|
|
|
تعليقا على ما ختمت به رسالتك من أنك لا تدري إن كان يحق لك
انتظار الإجابة على رسالتك, فأقول: لا بأس أن تكون هذه الصفحة
للفضفضة أحياناً, ولكن أرجو أن تتأكدي أن لها رسالة أعمق من
مجرد الفضفضة ألا وهي وضع اليد على الخلل في التفكير والذي
يعقبه خطأ في السلوك, والذي – بدوره - قد يعضّد من سلبية
الشعور, التي تزيد من خلل التفكير بالتالي مؤدية إلى استمساك
الحلقة المفرغة حول عنق من يعاني منها, وأنت واحدة من كثيرين
ولا شك.
بالطبع أقدّر ما أنت فيه من غربة وأتفهم اختلاف الثقافات بين
مجتمعك الأصلي والمجتمع الذي تعيشين فيه, لكن الخلل الأول في
تفكيرك, هو أنك لم تدركي بعدُ أن الحياة لا تعطيك بيد دون أن
تأخذ بيد أخرى, فإذا قبلت بشروطها فسترّحب بك في دوامتها, التي
لا خروج منها إلا بالتقبّل لما لا تستطيعي تغييره, وبالإصرار –
في نفس الوقت - على تبديل الظروف التي تستطيعين تبديلها, أما
أن تتقبلي كل ما تعانين منه فهذه حيلة العاجز - مثلها مثل
الشكوى - لا فائدة منها سوى تراكم الشعور الانهزامي في النفس,
وصولا إلى أن هذه الحياة لا طائلة منها.
من قال يا أختي الكريمة أن الذين لا يعيشون في الغربة لا
يعانون أضعاف ما تعانون منه؟ ألا تقرئين المشكلات التي تصلنا
من كثير من الشباب الذين يتمنون أي وسيلة تأخذهم بعيداً عن هذه
الأرض العربية التي تفرض على أبنائها تضييق الحريات وما يصدر
عن ذلك من شعور بالكبت النفسي ونقص القيمة الآدمية؟ هذا إذا
تغاضينا عن الشباب الذين ينتهون في زوارق الموت بحثاً عن وسيلة
لالتقاط الرزق ولو بتنظيف الأرضيات وغسيل الصحون في أوربا
هرباً من بلادهم التي اسودّ فيها الأفق حتى ضاق وأطبق على
الأنفاس!
منذ عدة أيام أخبرني أحد الشباب العرب الذين يتواصلون معي أنه
وصل إلى كندا بعد جهد جهيد للحصول على الفيزا, وأرسل لي صوره
متأقلماً مع البرد – على حد تعبيرك – عمره يا آنستي ثلاثة
وثلاثون عاماً, حاصل على شهادة ماجستير من جامعة معترف بها
دوليا رغم أنها في بلادنا العربية, لكنه لم يستطع إلى الآن أن
يتزوج مع أنه شاب والفرص متاحة أمام الشاب أكثر من الفتاة كما
تعلمين, ولكن الراتب الذي كان يقبضه بعد تخرجه رغم أنه كبير
بالنسبة لمرتبات الشباب الخريجين من جامعة أخرى, لم يكن يكفيه
لسداد مصروفاته الشخصية, فكيف يتزوج؟
لي أقرباء يعيشون في أوربا بعضهم أطباء وبعضهم بمرتبة علمية
أقل, والطبيب يقبض أضعاف راتب الطبيب العربي المغترب في البلاد
الخليجية, والممرض راتبه أعلى من راتب الطبيب المختص في بلاد
العرب الغنية ولا أقول الفقيرة, وحصلوا على الجنسية بعد إقامة
عدة سنوات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة, وأنت تعلمين ماذا
يعني أن يتمتع الشخص بجنسية أجنبية, ولعلك تذكرين أثناء الحرب
على لبنان كيف أتت الطائرات الغربية لتحمل كل من يتمتع
بجنسيتها أما أهل البلد فقد تُركوا للموت والقتل والتشريد!
