|
أهلا وسهلا بك أختي الكريمة وأشكر لك اهتمامك بأسرتك وشعورك بالمسؤولية عن أخيك,
وكذلك حسن عرض مشكلتك بتفاصيلها الهامة التي نستفيد منها ما يدل على شخصية أخيك
صاحب العلاقة من أنه يتصف بأنه أصغر من في البيت, وهذا ما يجعله عرضة لتأثيرات من
شخصيات أكبر منه ومختلفة التنويع بين الأب والأم والأخوات الثلاثة والأخوين
الاثنين, لذلك كثيرا ما يكون الأصغر إما حائزا على الدلال أو على العكس انعدم
الاهتمام به حتى وصل إلى الإهمال, وبالطبع لا أستطيع أنا أو غيري من المستشارين أن
نقرر ما هو وضع العائلة وشكل معاملة الأبوين لهذا الابن الصغير, رغم أنك حاولت
التوضيح بحيادية, لكن في رأيي – إجمالا - إن المشكلات الأسرية تحتاج معالجة عن قرب
وأن يساهم بإبداء الرأي كل المشاركين في المشكلة سواء كانوا أطراف فيها أو في
إمكانية حلها, وهذا متعذر نوعا ما عبر الانترنت كما أنه متعذر كثيرا – للأسف – في
مجتمعاتنا العربية التي تعتبر أن أسرار العائلة يجب ألا تخرج للناس رغم أن المشكلة
أحيانا ليست على ذلك الشكل من السوء.
إذاً فإن كون أخيك تعرض لشخصيات مختلفة أمامه يتماس
معها بشكل مباشر ويتأثر بها منذ نعومة أظفاره فإن
شخصيته غالبا ما تكون قوية جدا أو ضعيفة جدا, وقد وصفت
شخصية أخيك بالضعف, والسبب هو اعتماده على الآخرين منذ
طفولته, وكذلك تبعيته لهم في الرأي والتصرف, ومن
المعلوم أن الطفل الأصغر يقلد الأكبر في كل شيء لدرجة
سيئة أحيانا, وكثيرا ما يتعرض الأصغر لبعض المواقف
السخيفة عندما يحاول تقليد من يكبره وكذلك قد يستثير
غضبَه إخوتُه الأكبر منه سنا أو يحاولون إخافته وقد لا
يجد من يشكو إليه في حال خروج الوالدين من المنزل مثلا
أو إذا شكا لهما في حال وجودهما فقد لا يكونان على تلك
الثقافة التربوية التي تجعلانهما يضعان الأمور في
مواضعها لإزاحة الموقف السلبي من ذاكرته كي لا يرسخ في
لاوعيه, لأن هذا الشعور بالضعف إذا تكرس لديه سوف
ينعكس في المستقبل تقييما سلبيا لذاته يتظاهر بشكل ضعف
في الشخصية أو أحيانا رغبة بالانعزالية وغالبا بالخجل
الذي يجعله يسعى لإقامة علاقات غير جيدة يجد عبرها
الأمان مستقبلا, وربما تكون حالة أخيك مع أصدقائه
ورغبته بالهرب من جو العائلة إلى الخدمة العسكرية هو
انعكاس لشعوره بأنه الأضعف بينكم فهو يرغب بالتعويض مع
الأصدقاء الذين يشجعوه على التعبير عن رجولته عبر
اتخاذ سلوكيات خاطئة كالتدخين وما شابه.
