|
من ناحيتي أتفهم مشكلتك تماما, فالمرأة – بشكل عام- يعجبها الرجل ذي الشخصية
القوية, وترغب فيمن يفوقها تجربة وخبرة في الحياة, ولذلك كانت القوامة بيد الرجل في
الأسرة وهي مسؤولية وليست تفضيلا, بل معناها أن يكون القرار الأخير بيد الرجل بعد
تشاور مع زوجته في كل الأمور المشتركة والتي تنعكس على حياتهما معا, وإن كان التفوق
العقلي والنفسي ليس الشرط الوحيد لهذه القوامة بل أيضا هناك شرط أخير هو إنفاق
الرجل على المرأة من حيث تقديم المهر في البداية وكذلك التكفل بنفقات الأسرة في
المسكن والمأوى والملبس وغير ذلك من الأمور المتعارف عليها في بيئتهما, علما بأن
هذا ليس له مدلول في فضل الرجل على المرأة بل كلاهما متساويين في الحقوق والواجبات
إلا ما استثني بنص صريح, كما قال ابن القيم وابن حزم وغيرهما من الفقهاء المعتبرين
السابقين واللاحقين, كما أنه ليس دلالة على نقص المرأة عن الرجل بل على العكس تحتل
المرأة في مكانتها كأم درجة أعلى من درجة الأب في إكرام الأولاد لكل منهما, وفي كل
ما تقدم نرى أن الإسلام قد وضع الأمور في مواضعها الصحيحة.
في نفس الوقت فإن شريعتنا الغراء جاءت لترضي فطرة
الغالب الأعم من الناس, فهناك نفسية واحدة تحكم الرجال
تتمثل في بعض صفات الذكورة كالجرأة مثلا, وهناك نفسية
واحدة تعم النساء كالعناية بالصغار مثلا, ولكن في كل
طرف هناك حالات لا تنطبق عليها هذه القاعدة العامة,
ولكل حالة استثناءات, وتتدخل التربية كثيرا في هذا
الأمر, فعندما تعتاد الفتاة على الاعتماد على نفسها في
كل شيء من ناحية الكسب والإنفاق والسفر أو عندما تتعود
أن يكون لها الرأي الأول في عائلتها, أو .. أو .. بما
في ذلك من حسنات تربوية وكذلك سيئات تربوية, فإنها قد
لا تهتم كثيرا بموضوع القوامة, وعلى سبيل المثال فإن
الغرب لا يعترف بهذه القوامة ولا يسأل عنها, وتكون
حقوق المرأة وواجباتها نفس حقوق الرجل وواجباته في كل
شيء, ولهذا الأمر حسناته ولكن أيضا له تبعاته التي لا
مجال لمناقشتها هنا.
بالنسبة لحالتك أنت فيبدو من المعلومات التي تكرمت
علينا بها أنك من بيئة غير البيئة التي تقيمين فيها
حاليا, وخاصة مهنتك كمهندسة حيث لا يوجد في بلد إقامتك
أي كلية هندسة للبنات, فهذا إما يعني أنك نشأت في
موطنك الأصلي وقدمت إلى حيث تقيمين بعد الدراسة
الجامعية أو أنك درست في بلدك الأصلي -أو غيره- بعيدا
عن أهلك, وفي الحالين هناك بيئة مختلفة عن البيئة التي
ولد ونشأ فيها خطيبك العاقد عليك حاليا, وليست بالطبع
البيئة الاجتماعية هي المسؤولة فقط عن تكون شخصية
خطيبك بهذا الشكل, ولكن لأسرته الدور الأكبر في تربيته
ومنحه صفاته بما فيها من صفات مرغوبة وغير مرغوبة في
الرجل, وكذلك لا ريب أن لأسرتك دور كبير في تشكل
شخصيتك.
بعد كل هذا الشرح يمكنك كامرأة مستقلة وقرارها بيدها
أن تراجعي نفسك قبل الإقدام على إكمال الزواج, وذلك
-كما نقول دائما - بمراجعة حسابات الخسارة والربح من
الارتباط بهذا الرجل, فهو يرضيك من الناحية العقلية
والاجتماعية والأسرية خاصة أن أسرتك موافقة عليه تماما
كما يبدو, ولكنه لا يرضيك من الناحية النفسية, فالسؤال
الذي يجب أن تطرحيه على نفسك: هل أنت قادرة على تجاوز
هذا العيب في شخصيته؟ وذلك بدلا من أن تطلبي منه تغيير
شخصيته, لأن هذا من الصعوبة بمكان إلا إذا اقتنع الشخص
نفسه بضرورة تغيير شخصيته, وفي هذه الحال قد يطلب منك
هو أن تغيري أنت من شخصيتك لتتقبليه كما هو, وهو
بالنسبة لك ليس أمرا سهلا أيضا, وبدلا من ذلك وكي لا
يحاول كل منكما التغيير بعيدا عن صاحبه فيخفق, أرى أنه
من الأفضل إجراء حركة تفاوضية بينكما أو ما يسمى
بتعبير آخر, إجراء تسوية, بحيث يعمل هو على تغيير
شخصيته رويدا رويدا ليصبح قريبا من شخصية الرجل الذي
ترغبين به زوجا لك وقواما عليك, وكذلك أن تحاولي أنت
تقبله بعيبه بحيث تغضي الطرف مرة وتنبهي برفق مرة أخرى
وتصححي له بمودة مرة ثالثة, وهكذا, فهل هذا ممكن؟
إذاً يا عزيزتي من الأفضل أن تمنحي نفسك وخطيبك فرصة
أخرى - إن لم يكن مهلة طويلة الأمد -قبل الإقدام على
قرار الزواج, فقد تكتشفين أنه بخجله يكمل جرأتك مثلا,
وقد تجدين أن شخصيتك القوية ليست سهلة ليتقبلها كل
الرجال, وأضرب لك مثلا بصديقتي التي من الواضح لكل
قريب منهما أن شخصيتها أقوى من شخصية زوجها, ولكن عند
أي مشكلة بينهما ولجوءها إلي, أخبرها بصراحة أنها لن
تجد أفضل منه زوجا لأنه يحبها ولا يمكن أن يتحملها رجل
غيره, بسبب عصبيتها وانفعالها – على الرغم من أنها
رائعة – وبروده وهدوئه على الرغم من أخلاقه الحميدة,
ولذلك أخبرتك أن لكل حالة استثناء, ولا تنسي تكرار
الاستخارة بعد الاستشارة, ولعلك تطّلعين على ما كتبته
لمجلة السعادة الأسرية والاجتماعية في غزة ضمن تحقيق
حول موضوع
القوامة في الحياة الزوجية, وأهلا وسهلا بك.
إسلام أنلاين 27/1/2007 |