|
لم يكن ثمة داع لأن تترددي في إرسال مشكلتك لنا فمن الواضح أن لديك معاناة على أكثر
من صعيد ومستوى, لذلك لا بد من تحليل مشكلتك إلى عناصرها المتضمِّنة فيها قبل البحث
عن حلول لها.
العنصر الأول هو دخولك كلية العلوم التي لم تشيري في
رسالتك إلى تفضيلك لها أو عدم رغبتك بها, وكل ما
أخبرتنا به أيها العزيزة أن هذا الاختيار أدخل الفرح
إلى قلب أمك, ومراعاتك لشعور والدتك في اختيارك لأي
اتجاه في حياتك هو أمر يحسب لك بالتأكيد لكنه ليس
بالضرورة دلالة على برك لها, لأن بر الوالدين يجب ألا
يكون على حساب اختياراتنا الشخصية التي قد نكون على
دراية بها أكثر من والدينا الذين ينظرون لنا غالبا
بعين العاطفة أكثر من عين العقل, ولذلك نرى أكثر
الآباء والأمهات يودون أن يكون أبناءهم أطباء أو
مهندسين دون أن يكون لدى هؤلاء الأبناء أي رغبة بدراسة
هذه الفروع التي تحتاج سنوات طويلة ومثابرة شديدة.
من العنصر الأول نصل إلى العنصر الثاني وهو عدم النجاح
في الفرع الذي اخترته, وذلك لأنه قد لا يكون طموحك
الشخصي أو ليس لديك إمكانيات العقلية العلمية بل
تميلين إلى الوجدانيات الأدبية, أو البحوث التاريخية,
أو.. أو..
عدم رغبتك بالمذاكرة هي العنصر الثالث الذي سببه
الإخفاق وعدم النجاح, وهو بدوره سبب في عدم رغبتك
بالذهاب إلى الكلية لأنك سوف ترين الناجحين وأنت أخفقت
ربما, وهو السبب نفسه الذي يجعلك غير قادرة على
التجاوب مع محيطك الأسري الممثل في أقربائك.
لذلك فإن الوقفة الأولى التي يجب أن تقفيها مع نفسك هو
أن تبحثي في داخلك وفي عقلك عن رغبتك الحقيقية, فهل
أنت فعلا تحبين العلوم أم الأدب أم الإعلام أم ماذا؟
إذا كنت لا تحبين هذا الفرع العلمي فأصارحك بأنه يتوجب
عليك مصارحة نفسك ومن ثم والدتك أنك لن تنجحي فيه لا
دراسيا ولا عمليا, اللهم إلا إذا كان أقصى طموحك أن
تُعدّي الدروس للطالبات مستقبلا بحفظها من الكتب
المدرسية ثم بنقلها إليهن بطريقة غير مفهومة, وهذا
أسوأ ما يمكن أن تكون عليه المعلمة, وأما الطريق الآخر
بعد الجامعة فهو البحث العلمي وإكمال الدراسة العليا
فهذا لا يتفق أبدا وعدم وجود الرغبة.
أما إذا كانت مشكلتك لا تنحصر في الفرع نفسه, وإنما هي
مجرد عدم قدرة على المذاكرة والفهم, فهنا يمكن أن
تبدئي من الآن بإجبار نفسك على حضور المحاضرات, لأن
المتعارف عليه عند غالبية أساتذة الجامعة أنهم لا
يلتزمون بالمنهج ولا يختارون الأسئلة من الكتب, لأنهم
يريدون أن يعززوا مكانتهم في نفوس طلبتهم بإلزامهم
بحضور المحاضرات وذلك بطريقة غير مباشرة, ألا وهي أن
الأسئلة ستكون مما نفح به الأستاذ طلابه من "جواهر"
أثناء حضورهم, لذلك فأكبر خطأ يرتكبه الطالب في فرع
علمي هو عدم الحضور.
النقطة الثانية هي أن هذا الحضور يسهل عليك فهم الدرس
رغم أن كثيراً من الأساتذة في الفروع العلمية ليس
لديهم قدرة على إيصال الفكرة للطالب خلال المحاضرة,
لكن مهمة الطالب الذي يريد النجاح فعلا هو أن يسجل كل
كلمة يقولها الأستاذ وعندما يعود إلى البيت عليه أن
يمسك بالكتاب الجامعي ويقارن بين المحاضرة التي سجلّها
ومحتويات هذا الكتاب, فيكتب في دفتر خاص أو على هوامش
الكتاب كل زيادة جاءت على لسان الأستاذ المحاضر, وهذا
يساعد على ترسيخ الفهم لدى الطالب.
