الصفحة الرئيسية
  

 أسئلة محرجة وأجوبة صريحة (شبابية) صراع الخبرة والمادة.. ثابر وصابر واقتنص الفرص

     
 
 
 
 

 السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

 لعل المشكلة التي سأقوم بطرحها عبر موقعكم المميز مشكلة جديدة، فلا هي عاطفية ولا هي اجتماعية، وهي تحمل مفارقات عجيبة طريفة في حياتنا اليومية يعاني منها الشباب الطموحون الباحثون عن التميز، ومشكلتي بالمختصر المفيد صراع بين المادة من جهة والمعرفة والخبرة العملية من جهة أخرى، حيث تخرجت قبل سنوات بدرجة البكالوريس في إدارة الأعمال وكنت أبحث عن عمل مميز أستطيع من خلاله الحصول على الخبرة أولا ومن ثم العائد المادي الجيد، والحمد لله وُفقت لعمل؛ حيث حصلت على العائد المادي الجيد لكنني لم أحصل على المعرفة والخبرة التي أريد، حيث كان عملي روتينيا بحتا ولم يكن به أي نوع من الاحتكاك الفعال بأصحاب الخبرة، وصرت أقضي وقتي في العمل مكررا نفسي؛ حيث تمضي أحيانا ساعات أقضيها على الإنترنت دون أي فائدة تذكر ودون القيام بعمل مفيد حيث إن الواجبات المطلوبة مني بسيطة ومكررة ولا يوجد بها أي نوع من التحدي ولا تحمل أي جديد.

ومنصبي بالشركة لن يؤهلني لمستويات إدارية أعلى لا على المدى القريب أو البعيد، وهنا وقعت في حيرة؛ حيث لدي التزامات مادية عديدة، ومن جهة أخرى أريد أن أتقدم لمستويات إدارية أعلى ولمناصب أرقى من المنصب الذي أعمل فيه لثقتي بمؤهلاتي ولأنني بطبعي طموح وأعشق التحدي والإنجاز.

ثم حاولت مجددا الحصول على وظيفة أخرى لعلي أجد فيها ما لم أجده في وظيفتي الأولى والحمد لله حصلت على وظيفة (ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب) وقرأت الواجبات المطلوبة مني والتي يمكن أن أقوم بها من خلال هذه الوظيفة حيث رضيت أن أحصل على عائد مادي أقل مقابل الخبرة التي يمكن أن أحصل عليها والاحتكاك المفيد مع صناع القرار وأصحاب الباع الطويل بالعمل.

إلا أنني لم أحصل لا على هذه ولا على تلك، وصرت أدور في حلقة مفرغة، وتكررت القصة القديمة معي؛ حيث ساعات من الفراغ أقضيها بالعمل ومرت علي السنوات وأنا أحترق من الداخل وأشعر أن داخلي ماردًا بدأ بالتململ منذ زمن بعيد ويريد أن يخرج وينفس عن غضبه بالعمل والإنجاز، إلا أنه لم يجد بعد المكان المناسب لذلك، وقلت لنفسي لماذا لا تأخذ بعض الدورات المفيدة التي تعطيك المعرفة وتزيد من مؤهلاتك..

وفعلا حصلت على عدد من الدورات في مجال تخصصي لكن أين المكان الذي أطبق فيه تلك المهارات وتلك الدورات؟! وما الفائدة من تعدد ورش العمل والدورات دون وجود التطبيق العملي لها على أرض الواقع؟ وهي على فكرة واحدة من المشاكل الشائعة والتي أصبحت تعتبر موضة أيضا بين الشباب؛ حيث يتباهى كل فرد بأنه أخذ دورات أكثر دون أن يفكر في طريقة لتطبيق تلك الدورات عمليا.

ثم سافرت للخليج وحصلت على عمل جيد حيث العائد المادي الجيد جدا ولكن طبيعة عملي وبعد مرور ثلاث سنوات على عملي هناك اكتشفت أنها لن تؤهلني مستقبلا للوصول إلى مستويات إدارية أرقى، مع العلم بأنني بادرت أكثر من مرة مديريَّ السابقين والحاليين بالشركات التي عملت بها للحصول على واجبات أكثر وعلى مسئوليات أهم حتى أعطي انطباعا للمدير برغبتي في التقدم والإنجاز وقدرتي على تحمل المسئولية..