لا ننكر أن تعاملك سليم معه بتشجيعه قبل امتحان
الثانوية وبعدها وكذلك موقف أمك وتغاضيها عن تدخينه,
وأيضا موقف أخويك واهتمامهما بهما, فهذا يدل على أنكم
عائلة متكاتفة ولله الحمد, لكن الأمر يتطلب اهتماما
أكثر وربما كان أخوك محتاجا لمناقشة بعض الأمور التي
ذكرتها لك سابقا عن طفولته مع شخص يثق به, ولا أظن أن
أحدا من نفس العائلة ينفع للقيام بهذه المهمة, لأنه
مهما كان مثقفا ومهتما فغالبا لن يستطيع أن يكون
حياديا, فأنا كطبيبة عندما يمرض ابني بالزكام ويصاب
بالسعال أصف له الدواء كما أصفه لغيره, ولكني لا
أستطيع أن أحيّد شعور الأم من قلبي تجاه ابن لي مريض,
وهكذا فإن أمك لن تنفع لمعالجة أخيك خاصة أنها قد تكون
طرفا مهما في تركيب شخصيته الحالية وأنت طلبت عدم
توجيه اللوم لها وهذا دليل حبك لوالدتك الذي جعلك
بعيدة عن الحيادية وهذا ليس عيبا فقلبك الكبير يا
عزيزتي صفح عن أخطاء والدتك العصبية التي لم تذكري عن
عصبيتها الكثير, ومن معرفتي بالناس فإن كثيرا من الذين
يتصفون بالعصبية والانفعال يحاولون تصحيح أخطائهم
الناجمة عن انفعالاتهم بمواقف انفعالية أكثر, ولأوضح
لك أكثر سأذكر لك هذا المشهد الذي حضرته عندما كنت
مدعوة للغذاء عند بعض أقربائي في يوم جمعة, فالولد
الأصغر عمره 10 سنوات جاء يحدث أمه بأمر بصوت عادي دون
أن ينتبه أن والده موجود ويصغي لنشرة الأخبار فما كان
من الأب إلا أن صرخ بابنه بعصبية شديدة, فانكسر خاطر
الولد وانسحب إلى غرفته, وأحس الوالد بخطئه, فذهب إلى
غرفة الولد وبعد قليل حضر الاثنان وكان الأب يحمل
الولد على ظهره بصورة غير لائقة, لأن هذه الحركة – حمل
الطفل من الأمام أو من الخلف - مناسبة لولد قبل سن
المدرسة على الأكثر, ولم يكن الصبي مسرورا أبدا لأنه
كان يفضل ألا يصرخ فيه الأب أساسا.
ما يمكن استنتاجه من كل ما ذكر هو أن أخاك ليس على تلك
الدرجة من التدهور, ولا عائلتك أيضا بالعائلة غير
المتماسكة, ولكن أخاك بحاجة إلى من يعيد له تقييمه
الإيجابي بنفسه, وقد ذكرت فصلا كاملا عن التقييم
الإيجابي للذات عند الناشئ – الطفل والمراهق – في
كتابي التربوي "ألف باء الحب والجنس" فأرجو أن تطلعي
عليه لتقارني بين أساليب التربية الصحيحة وأساليب
التربية التي تعرض لها أخوك, علما بأن التربية لها دور
كبير في تشكيل الشخصية لكن قد يكون للوراثة دور أحيانا
في تشكيل الطباع الإيجابية منها والسلبية, وعلى كل حال
فإن الأفضل برأيي هو استشارة معالج نفسي ويحبذ أن يكون
مختصاً بأمراض نفس المراهقة.
إذا لا بد من اعتراف كل طرف بمشاركته دون لوم أحد
لأحد, فيكفي الاعتراف بالذنب ليكون سعيا لتلافي نتائجه
فيما بعد, وإذا تعذرت استشارة طبيب نفسي بشكل مباشر,
فيمكن لأخيك أن يكتب لنا إذ قد تساعد كتابته في إلقاء
الضوء على شخصيته أكثر, وخاصة أن في ذلك دلالة على
رغبته بتغيير شخصيته وسعيه لحياة أفضل خالية من
المنغصات بما فيها التدخين الذي أؤكد على ضرورة محاولة
تخليصه منه الآن حيث من الصعب جدا أن يترك التدخين بعد
طول اعتياد عليه خاصة إذا كان قد بدأ به في هذه السن
المبكرة.
إسلام أنلاين 25/2/2007 |