|
|
|
أبدأ من نهاية رسالتك حيث تسأل: هل هناك مشكلات مدراء وقيادات
في العالم العربي؟ أم أن الموظفون حساسون تجاه ما يواجهونهم من
مدرائهم؟ لأجيب بأنه في كل العالم يوجد مشكلات بين المدراء
والموظفين, ولذلك هناك شركات تقوم بعمل دورات وطباعة كتب
للتدريب على الإدارة وكذلك لتدريب الموظفين على كيفية التعامل
مع المدراء, وقد أصبحت هذه الدورات وتلك الكتب تشكل سوقا شديدة
الرواج في كل العالم.
لكن ما لا يوجد في العالم كله إلا عندنا فهو الشروخ القائمة
بين فئات المجتمع على اختلاف أنواعها, وذلك كله بسبب ثقافة
الاستبداد التي تطبع المجتمعات العربية من القمة للقاعدة,
وبالعكس, فالاستبداد ليس فقط في السياسة والحكم, بل هو في
الإدارة والعمل, وهو في البيت والمدرسة والجامعة, ويكفي دليلا
على الوضع الاستبدادي هذا تقرير أعدته إحدى القنوات الفضائية -
بشكل حيادي تقريباً- عن جمعيات حقوق الإنسان في بعض الدول
العربية التي تتباهى بوجود هذه الجمعيات فيها مقارنة بسواها
من البلاد العربية الأكثر سوءاً, فإذا بهذه الجمعيات تغرق هي
في خضم يم الاستبداد بدل أن تعمل على تحرير الناس من نيره,
فبدل أن تنقذ غيرها أصبحت بحاجة إلى من ينقذها.
لذلك يجب أن نعمل على الخروج من هذه الثقافة كل ما وسعنا ذلك,
ويمكنني أن أكتب بصيغة عامة – حيث أن مشكلتك ليست خاصة - أنه
من واجب الإنسان أن يسعى ليكون مستقلا حرا ما استطاع إلى ذلك
سبيلا, وأنت وغيرك من الموظفين تضطر إلى السكوت على ما تراه من
ضيم بسبب حاجتك للقمة العيش, فالعمل يبدأ برأيي بالتقليل من
الحاجات قدر الإمكان ونبذ الكماليات, وذلك من أجل تأمين ما
يمكّنك مستقبلا من الاعتماد على نفسك بعيدا عن الوظيفة التي
تستعبد الموظف لمصلحة المدير, دون أن تهمل في نفس الوقت العمل
على تأدية واجباتك كاملة مخلصا لله سبحانه كي تجعل راتبك
حلالا, وفي الحديث الشريف نصيحة للعامة إذا استبد أمراءهم
ويمكن تعميمها على كل مكان:(أدّوا الحق الذي عليكم واسألوا
الله الذي لكم).
من المفيد أيضا أن تكون الروابط في العمل قوية بين الموظفين
ففي الاتحاد قوة, إذ يمكن بكلمة الجماعة أن يتم إيقاف استبداد
المدير, لكن لنكن صريحين وواقعيين فنقول: إن الذي يحدث غير
هذا, فكل واحد يخاف على لقمة عيشه, فيعمل على "تمسيح الجوخ"
للمدير وتقديم فروض الولاء والطاعة, وليس عيبا أن تكون الكلمة
الطيبة هي ديدننا مع مدرائنا, فالله سبحانه وتعالى أوصى موسى
وهارون عندما أرسلهما إلى فرعون فقال:(فقولا له قولا لينا لعله
يتذكر أو يخشى) لكن العيب أن نعوّده على طأطأة الرؤوس وتقبيل
الأيدي وحمل الأحذية, وهذا لا أقوله من فراغ بل رأيته بأم عيني
في عملي, عندما سلم أحد الزملاء على المدير فانحنى على يده
وكأنه يقبلها, وقد عاتبته على ذلك لأن من يراه من بعيد يظنه
يقبل يد المدير حقيقة, ولا أدري إن وجد عتبي موضعا لديه ولكن
لم ألاحظ أنه فعل ذلك مرة أخرى.
للأسف فإن البلاد العربية تخلصت من الإقطاع ولكنها تحولت إلى
إقطاعية كبيرة للحاكم وعائلته, ورضي الله عن علي بن أبي طالب
عندما قال:(الناس بأمرائهم أشبه منهم بآبائهم), لذلك فلا عجب
أن تكون الشركة إقطاعية للمدير يفعل بها ما يشاء, هذا في
القطاع الحكومي العام, أما في القطاع الأهلي الخاص فهو شيء من
الغريب أن يحصل ما تذكره, حيث يحرص صاحب المال على تنمية ماله,
اللهم إلا إذا كان مالك الشركة من رجال الأعمال المشغولين بعدّ
أموالهم عن تنمية أعمالهم, وهذه الصفة السيئة موجودة لدى بعضهم
في دول الخليج, ولعل إقامتك في إحداها.
أخيرا ليس كل المدراء على نفس الدرجة من السوء, ولا مانع من
التقرب إليهم بالسؤال عن أحوالهم وعائلاتهم ومشاركتهم أفراحهم
ومعاناتهم, وأعتقد أنه من الممكن تخطي حاجز الجمود بين الموظف
والمدير إذا استمد الموظف ثقته بنفسه من عزته بارتباطه بالله
سبحانه, ويكفي أن نتذكر حديث رسول الله عليه الصلاة
والسلام:(إن لله عبادا إذا أرادوا أراد) ولا أعتقد أن معنى
الحديث كما فسره أحد الكتاب أو المستشارين بأن الشخص إذا طمح
إلى شيء عمل على الوصول إليه فساعده الله في ذلك, فهذا شيء
مفروغ منه بدون معرفة ذلك الحديث الشريف, إذ لكل مجتهد نصيب,
أما دلالة القول النبوي الكريم – برأيي - فهو أن الحبال عندما
تكون موصولة بين الرب والعبد, فإن الله ييسر لهذا العبد حياة
طيبة حتى لو بدت له أحيانا ذات مشكلات صعبة الحل. والله أعلم.
إسلام
أنلاين 20/6/2007 |
|
|