إلا أنني كنت أواجه بالمبالاة وبأنني أجيد العمل الذي أقوم به حاليا ولا داعي لتسليمي مزيدا من المسئوليات، ومشكلتي في الحقيقة والتي اكتشفت أنها يعاني منها العديد من الشباب الذين لديهم طموحات ورغبة في تحقيق الذات لكن في أحيان كثيرة لا يجدون المكان أو الموقع المناسب ليطبقوا فيه ما تعلموه وما درسوه في جامعاتهم ولا يجدون أيضا الصلاحيات في مواقعهم وفي أعمالهم لتحقيق أفكارهم... وبعضهم وتحت وطأة المادة وتكاليف المعيشة المرهقة يضطر للتخلي عن أحلامه بالمنصب والموقع الوظيفي الجيد والخبرة المميزة مقابل الحصول على وظيفة بمستوى إداري أقل مقابل عائد مادي مناسب..

وأنا أشاهد هؤلاء يوميا بموقع عملي، مع أنهم من الأوائل على تخصصاتهم ومن النابغين فكريا وحتى في طريقة أدائهم لواجباتهم، كيف يمكن لي وللعديد من الشباب الطموحين المتعطشين للإنجاز أن يصلوا إلى المكان المناسب الذي يمكنهم فيه أن يحققوا الرضا بين ما يقدمونه في حياتهم وبين ما يحصلون عليه وبين ما يستحقونه فعلا؟!

مع تحياتي

 
 
 

 
 
 
   

أهلا وسهلا بك وبرسالتك التي تطرح مشكلة واقعية يعاني منها الشباب الطموح, ولكن بديهيات الحياة تقضي الصبر والمثابرة وانتظار الفرصة, ثم إذا هبت رياحك فاغتنمها.

أما أن بلادنا العربية قاتلة لطموح أفرادها فهذا شيء مفروغ منه, ولا يليق بنا في كل مرة أن نعزف نغمات الحزن على هذا الوضع البليد, وما أعرفه أن الذكي هو الذي يجعل من الليمونة الحامضة عصيرا حلوا دون أن يجعل لليأس إلى قلبه سبيلا.

الشباب العربي برأيي يا صديقنا العزيز هو إما أنه شاب أكبر طموحه هو الوظيفة والمرتب الثابت الذي يكفيه ليكون زوجا وأبا لطفل أو طفلين, فإذا حصل على ذلك حمد الله وشكره لأن غيره ضائع في الشوارع بدون عمل وبدون شهادة عليا تؤهلهم حتى لذلك العمل, وحتى أن أصحاب البكالوريوس في أغلب بلادنا العربية لم يعد حصولهم على عمل بأمر هين, لذلك فإنهم يتجهون إلى العمل الحر, نادمين على الأيام التي قضوها في الجد والاجتهاد للحصول على شهادة لم تعد تسمن أو تغني من جوع.

أو أنه لا يعرف إمكانياته حقيقة فالنظرية شيء والتطبيق شيء آخر, وإذا أخذنا بعين الاعتبار القسم المتبقي وهو الشباب الطموح من أمثالك, فيجب برأيي ألا يقف طموحهم عند بعض الدورات أو التنافس على عرض أفكارهم على المدير العام مثلا, إذ إنه من الأجدر بهم أن يبحثوا عما يصنع لهم قيمة حقيقية في مجتمعاتهم, فها أنت ذا أتيت للخليج بحثا عن السعادة في إثبات الذات ولكن أحلامك تكسرت على أول صخرة خليجية, ولا أدري يا عزيزي لم لا تحاول أن ترفع من مستوى شهادتك, فبدل البكالوريوس تصل إلى الماجستير ومنه إلى الدكتوراة, لأن أعداد الحاصلين على دكتوراة في إدارة الأعمال هو أقل بالتأكيد من عدد الحاصلين على بكالوريوس, وكلما قلّ العدد كلما كانت الفرص الوظيفية أكبر.

الذكي الطموح لا يفوّت أي فرصة تعرض عليه بل يقوم بدراسة احتمالات الربح والخسارة من الحصول عليها, ويجعل منها درجة يصعد عليها ليستطيع الوصول إلى الدرجة الأعلى, فمثلا حصولك على الدكتوراة سيجعل مركزك الوظيفي أفضل بالتأكيد, وبالتالي تكون كلمتك عند المدير مسموعة أكثر مما لو بقيت على ما أنت عليه, ناهيك أن سعيك للحصول عليها من بلد غربي يتيح لك فرصة الاستفادة من خبرات أولئك القوم الذي لم يتركوا شيئا من التخصصات إلا استحدثوه بغاية فتح مجالات الأبحاث أمام المبدعين من الشباب, وقد يكون بحثك في الدكتوراة مميزا عن غيره من الطلاب فترغب الجامعة في الاستفادة من مواهبك وطموحاتك