أما من يعيش في السويد مثلك, فإنه يعتبر أفضل أهل الأرض قاطبة
من حيث مستوى المعيشة والرفاهية, وأنا هنا لست بالتي تشجع
الهجرة على إطلاقها, كما أني لا أعمم على جميع من يعيش في
الغرب بأنهم لا يشعرون بالنعمة التي منّ الله عليهم بها خاصة
العراقيين الذين أنت منهم, حيث استطاعوا الهرب من حكم الطاغية
صدام, ولعلك تذكرين حديث الرسول عليه الصلاة والسلام الذي
يأمرنا بالنظر إلى من هو دوننا في الدنيا لتحمدي الله على نعمة
الأمان التي تعيشين فيها بينما يعاني العراقيون يومياً من
القتل والاغتصاب والتشرد, ولا يخفى عليك أنه خلال السنوات
الأربعة لغزو العراق تشرد مليون عراقي على الأقل – من ضمن
أربعة ملايين عراقي هاجروا خلال نفس السنوات – وأعتقد أنك
توافقيني على الفرق الكبير بين من يعيش في بلد يعتبر أفضل
البلدان الغربية من حيث مستوى المعيشة والرفاهية كالسويد وبين
من يهيم على وجهه دون مأوى يشحذ اللقمة من الآخرين لأنه دون
عمل, وأما أولاده فينتظرهم مستقبل مظلم لأنهم دون تعليم, ناهيك
عمن يموت بسبب الأمراض الناجمة عن انعدام البيئة الصحية في
الخيام والقفار, فأين أنت من شكر نعمة الله عليك؟
ليس كلامي السابق كله بقصد إنكار مشكلتك, لكن تعالي لنبحث عن
الخلل الأكبر الواضح من خلال رسالتك, أليس هو في استبداد
الأهل؟ ولماذا فر أهلك من استبداد صدام ولكنهم يستبدون
بأولادهم وبناتهم ليكون اختيارهم للزوجات والأزواج مفصّل على
قدر مقاسات الأهل الشخصية؟ وماذا يعني أن يتزوج العربي من أي
عربية أخرى مادامت مسلمة تعرف حقوق الزوج على زوجته وتحاول أن
تكون وإياه نفساً واحدة؟ ولماذا يرفض الأهل زواج ابنتهم من
عربي, فقط لأنه ليس من بلدهم؟ وهل تعتقدين أن عقد النقص
الموجودة لدى الأهل في الغربة ليست موجودة لدى الأهل العرب في
كل مكان؟ الشاب نفسه المهاجر إلى كندا الذي تحدثت عنه أعلاه,
كانت مشكلته مع أهله عدم موافقتهم على أي ممن أحبهن واختارهن,
فمشكلة العائلة العربية يا عزيزتي موجودة في كل مكان, وقد
نقلوها من الموطن الأصلي إلى المهجر, ألا وهي التدخل في حياة
الأولاد حتى لو أصبح عمر الواحد منهم ثلاثون عاماً, وهذا لا
أجد له تفسيراً سوى الأنانية المستفحلة في نفس أحد الأبوين أو
كليهما, وأما تبريرهم لهذه الأنانية فهو أن هؤلاء الأولاد جزء
منا, فعليهم إذن أن يخضعوا طوال حياتهم لرغباتنا وقيمنا حتى
البائدة منها, وأرجو أن تطلّعي على هذه المشكلة التي عنونتها
بما يلي:
أولادنا ليسوا لنا.. أولادنا
أولاد الحياة
لذلك أنا إن كنت أتفهم مشكلتك في عدم وجود الشريك الذي يوافق
عليه الأهل سواء بالنسبة لك أو لإخوتك, فإن هذا لا يعني أن
والديك على صواب, فلكل إنسان حقه في تجربة اختيار شريك الحياة
بما يراه متناسبا مع أحلامه المشروعة وطموحاته في تكوين أسرة,
ولا يمكن لك أو لأحد إخوتك ممارسة هذا الحق ضمن رؤى الأهل التي
لا تبارك إلا وقوع الاختيار على شخص من نفس البيئة الأصلية,
على أن يكون لعائلته نفس مواصفاتهم وأما من يختارونه زوجاً
لابنتهم - أو زوجة لابنهم -فعليه أن يخضع لمعايير صارمة من
القبول في العائلة أولها أن يكون شبيهاً لها كأنه يكاد يحمل
جيناتها, لذا فإن هؤلاء الأهل ليس لهم حل إلا باستنساخ امرأة
جديدة من الأم ويتم تزويجها للولد أو استنساخ رجل جديد من الأب
يتم تزويجه للفتاة!!!! أو على رأي شاب من معارفي انتقد والدته
التي مانعت زواجه من زوجته الحالية فقال لي ساخرا من آراء أمه
المتعصبة: أمي كانت تظن أنه لا توجد فتاة في العالم تناسبني
إلا أختي, وتظن أن أختي لا يناسبها شاب في العالم إلا أنا!
