|
أهلا وسهلا بك وأرجو أن تعذريني إن قلت أن شخصيتك غير واضحة كفاية رغم أنك ذكرت
كثيرا من التفاصيل, لكن يبدو أن القصة غير محبوكة بشكل جيد أو إن بعض التفاصيل
متناقضة مع بعضها الآخر لذلك سامحيني إذا قلت أني لم أتمكن من الإحاطة بمعالم
شخصيتك رغم السرد الطويل لأني أكاد أن أحكم عليك بنقص فهم النفس رغم أن عمرك 24
سنة, وهذا الحكم يستدعي حكما آخر بقلة الخبرة في التعامل مع الآخرين, وقد يكون
السبب هو نشأتك في بلد خليجي حيث تكون الفتاة معتمدة تماما على الأهل فليس لديها
خبرات أكثر مما تراه في الفضائيات أو تسمعه من الصديقات.
كي لا تظني أني متحاملة عليك أذكر لك مثالا عن
التفاصيل المتناقضة فأنت تقولين في البداية أنك (فتاة
ذات مزاج غريب وصعب يختلف تماما عن من هن بجيلي) ثم
تقولين في الفقرة التالية أنك (فتاة اجتماعية), فكيف
يمكن أن تكون الفتاة ذات مزاج غريب وصعب ولكنها في نفس
الوقت فتاة اجتماعية؟! من المعلوم أن الإنسان المزاجي
يصعب عليه تكوين العلاقات الاجتماعية, فكيف إذا كان
يرى أن مزاجه غريب وصعب ومختلف؟
تقولين أيضاً أنك تتصفين بعدم اللامبالاة في الجامعة
بينما أنت حساسة جدا في الأسرة لدرجة أنك لا تتحملين
كلمة يقولونها لك, فهذا يدل على عدم توازن في الشخصية
ربما سببه الدلال في العائلة الذي يجعلك لا تعرفين كيف
تتصرفين حيال الانتقادات الخارجية لأن توجيه
الانتقادات لك من داخل الأسرة ممنوعة.
من التفاصيل التي غالبا ما تدل على قلة الخبرة في
الحياة وعدم النضج في فهم النفس قولك عن نفسك أنك
تتصفين بصفة رائعة جدا وهي عدم اللامبالاة, وغالبا أنت
تقصدين عدم المبالاة بانطباع الناس عنك, لكن اسمحي لي
أن أخبرك أن عدم اللامبالاة ليس صفة جيدة ولا تدل على
أن الإنسان سوي الشخصية, بل إن من دلالات الحساسية في
الإنسان أن يهتم – باعتدال- بما يقال عنه, ويحضرني هنا
فولتير الذي كان يقول أنه يغبط الحيوانات لأنها لا
تبالي بما يقال عنها!
ولا تظني أني أقسو عليك أرجوك, بل أؤكد لك أن انتشار
اللامبالاة بين كثير من شبابنا وبناتنا أصبح ظاهرة لا
نعرف أين سيصل انحدارها بنا, وتبدو الأسماء التي
تطلقها الجماعات الشبابية على نفسها أو "الشلل" ذات
دلالات مفهومة في هذا السياق مثل شباب الكوول وغيرها.
تقولين أنك كنت تهتمين بملبسك كثيرا ويبدو لي أن عمل
والدك في بيئة خليجية أثّر على طريقة ملبسك بحيث تكون
ملفتة للأنظار لدرجة يظنون أنك أميرة, فهل أنت يا
ابنتي من الذين يهتمون بالقشور والمظهر على حساب اللب
والجوهر؟ يبدو ذلك أيضا من اهتمام صديقاتك بملابس
الشاب الذي تتحدثين عنه فهل هذا كل ما يهم بنات
الكوول, معذرة أقصد بنات هذه الأيام؟!
ليس هذا تحريما للملبس الجميل بل إننا مأمورون بالزينة
الحلال لكن بالنسبة للفتيات والنساء فليس محبذا أن
تكون الملابس لافتة للنظر ولا أن تكون مختلفة كثيرا عن
العادات المتعارف عليه في نفس البلد بالنسبة للباس
النساء المسلمات, ولا أريد أن أخوض معك بتعاليم الشرع
فهي معروفة ولا أريد أن أبدو كمن أساء فهمك, لكني أرى
أن ما ذكرته من تفاصيل لا تدل على جوهر حقيقي ولا على
فكر واعٍ, وبارك الله بالدكتور عبد الوهاب المسيري
الذي ذكر في إحدى مقالاته أنه عندما رجع من أمريكا
ليلقي محاضرة في جامعة الإسكندرية ودخل القاعة فرأى
الفتيات بكامل زينتهن كأنهن أتين لحضور سهرة فاختلط
عليه الأمر مما دعاه للخروج من القاعة خشية أن يكون قد
دخل قاعة أفراح!