لدى قراءتي سورة الكهف الجمعة الماضية اكتشفت أمرا هو في الحقيقة أمر بديهي, لكن الذكرى تنفع المؤمنين, فأصحاب الكهف هربوا من اضطهاد قومهم الكفار ولجؤوا إلى البرية كما يلجأ المجرمون, لكن الله ضرب على آذانهم فناموا في الكهف ولما استيقظوا واكتشف أمرهم كانت البيئة قد تغيرت من بيئة كافرة إلى بيئة مؤمنة, فما كان من القوم الذين اكتشفوا أمرهم إلا أن جعلوهم في مصاف الخالدين وبنوا عليهم مسجدا, وهكذا فإنه بتغير الظروف المحيطة تغيرت مكانة أصحاب الكهف من أشباه المجرمين إلى أبطال حقيقيين, وهي نفس العبرة التي نستفيدها من قصة يوسف عليه السلام, فقد سجن ظلما في ريعان شبابه وانتهى في كهولته إلى الأمين على خزائن الأرض.

بالطبع لا نطلب من شبابنا الطموحين اللجوء إلى النوم هربا من الإحباطات المتتالية في حياتهم, لكن نطلب منهم أن يكونوا أذكياء حكماء كيوسف عليه السلام الذي عرف كيف يستغل الفرصة التي جاءته بعد صبره الطويل على مرارة السجن, فهو لم يتأخر في نفع أحد من علمه في تفسير الأحلام حتى وصلت أخبار قدرته الخارقة إلى الملك الذي اصطفاه, وهناك كانت الفرصة العظيمة أمام يوسف عليه السلام ليعرض قدراته الأخرى (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم).

وبرأيي أن يوسف عليه السلام عمل على مستويين: المستوى الأول هو إفادة كل من حوله في السجن دون أن يضن بعلمه على أحد منهم, مع الدعوة إلى الله رغم ظروف السجن القاهرة؛ والمستوى الثاني: هو الصبر والثقة بالله بأن المستقبل أجمل وأفضل كما يبين القرآن على لسانه: (قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا, إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)؛ وهو في المستوى الأول كان يأمل أن عمله ذلك سيوصله إلى تحقيق أمله في المستوى الثاني إذ قال للذي كان مسجونا وخرج من السجن:(اذكرني عند ربك) فيوسف عليه السلام هو مثال الشاب العفيف الذي ضحى بحريته من أجل مبادئه, لكنه أيضا هو مثال الشاب الطموح الذي يعرف قدراته ومكانته فهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام, أي الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم كما قال عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام, ومع ذلك رضي بمصاحبة المسجونين وتعامل معهم كواحد منهم وعمل بالدعوة إلى الله, ولم يفقد أمله بالله سبحانه, أو ليس أبوه يعقوب هو القائل:(إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)؛ وأكثر المفسرين على أن يوسف سجن في بيئة كافرة ولما خرج من السجن كان الإيمان قد عم الشعب كله, والغالب أن يوسف قد ساهم في هذا التغيير وذلك بواسطة نشر عقيدة الإيمان بالله رغم أنه كان سجينا, ولم لا وهو الذي اغتنم كل فرصة ليعرّف المسجونين بالله سبحانه وآلائه؟

أطلتُ الجواب على سؤالك العام, لكنها لفتة إلى ما يجب أن يكون عليه الشاب بأن يعملوا على أكثر من مستوى: المستوى الأول هو الثقة بالله والإيمان بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا دون أن يفترق عنده العمل للدنيا عن العمل للآخرة, بل الأولى مزرعة للأخرى؛ والمستوى الثاني هو مستوى السعي إلى التغيير في النفس والمجتمع لعله يكون نواة لتغير سياسي فلا تعود الثروة مكدسة عند 1% من الشعب بينما 99% منهم لا يتمتعون بحد الكفاية, وأعتقد أن الحصول على شهادة عليا يصب في هذا التغيير خاصة إذا حصل عليها الشاب بعد دراسته في بلد غربي فأدرك محاسن الحرية ومساوئها عندما تتحول إلى فوضى, واستفاد من خبرة الأمم الغربية في التنظيم والمطالبة بالحقوق, حتى لو يحصل هو على الحقوق التي يريدها لنفسه فيكفيه شرفاً أنه حاول ويكفيه فخراً أن يراها تتحقق لأولاده وأحفاده من بعده, وقديما قيل: زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون, ومن زرع حصد, ومن جدّ وجد, ولكل مجتهد نصيب.

إسلام أنلاين 12/4/2007

     
   
     

 
   

حقوق الطبع محفوظة لموقع د. ليلى الأحدب © 2005 تصميم وتطوير موقع الثريا |