يا عزيزتي مشكلة إعجاب كل فرد بنفسه لدرجة الغرور, والشعور
الأناني بالوالدية إلى حدّ عدم تقبل الصهر في العائلة العربية
وعدم تقبل الكنة كذلك هي مشكلة متجذّرة في الكيان الثقافي
العربي – في البلد الأصلي والمهجر - الذي بات كيانا هشّا لأنه
ابتعد عن تعاليم الدين ومقاصد الشرع, وإلا فأخبريني أين تطبيق
الآية الكريمة:(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا, إن أكرمكم عند الله أتقاكم)؟
أتراك لم تقرئي عن تلك السيدة السعودية التي حصل إخوتها على
حكم من أعلى محكمة بالدولة يوافق على فسخ عقد نكاحها من زوجها
رغم أن بينهما ولد وبنت, والسبب فقط لأنه ليس من قبيلة
كقبيلتها؟
أدعوك لقراءة مقالتي:
طلاق النسب في أي عصر نعيش ولأي
دين ننتمي؟
ولا تظني أنها مشكلة موجودة في العائلة السعودية, بل أين ما
ذهبت تجدين مشكلة النسب والحسب والكفاءة من حيث المال أو
الثقافة أو .. أو.. وأنا هنا لا أنكر أهمية وجود الكفاءة, لكن
لا بد من تنازلات أحياناً, وبما أنها لا تحدث قبل الزواج فإن
نسب العنوسة عندنا تزداد ففي مصر 6 ملايين عانس وفي السعودية
مليون, مع الانتباه لفارق عدد السكان بين البلدين, وبما أن هذه
التنازلات لا تحدث بعد الزواج فقد استفحل الطلاق في كل مكان
حتى وصلت نسبته في بعض البلاد العربية إلى 50% تقريبا, مع أن
هؤلاء الناس لا يعيشون في الغربة, فأين المشكلة يا عزيزتي؟
المشكلة ليست فقط في الأهل بل هي أيضاً في أن طموحات الشباب
والفتيات في اختيار شريك العمر تجاوزت الإمكانيات, فالكلّ فيه
نقص من ناحية معينة – على الأقل- لكنه لا يعترف بها, وفي نفس
الوقت فإن الجميع يريد أزواجا وزوجات كاملين مكمّلين خُلُقا
وخَلْقا ومادة ونسباً, فلماذا هذا الغرور؟ ورحم الله امرأ
استغنى بعيوبه عن عيوب الناس.
لا يعني هذا الكلام أن نقبل العائلة بأول طارق لباب البيت يطلب
يد الفتاة, لكن لا بد من الاستفادة من أي تجربة تعين الشاب
والفتيات على الزواج, فمثلا في بلد مثل مصر هناك زواج
الصالونات, وعلى حسب القائمين به فإنه يعتمد على تحقق شروط
الكفاءة المادية والاجتماعية لذلك تقل نسبة الطلاق به, فلماذا
لا توجد مثل هذه التجربة في البلاد العربية الأخرى؟ ولماذا لا
ينخرط الشباب والفتيات المسلمون والعرب في الغربة في تجمعات
تطوعية - ضمن حدود الاختلاط المقبول شرعا علما بأن للأقليات
المسلمة أحكاماً خاصة بهم حددها الفقهاء المستنيرون – مما يتيح
لكل منهم اختيار شريك حياته الذي يراه مناسبا له؟ ولماذا لا
يكون العربي المسلم شعلة من الحيوية في المجتمعات الغربية التي
تتيح له من النشاطات والحياة الاجتماعية ما يُمنع عن مثيله في
الدول العربية؟
أرجو ألا تظني أني أنطلق من منطلقات نظرية لا تستطيع الصمود
إذا احتكت بالواقع, فالحقيقة التي أراها أمامي أن تقصير
المسلمين في الغرب نابع من عدم وجود ثقافة المناعة لدى الأهل
لذلك فلا يستطيعون نقلها إلى الأولاد والبنات, لأن فاقد الشيء
لا يعطيه, فيلجؤون إلى الانعزال وثقافة المنع, بينما لو انخرط
الشاب أو الفتاة منذ البداية بالمدرسة أو الجامعة واعتبر نفسه
فردا من هذا المجتمع, فلن يرى نفسه بالمنظار التقليدي للأهل
الذين يرون أنفسهم غرباء يداومون على عزف الموسيقا النوستالجية
– موسيقا الحنين – إلى الوطن والأقرباء, ولو عادوا حقا إلى
المكان الذي يحنّون إليه لتمنوا أن يدفعوا كل ما معهم من مال
كي يعودوا إلى بلاد الأمن والحرية والشعور بكرامة الإنسان في
بلاد لا تعتمد الإسلام شريعة في دستورها لكنها تحكم به من حيث
لا تدري, ويكفي على ذلك دليلا من السويد التي تعيشين فيها أن
وزير الطاقة السويدي تأخر على الطيارة التي يجب أن يستقلّها
ليسافر إلى السعودية ليلتقي بوزير الطاقة السعودي, فبالله عليك
قولي لي: في أي بلد عربي تجدين وزيرا يركب طائرة يركبها جميع
الناس دون أن يخصّص لنفسه ولأولاده سيارات وطائرات خاصة؟ أين
نجد في بلادنا مثل هذه الشفافية والعدالة؟ ابحثي لي عن قصة
مشابهة لوزير عربي وأخبرك منذ الآن أنها في الأحلام فقط,
وبالمناسبة فقد انتشرت على منتديات الانترنت العربية صورة
لرئيس عربي يوقظ أحد وزرائه من النوم بالهاتف المحمول ويقول
له: كفى نوماً الساعة الآن السابعة والنصف صباحا! إنها للرئيس
اليمني الذي قال: لنحلق رؤوسنا قبل أن يحلقها لنا الآخرون,
ولكن الكلام سهل والتطبيق صعب في بلاد يمخر فيها عباب الفساد
حتى أن السعودية أعلنت عن قيام هيئة لمكافحة الفساد بعد أن
بلغت خسائرها بسببه 3 تريليونات ريال أي ما يعادل 800 مليار
دولار!