حتى أساتذة الجامعة كان لهم مواقف عجيبة معك, ولا بد
من أن ترتسم بعض علامات الاستفهام حول ماهية هذه
المواقف فقد عهدنا بالجامعة أنها ليست مكاناً لعرض
الأزياء ولا محلاً لصيد الانتباه, بل هي مكان للعلم,
واسمها حرم جامعي يوجب أن يكون للمكان حرمته الخاصة
التي تمنعه من التحول إلى مكان أشبه بأي شيء إلا أن
يكون مكانا للعلم والتعلم!
لنأت الآن إلى الحبكة الرومانسية في القصة فأنت رأيت
ذلك الرجل صدفة وبدأت تحيكين حبالك نحوه لتوقعيه,
معذرة أقصد لتخرجيه من عزلته العاطفية, على حد قولك,
فهل هكذا تفعل الفتاة المسلمة؟
صدقيني أنا لا أحب أن أحوّل هذه الصفحة إلى صفحة للنصح
والوعظ فهي صفحة لحل المشكلات وأنا أتفهم المتاهات
التي سارت فيها مجتمعاتنا لكني لا أستطيع أن أمرّ على
بعض ما جاء في رسالتك دون أن ألومك عليها, لأن ملاحقتك
لهذا الرجل ليس لها أي دلالات مشرفة تربويا!
وصدقيني أيضا أني لست ضد الحب بل لطالما دافعت عنه في
هذه الصفحة وغيرها, لكني ضد كل ما يضاد الفطرة, وخاصة
فطرة الحياء في الأنثى, فبهذه الصفة فقط يمكنها أن
تجذب الشاب الذي يستحقها, أما أن تلاحق الفتاة شابا
وتتصل به وتطارده فهذا ما أربأ بفتاة مسلمة أن تفعله!
أرجو ألا تظني أني لا أعلم ما يجري في الجامعات بل
أوكد لك أني أدرك أن ما فعلته قد يعد هفوة بسيطة مقابل
الحركات المراهقية التي تقوم بها بعض الفتيات, لكن
الرسول عليه الصلاة والسلام علّمنا فقال:(لا يكن أحدكم
إمعة, إذا أحسن الناس أحسنتم وإن أساؤوا أسأتم, ولكن
وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا ألا
تظلموا) أو كما قال عليه الصلاة والسلام, وبرأيي إن
لجوء الفتاة إلى هذه الأساليب الملتوية فيه ظلم للنفس
ناهيك على أنه ظلم للشاب الذي قد لا يكون وضعه النفسي
- أو حالته الاجتماعية - يساعده على رفضها خاصة مع
الفقر المالي والافتقاد العاطفي والحرمان الجسدي.
وها هو لم يردك عن غيك بملاحقتك له رغم أنك وصفت نفسك
بالدخيلة, ولو كان شابا موزوناً لما اهتم لأمرك ربما,
ولكن صاحب الحاجة أرعن وهذا لا ينطبق على الرعونة التي
طاردته بها فقط, بل ينطبق عليه أيضا لكونه غارق بديونه
وربما تعلق بالقشة التي هي أنت لتخرجه من غياهب ذلك
البحر المظلم, ولكن ضميره يصحو بين فترة وأخرى فيخبرك
أنك لن تصبري على وضعه, وهكذا حتى تحول التركيز في
القصة على قشة أخرى هي القشة التي قصمت ظهر البعير,
فلم يعد يحتمل مطاردتك أو لم يعد يحتمل التمثيل عليك
أو .. أو ..
يعجبك حنانه أو أي من صفاته الأخرى فهذا شيء طيب ولست
ضد أن تقدم الفتاة نفسها لمن يعجبها بطريقة تحفظ لها
كرامتها وقلبها وخط الرجعة, ولكن كل هذه الأمور لم تكن
موجودة في أسلوبك خلال التعرف عليه, ولم يبد من رسالتك
أنك خطبت إليه مثلا لأستطيع أن أبرر لك هذه الاتصالات
أو بقاءه معك في الجامعة أو غير ذلك, وكل ما جاء في
رسالتك لا يدل على نضج وخبرة بالحياة من أساسها.
أرجو ألا تكون كلماتي قد حملت قسوة عليك, وإن وجدت
شيئا من ذلك فعذري أن كل ما يهمني هو الارتقاء بوعيك
إلى درجة أعلى, ولعل الله سبحانه أراد بك خيرا فأبعد
هذا الرجل عن طريقك لتكون هذه التجربة الخاطئة بمثابة
خبرة تحذرك في قادم أيامك أن تكوني البادئة بالخطوة
الأولى, لأن هذه الخطوة يجب أن يقوم بها الرجل كدلالة
على رغبته بهذه الفتاة, وإذا كان ولا بد أن تقوم بها
الفتاة فيجب أن يكون ذلك بالاستعانة بشخص مخلص وحكيم
يكون كرسول لجس نبض الشاب وهذا له حديث آخر.
إسلام أنلاين 25/4/2007 |