النقطة الثالثة هي أن وقت طالب الجامعة خاصة في الفرع
العلمي غالبا ما يكون مبعثرا, فجدول الدوام قد يكون
حصة لأستاذ ثم ساعة أو ساعتين فراغ ثم حصة وهكذا,
وأعتقد أن هذا هو حال غالبية الجامعات العربية
الحكومية, وقد لا تكون الأهلية أفضل, لذا فإن الطالب
الذي يريد النجاح يجب أن يتعلم الاستفادة من كل دقيقة
في وقته سواء كان في الجامعة أو في البيت, ففي البيت
يجب تقسيم الوقت المتبقي من النهار للمذاكرة لإنهاء
قسم من متابعة المحاضرات اليومية وسكبها على الورق أو
الإضافة على الكتاب كما ذكرت أعلاه, وكذلك من أجل
إعادة الدروس التي يصعب فهمها لأن التكرار يعلّم
الشطار, وإذا لم يتعلموا من التكرار فإنهم يجب ألا
يرضوا بعدم الفهم للمادة بل من واجبهم أن يسألوا
زملاءهم الأكثر اجتهادا, لأن بعض الطلاب لديهم قدرة
على التركيز مع الأستاذ أثناء المحاضرة أكثر من بعضهم
الآخر, وبعضهم لا يستطيع الكتابة في نفس الوقت الذي
يجب عليه التركيز, ولا بد من تبادل الخبرات مع بعض
الطلاب الأكبر سنا حتى يستفيد الطالب في الحفاظ على
وقته من الضياع سواء في الجامعة أو في تكرار ما لم
يفهمه.
وهنا أود أن أشير إلى خبرة موجودة في الجامعات الغربية
المحترمة ألا وهي وجود طالب في سنة أعلى تكلّفه
الجامعة أو الكلية بمتابعة مجموعة من الطلاب المستجدين
أو التاليين له في السنة, فمثلا طالب سنة ثانية يكون
مسؤولا عن 6 طلاب من السنة الأولى, وتحتسب هذه
المشاركة للطالب الأقدم على شكل نقاط تضاف إلى معدله
السنوي أو قد يتقاضى عليها مكافأة شهرية أو تساهم في
مساعدته بتخفيف كلفة الكتب أو القسط الدراسي وما شابه,
فأين جامعاتنا العربية من هذه الخبرة؟ علماً بأن أستاذ
المادة هو صلة الوصل بين المجموعة الأصغر سنا والطالب
الأكبر سنا ويحق لمن لم يجد المساعدة التي يأملها أن
يشتكي للأستاذ أو للكلية, وبما أن هذه الخبرة غائبة,
فعلينا أن نوجدها من باب العمل التطوعي الذي له الأجر
الحقيقي بمساعدة المسلم لأخيه المسلم.
النقطة الرابعة هي بأن الاستفادة من الوقت لا تكون
بالسرحان والذهول عن الكتاب والتفكير بالأحزان والرسوب
لأن ذلك يحوّل المشكلة من مشكلة واحدة إلى مشكلات
متعددة, فأنت يا عزيزتي لديك وقت محدد في البيت يجب أن
تركزي فيه على الدراسة, فمثلا لو فرضنا أنه لديك 3
مواد درستها اليوم في الجامعة, فيجب أن تخصصي في البيت
وقتا لكل منها بين الساعة والساعتين, وكذلك أن تخططي
ما الذي يجب أن تفعليه في وقت الفراغ في الجامعة, وذلك
إما بإعادة تركيز المحاضرة التي أخذتها للتو من
قراءتها من الكراسة التي كتبتها عليها أو سماعها من
المسجل إن كان مسموحا به أو إعادة الدرس القديم الذي
سيكّمله المحاضر في الدرس القادم, أو بزيادة الصداقة
الفعالة في حياتك الجامعية من خلال عقد صداقات مع
فتيات أكبر منك سنا يقومون بمساعدتك فيما لم تفهميه,
ولا يعدم المرء الخير الفطري الموجود لدى بعضهم أو
بعضهن.
