حالة أم
مطلقة ولديها ثلاث بنات كانت ممنوعة من حضانتهن وحتى رؤيتهن,
فكان أبوهن يسيء استعمالهن جنسيا, لدرجة أنه فتك بعذريتهن
واحدة تلو الأخرى, وعندما علمت الأم بذلك قامت برفع دعوى عليه
واستطاعت أن تودعه في السجن مؤقتا, لأن القاضي لم يتجاوب معها
بشكل كاف, ولما قابلتها أعطيتها رقم إحدى النساء النشيطات في
حقوق الإنسان, فقامت بمساعدتها واستطاعت أن تكوّن رأيا عاما
تجاوب مع قضيتها – مع الستر على شخصيتها - وساهم بإلقاء الضوء
على معاناة مشابهة لكثيرات, وقد سمعت صوت إحدى بناتها في حلقة
(حوار من الداخل) على قناة العين, وصحيح أن المعالجات
الإعلامية غير كافية بعد, لكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة.
يجب أن تساهمي أولا في إنقاذ نفسك من هذه العائلة سواء كان
والدك – الطبيب الخالي من الإنسانية والعقل والرحمة – نسي أو
لم ينس, فلا عليك به, بل يجب أن تتخلصي من تذكر الماضي عبر
آليات التسامح التي ذكرتها للفتاة في أول استشارة وضعتها لك,
وأرجو أن تتمكني من قراءة كتابة التسامح الذي يمكنك تنزيله من
موقعي أيضا وهو موجود على الصفحة الرئيسية, وليكن سلاحك
الإيمان والعقل معا كي تتخلصي من ذكريات الماضي, فلست مسؤولة
عما حدث, لذلك تكون البداية بالتسامح مع النفس, ورغم صعوبة
تسامحك مع والدك لكني أريدك أن تعملي على ذلك, خاصة أن في هذا
التسامح مصلحتك كي تستطيعي بدء حياتك من جديد, فصاحبة
الاستشارة المشار إليها تزوجت وبنت أسرة بعيدا عن والدها,
فكوّني مستقبلك بنفسك بواسطة الدراسة والتفوق, ولا أنصحك
بالزواج إلا إذا شفيت تماما من آثار الماضي, وهذا ليس صعبا إن
ملكت الإرادة, ثم إذا تقدم لك شاب جيد ومن أسرة مناسبة
فارتبطي به, واعملي على الاستفادة من تجربتك بحماية أولادك
وبناتك من التحرش الجنسي وإن استطعت أن تفعلي شيئا للمجتمع
الذي تعيشين فيه من أجل إيقاف هذه الجريمة فلا تترددي, وأدعوك
لقراءة بعض المقالات التي كتبتها في هذا الصدد:
أولادنا
أكبادنا.. من يربيهم؟ ومن يحميهم؟
المثلية
الجنسية بين التحرش والشذوذ
الوجه
الآخر لإرهاب المجتمع (1)
الوجه
الآخر لإرهاب المجتمع (2)
وكذلك للاطلاع على المشكلة الأولى في صفحة
ردود
الخدمة التفاعلية 31
على موقعي راجية أن أسمع قريبا أخبارك الطيبة وبدؤك بحياة
جديدة تستفيدين فيها من خبرات الماضي الأليمة دون أن تعوقك
للوصول إلى مستقبل أفضل.
إسلام أنلاين
21/6/2007 |
|
|