|
أشكرك نيابة عن العاملين في الموقع وخاصة المسؤولين عن هذه الصفحة لكلماتك الطيبة
في حق الجميع, ولقد سرني الوعي الذي ظهر في أسلوبك وفي عرض تجربتَي الحب اللتين
مررت بهما, وبالأخص تجاوزك مرحلة الأزمة التي نجمت عن زواج ابنة عمك من غيرك, فهذا
الأمر الأخير يدل على قدرتك على الشفاء من آثار الحب وجروحه القلبية المؤلمة.
في نفس الوقت يجب التوقف عند وقوعك في حب الفتاة
الجديدة بسرعة مذهلة ودون أن تشعر بذلك فلقد ذكرت أنه
لولا بكاءك لما عرفت أنك تحبها, فهذا يجب أن يعني لك
شيئا أيها الابن العزيز وهو أنك ما زلت في طور نفسي لا
يشجع على الزواج رغم ظروفك المادية والأسرية التي أكدت
على أنها مهيأة لدخولك هذه التجربة الخطيرة والتي يجب
أن يقدم الإنسان عليها دون أن يترك أي احتمال للفشل
لأنها شركة حياة مستمرة, اللهم إلا إذا أراد الله لها
غير ذلك, وأقصد من كلامي هذا أنك ما زلت تعيش سنك رغم
ما يبدو من وعي أكبر من سنك للوهلة الأولى؛ وأن تعيش
عمرك والمرحلة التي أنت فيها ألا وهي فترة المراهقة
فهو أمر لم يعد شيئا معيبا في عصرنا التي تغيرت فيه
كثير من العادات والقيم, خاصة أن للنضج المبكر سيئاته
أيضا وقد رأينا في الحياة كثيرون ممن لم يعيشوا مرحلة
الطفولة والمراهقة بأبعادها الطبيعية فإذا بهم يرتدّون
إليها في أعمار متقدمة وبشكل سيئ ومنفّر.
كي أوضح لك الفكرة أكثر فإن المراهقة فترة لم تكن
معروفة عندما كانت المجتمعات تعيش مرحلة التطور
الزراعي, إذ كان الأهل بمجرد بلوغ الابن يقومان
بتزويجه من أجل الإنجاب بالدرجة الأولى وذلك بغية
إكثار اليد العاملة في الحقل, وكان الأب – في أحسن
الأحوال - يقتطع لابنه قطعة من الأرض يخصه بها, وكانت
الأمور تسير ببساطة متناهية فلا يوجد عنت غريزة ولا
بحث مستغرق عن رفيق أو حبيب لأن الفتى لم يكن يبلغ
الخامسة عشرة إلا وهو على وشك أن يصبح مسؤولا عن
أولاد؛ ولم يكن هناك متطلبات نفسية للزوجة ولا متاعب
تربوية مع الأولاد الذين كانت تنتقل إليهم التقاليد
البيئية – الأسرية أو الاجتماعية - بسهولة ويسر دون أي
غزو ثقافي عبر وسائل الإعلام التي همّشت دور الأسرة
التقليدي الذي كان يتميز بجعل الفتى والفتاة خاضعين
للأهل حتى وهم متزوجين, ولذلك لم نكن نسمع بهذه النسب
العالية من الطلاق, لكن أيضا كان له مساوئ من أن
المرأة لم تكن شريكة فعلية للرجل, فكثيرا ما كان يتزوج
الرجل أربع نساء بغية زيادة اليد العاملة أيضا, وكن
جميعا يرضين بنصيبهن من هذا الرجل, بما أنه يؤمّن
نفقاتهن وأولادهن من محصول الأرض, فلا أقساط مدرسية
ولا تكاليف طبية ولا غير ذلك من نفقات ملزمة تتصاعد
يوميا مع تراكم التغيرات الاجتماعية.
كل هذا الشرح يا بني العزيز كي أبيّن أنني لست ضد
الزواج المبكر عندما تكون الأسرة الكبيرة حامية له من
الإخفاق كما كان الأمر سابقا, أما الآن فقد اختلف
الوضع كثيرا - حتى في المجتمعات القروية - فالزواج
أصبح مسؤولية كبرى من ناحية الأثقال المادية والتبعات
النفسية والأحمال التربوية, لذلك من الأفضل للشاب
والفتاة أن يؤخرا مرحلة البحث عن شريك الحياة لفترة ما
بعد العشرين على الأقل, إذا لم يكن لما بعد الخامسة
والعشرين خاصة بالنسبة للشاب, وهناك حكمة كبيرة في قول
عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إذا بلغ الرجل السابعة
والعشرين اكتمل عقله إلا التجارب).