عوداًَ إلى مشكلتك التي تتلخص في رغبتك بالزواج وهذا حقك ولكن
لنقرأ كلامك الخاص بها فهو: كيف اجد شريك حياة في هذه الظروف
يتقبلها الاهل واحبه انا.... كيف وزملائي كلهم ليسو على ديانتي
والذي على ديانتي ليس من بلدي واذا وجدته فليس من لغتي واذا
كان كل هذا فهو ليس على مذهبي واذا حدث المعجزة وتطابق كل هذا
فهو ليس متدين او لنقل لايمارس الطقوس الدينية..... فبالله
عليكم كيف الوصول للتوازن؟
والجواب بعد شرحي أعلاه: ما المانع أن تتزوجي الذي على ديانتك
وإن كان ليس من بلدك؟ وما دام على ديانتك فما المانع أن يكون
عربياً يتكلم لهجة أخرى؟ أو حتى مسلماً غير عربي إن كنت واثقة
أنه سيكون أميناً عليك؟ وما هو الدور الذي تلعبه المراكز
الإسلامية في تقريب الجاليات المسلمة من بعضها بعضا وإزالة
الحواجز بينها إن لم يكن أساسه الدين الذي يعتبر الزواج نصفه
بناء على قول رسول الله عليه الصلاة والسلام:(من تزوج فقد أكمل
نصف دينه فليتقّ الله في النصف الثاني) أو كما قال عليه الصلاة
والسلام؟
إذاً الجالية الإسلامية كلها مسؤولة عن هذه المشكلة التي
تتكلمين عنها, بما فيها أسرتك, وحل هذه المشكلة يكون بوضع
الآباء والأمهات والدعاة المسلمين أمام مسؤولياتهم, وإذا لم
يقرّ هؤلاء بأنهم جزء من المشكلة فعليهم أن يتوقعوا أن أولادهم
وبناتهم سوف يأخذون زمام المبادرة ويقومون بفرض الأمر الواقع
عليهم, وبالطبع فإن هذا الواقع لن يحقق ما يتخيله كل منهم
لابنه أو ابنته, ولكن خيالات الأهل شيء وحاجات الشباب والفتيات
شيء آخر, ولذا فإن مبادرة الشباب والفتيات يجب أن تكون مبادرة
واعية خاصة عندما يقترب أحدهم أو إحداهن من سن العنوسة, ولعل
هذه المبادرة ترضي طموحات الجيل الثاني بوجود نصفهم أو نصفهن
الآخر, ويبقى السؤال: هل يعرف هذا الجيل الثاني كيف يحوّل
الاختلافات في الطباع والثقافة من حجر عثرة في سبيل نجاح
الزواج إلى حجر أساس في بناء جيل ثالث عصري مندمج بالمجتمع
الغربي دون أن تعني عصريته التخلي عن جذوره الأصيلة؟!
هذا هو السؤال وأما الإجابة عليه فتحتاج جهودا أكثر من مجرد
الرد على مشكلة في صفحة مشاكل وحلول, ولعلها تكون مقتبسة من
فيلم أمريكي قديم بطله شاب أسود يقول لوالده:(أنت ترى نفسك أنك
رجل أسود أما أنا فأرى نفسي رجلا) هذه العبارة دليل على اندماج
الشاب في المجتمع الأمريكي فيرى نفسه نداً لأي أمريكي أبيض,
بعكس الأب الذي عاش أسيراً لماضٍ من العبودية تعرض له أجداده
فيرى نفسه بشكل دوني, فهل يستطيع الأبناء اعتماد رؤية متحررة
من تقاليد الآباء التي ما أنزل الله بها من سلطان دون أن
يحيفوا على الدين الحنيف؟ |
|
|