ثمة نقاط أخرى يجب مناقشتك حولها, مثل: لماذا ركزت على
أمك في الموضوع؟ أين هو والدك؟ هل هي والدتك التي
تكفّلت بتربيتك بسبب طلاق أو ترمل, فهي تطلب منك ردّ
الجميل لها ولو بشكل غير مباشر؟
ما معنى أن تطلب منك عدم الاشتراك برياضة؟ هل لأن الجو
الرياضي العام سيكون فيه اختلاط مثلا؟ إذا كان الأمر
كذلك فهي على حق, لكن إذا لم يكن لها أسبابها الوجيهة
فلماذا لا تناقشيها برغبتك في الانتساب لنادي رياضي
خاص بالنساء مثلا؟ الرياضة سوف تنشط بدنك وتحسن مزاجك
وتجعل لديك دافعية للمواصلة والمثابرة فهلاّ حاولت مع
والدتك في هذه النقطة بالذات؟
كذلك فإنه من الجميل أن تشتركي في جمعية علمية, لكن
إذا كنت لا تهوين العلوم من الأساس فهذه مشكلة بحد
ذاتها, وحتى إذا كنت ترغبين بالفرع العلمي فليس من
الضروري أن يكون اهتمامك علميا طوال الوقت, وصلى الله
على النبي الكريم الذي علمنا أن نروّح القلوب ساعة
فساعة لأنها إذا كلت عميت.
يا عزيزتي الحياة اختيار ومثابرة وإذا فشلت محاولتنا
مرة فيجب أن نكرر المحاولة, وإذا كنت قد رسبت بالسنة
الأولى فليس معنى ذلك أنك فاشلة, لأن الحياة الجامعية
مختلفة كليا عن الحياة المدرسية, وللأسف فإن مما نفقده
في جامعاتنا – غير ما أشرت إليه سابقا – هو دورة
تأهيلية للطلاب والطالبات قبل دخولهم الجامعة ولو
بأسبوع فقط لتعريفهم بالنظام الجامعي وضرورة حضور
المحاضرات ومتابعة الأستاذ ومراجعة المشرفين في حال
حدوث أي مشكلة, لذلك يعاني طلابنا وطالباتنا في
سنواتهم الأولى من عدم التأقلم, وأغلب الظن أنه هو سبب
عدم نجاحك السابق, لذلك يجب ألا تتوقفي عنده بل ينبغي
أن تعقدي العزم من جديد على البدء بمرونة ومسامحة
لنفسك وأن تستفيدي من كل الخبرات المتاحة لك خاصة مع
وجود الأصدقاء والصديقات من حولك الذين يرغبون
بمساعدتك.
ضعي لنفسك برنامجا والتزمي به, وضمّني هذا البرنامج كل
ما يساعدك على الالتزام به فمثلا الصلاة في أول وقتها
تساعدك على تنظيم الوقت حسب مواعيد الصلاة, وقراءة
القرآن تهيئك لانشراح في الصدر وتركيز في العقل فيجب
أن تخصصي له وقتا يوميا, واستيقاظك صباحا لأداء صلاة
الفجر يجعل يومك أكثر بركة كما قال عليه الصلاة
والسلام:(بوركت أمتي في بكورها) وإذا استطعت صلاة
ركعتي التهجد والدعاء أثناء سجودك فلا تفوّتي ذلك
الوقت المبارك, وأكملي الخير بالمسارعة إلى بر والدتك
لكن ليس على حساب اختياراتك في الحياة, وإذا ناقشتها
في أمر فليس في هذا إخلال بالبر, لكن تسلحي بالأسلوب
المهذب والكلمات المقنعة, ولا مانع أن تضعي لنفسك
حوافز كلما استطعت المثابرة على الدراسة أو كلما حققت
علامات أعلى, كمكافآت في فعل أمر تحبينه, وفي نفس
الوقت تمنعين نفسك عنه إن لم تنجزي المطلوب على أن
تستفيدي من هذا المنع في العود من جديد للدراسة, وقد
قلنا أن المرونة هي البدء من جديد في كل مرة يتعرض
فيها الإنسان للإخفاق.
أتمنى لك التوفيق والنجاح وأدعوك إلى قراءة ردي على
هذه المشكلة:
الغربة كربة
واللجوء إلى الله مفتاح الفرج
لأن فيها خطوات إيمانية تساعدك على التركيز والثقة
بالله.
إسلام أنلاين 22/4/2007 |