بالنسبة لزواجك المبكر أنت شخصيا, كما هو الحال في
أكثر حالات الزواج المبكر, فإنك ستكون معتمدا على أهلك
بالإنفاق عليك وعلى زوجتك, وهو ممكن في بعض الحالات
الاستثنائية, أما القاعدة برأيي, فهي أن الشاب يجب أن
يكون هو من ينفق على زوجته, وليس والده أو والدته,
فالمرأة لا تحب الرجل المعتمد على غيره, وحتى لو
تزوجته في البداية بدافع حب, فإن الزواج يفتح عينيها
على ما هو أبعد من الحب, لذلك بشكل عام لا أنصحك
بالتفكير بالزواج الآن لا بهذه الفتاة ولا بغيرها.
هذا بشكل عام أما إذا أتينا إلى المنحى الخاص في
مشكلتك, الذي يجعلك مترددا في قرار زواجك من هذه
الفتاة وهو شعورك بالغيرة عليها ممن تتكلم معهم من
الشباب, فهذا يدل على اختلاف بيئتها الثقافية التربوية
عن بيئتك, واختلاف البيئات يشكّل أحد أسباب فشل الزواج
غالبا, مع الإشارة إلى أنها قد تكون تتكلم معهم بحكم
الزمالة والمعرفة السابقة, وقد تكون لديها القدرة على
تقبّلهم بحكم مرونتها الطبعية, وهو الأمر الذي لا يوجد
عندك, فأنت لا تعجبك أشكال أولئك الفتيان بل ترى
أكثرهم صعاليك, وبالطبع لك الحق في إبداء وجهة نظرك
بالآخرين, ولكن للأسف يا بني فهذه هي الموضة, ومع ذلك
فإن انشغالك بعيوبك كان أجدر بك, فأنت أيضا تسير حسب
الموضة, أو ليس انشغالك بالحب إلى هذه الدرجة رغم صغر
سنك النسبي, هو بسبب موضة الحب التي أغدقتها علينا
أفلام وقصص تسمى رومانسية رغم تدنيس عاطفة الحب بما
ليس منها؟
ليس لي اعتراض على الحب بالطبع, بل على العكس أبديت
رأيي في كثير من الاستشارات والمقالات أنه يهذب توحش
الغريزة لدى الشاب, لكن اعتراضي على الانشغال به إلى
درجة التفكير بالزواج من أي فتاة يخفق لها القلب,
والاعتصار الحزين وراء ذكرى الحب الأول ثم القلق
المختفي في ثنايا الحب الثاني؛ فأين صفات الرجولة
الحقيقية؟ ألم تسمع بقول الحكماء الأقدمين:(إنما تبكي
على الحب النساء!)؟
أرجو أن تشغل نفسك بما ينفعك وبما يعينك على أن تكون
مستقلا ماديا قبل الوصول إلى قرار الزواج من أي فتاة
كانت, ولا أحبذ أن تحلم باستطاعتك تغيير أي فتاة عصرية
وثنيها عما اعتادت عليه, فشخصية الأنثى الحالية –
عموما - لم تعد تتصف بتلك الطاعة كما كانت جدتها,
والندية التي تطالب بها النساء في الغرب تفشت في
ديارنا, وإذا كنا نشجع على منح المرأة مكانتها
المساوية للرجل على صعيد المجتمع, فإننا نعلم أن
جماليات الحياة الزوجية وسعادتها تقضي بأن يكون الرجل
قواما على المرأة ومسؤولا عنها في نفس الوقت الذي تكون
هي المتحببة له العاملة جهدها لإسعاده المبتعدة عما
يثير غيرته الحافظة له في نفسها وماله, ومن أسف أن
اختلاط الأمور على كثيرين جعل أسرنا مفككة, فالمرأة
والرجل يطالب كل منهما بحقوقه دون أن يدرك أن حقوقه هي
واجبات الطرف الآخر, والعكس بالعكس.
دع الحياة تصقلك يا بني وأذكّرك بوجه الشبه بين قلم
الرصاص والإنسان الذي يحتاج بين كل فترة وأخرى إلى
تجربة تقوم بدور المبراة فتشحذه وتقلّمه وتجعله أكثر
قدرة على العطاء والإنتاج والتأثير.
إسلام أنلاين 27/3/2007 |